كيف يفكر المستثمرون السعوديون لمصالحهم المستقبلية في السلطنة ؟

01 سبتمبر 2021
01 سبتمبر 2021

د . عبدالله باحجاج

لم يعد الاقتصاد ينصاع للسياسة بصورة عمياء، فهذه حقبة قد ولت، حيث كان دائمًا يصاحبها الفشل، صحيح لا تزال السياسة تقود الاقتصاد، لكن قيادتها الآن برجماتية، ويعزى هذا التحول في منطقتنا الخليجية للمتغيرات الكبرى التي طرأت على مفهوم الدولة في الخليج من الدور الريعي إلى الضرائب، والاستحقاقات المعقدة لتنميتها المستقبلية، وهذا يسري على مسقط والرياض اللتين تتطلعان إلى إعادة صناعة اقتصادهما من منظوري الاستدامة دون النفط، ومنافسة الرياض الخارجية من منافذ بحرية آمنة، من هنا تظهر السلطنة للمملكة كضرورة اقتصادية، واقترابنا من مستوى التفكير الاستثماري لأكثر من 50 من رؤساء وقيادات الشركات السعودية الرائدة إقليميًا وعالميًا، يجعلنا في قلب اهتماماتهم الاقتصادية داخل بلادنا، ومن ثم معرفة حجم مردودها الاقتصادي والاجتماعي لبلادنا، وكيف ينبغي لبلادنا أن تهيئ مواردها البشرية لها من الآن؟

قد أصبح واضحًا الآن المسار الذي ستنطلق من خلاله الاستثمارات السعودية ـ في السلطنة، فهو برجماتي عالي المهنية والنفعية المرتبطة مباشرة بأجندات المملكة المستقبلية، وتقاطعها مع الأجندات العمانية المماثلة من حيث تلاقيها، وقد عبر عن هذه البرجماتية من الجانب السعودي أكثر من شخصية حكومية واقتصادية بارزة، وقد حصروها في معادلة ثنائية متوازنة من حيث التنظير، وهي: الاستفادة من القدرات السعودية الصناعية، مقابل الموقع الاستراتيجي للسلطنة، فالموقع الاستراتيجي العماني يطل على بحار مفتوحة، هي بحر العرب والمحيط الهندي وبحر عمان، بينما تطل الرياض على منافذ بحرية ضيقة الخيارات أو تكتنفها المخاطر الأمنية العالية والمتتالية، كالخليج العربي والبحر الأحمر، من هنا، يستمد قولنا السابق: إن السلطنة مصلحة اقتصادية حتمية للمملكة لنجاح انطلاقتها الاقتصادية الجديدة ذات التطلعات العالمية.

والصناعة هي أحد القطاعات الحيوية التي يرتكز عليها الاقتصاد السعودي، وتستهدف الرؤية السعودية 2030 في نهايتها، الوصول إلى نسبة 33٪ من مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي، وفق تلك المعادلة المركبة، سوف يركز الشريك السعودي في استثماراته داخل بلادنا على الصناعة، خاصة صناعة البتروكيماويات، والكيماويات المتخصصة التحويلية، والصناعات الغذائية، والصناعة السياحية والترفيهية والفندقية والعقار واللوجستي والتعدين والنقل البحري وقطاع المصائد، وهنا، تلتقي الاهتمامات السعودية مع نظيراتها العمانية، فتلك القطاعات والمجالات هي مصادر أساسية للاقتصاد العماني الجديد، وتستهدفها الرؤية العمانية 2040 كخيارات مفتوحة للاستثمارات الخاصة بما فيها الأجنبية.

وفي موازاة تلك البرجماتية السعودية، طرح الجانب العماني مقاربته للاستثمارات السعودية، وذلك من خلال فتح كل أبواب القطاعات الاستثمارية العمانية لها دون استثناء، نلمسها من تصريحات العجيلان وهو إحدى الشخصيات الاقتصادية السعودية البارزة، وذلك عندما قال: «إن الجهات المختصة في السلطنة تسعى لاستقطاب الاستثمارات السعودية في مختلف القطاعات» وهذا يعني أن أبواب كل القطاعات مشرعة للاستثمارات السعودية، وقد قابلها الوفد السعودي بالإيجابية المتوقعة، تمثلت في إعلان دعمه الكامل للشراكة العمانية السعودية، وربما هذه الأخيرة أهم نتيجة استخلاصية لزيارة الوفد السعودي للسلطنة.

وكنت أتوقع خلال زيارة الوفد السعودي لبلادنا، التوقيع على اتفاقيات كبيرة لمشاريع استراتيجية بين البلدين سواء المشتركة أو السعودية الخالصة، تعزز الزخم المشاريعي الذي أعلن عنه عشية وبعيد الإعلان عن الشراكة العمانية السعودية في مايو الماضي، لعلها تبعث برسالة للحذرين من الداخل، والمتشككين من الخارج حول الطابع المثالي للشراكة، وكل ما تم توقيعه خلال هذه الزيارة لا يرتقي إلى مستوى ذلك الزخم الكبير الذي رافق الكشف عن العشرات من المصانع السعودية في بلادنا، والرهان على الطريق البري الجديد الوحيد بين البلدين، وتحقيق حلم الرياض في مد أنبوب نفطها لبحر العرب من داخل الأراضي العمانية... إلخ، ورغم ذلك، ليس لدينا شك في مستقبل هذا الزخم، مما يجعلنا نترقب مرحلة ما بعد زيارة الوفد السعودي الكبير لبلادنا من نتائج كبيرة، وفي آجال زمنية قصيرة، لبلورة النتائج التي خرج بها الوفد السعودي من زيارته للسلطنة التي استغرقت ثلاثة أيام.

والمتأمل في القطاعات والمجالات العمانية التي تستقطب اهتمامات السعودية، أنها ذات عائد مالي كبير، وفيها فرص عمل كثيرة، وهذا هو الأهم من منظور اهتماماتي بالأبعاد الاجتماعية، وهذه يعني أنه ينبغي على الحكومة تشكيل لجنة مهمتها دراسة وتحليل فرص العمل وطبيعتها التي ستتاح مستقبلًا للباحثين عن عمل، وكيف يمكن تقاسمها مع دولة الاستثمارات، مع الأفضلية للدولة المستقبلة للاستثمارات، ومن ثم العمل على توجيه تأهيل مخرجات الدبلوم العام نحو إنتاج المؤهلين لها من مختلف التخصصات، وإلا فالمشهد الآن يمكن تصويره كالاتي: تخصصات التعليم العالي في واد، وما تنتجه شراكاتنا الكبيرة مع الخارج من مشاريع داخل بلادنا في واد آخر، رغم ما نعانيه من ضغوطات مرتفعة في ملف التشغيل.

كما نقترح، إعادة النظر في الحد الأدنى للأجور، وتحريره من فك الارتباط بالمؤهلات، وهذا قد نفرد له مقالًا خاصًا، لتوضيح تأثيره المتعدد على عملية تكوين جيل جديد في مرحلة منفتحة على المحيط الخليجي خاصة، والدولي عامة، وكل ما نود لفت الانتباه إليه هنا هو قلقنا الاستشرافي من توظيف شبابنا بمرتبات متدنية في مشاريع ضخمة تمول وتدار من قبل أصحاب الاستثمارات العابرة لحدودنا الوطنية، فكيف سيكون المشهد الوطني؟ وما هو مستقبل إكراهاته على شأننا الداخلي؟ بتساؤل آخر، هل يمكن أن تثار قضية التسييس؟ مثل هذه الأسئلة سنتركها للمقال، لكنني أتمنى أن تكون رسالتي قد وصلت الآن من خلال تلويحي بهذه الجزئية المهمة في مرحلة الشراكات المتعددة الجنسيات.

ويستحق المقام هنا التذكير بقضية التعدد والتنوع في الشراكات العمانية الخارجية، وهو ما تناولته في مقالي الأخير المعنون باسم «الحل: في تعدد وتنوع الشراكات الخارجية العمانية» وبينت حتمياته، ودورها في الحفاظ على أدوات الحياد العماني، وتوسيع القاعدة الإنتاجية العمانية، وامتلاك التكنولوجيا المختلفة، عوضًا عن الرهان شراكة أو حتى شراكات محدودة، وضربت أمثلة بتركيا واليابان والهند.. فالشراكات العمانية مع الرياض أو مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي، رغم أهميتها الكبرى، لن تؤمن لبلادنا كل ما تتطلبه لنجاح رؤية 2040، كالتكنولوجيا مثلا.. إلخ. ولو تعمقنا قليلا في منظور الإدارة السياسية لشراكات بلادنا مع الخارج، لربما تكون الحاجة تستدعي كذلك تشكيل لجنة عليا لها، تضبط عمل تعدد المؤسسات العمانية التي تتعامل مع الشراكات، خاصة أن المصلحة العمانية تستوجب تنوع وتعدد الشراكات مع الخارج، فينبغي أن تخصص لها لجنة عليا مؤهلة تضبط المسارات وفق الأجندة العمانية الشاملة، وتتابع نتائجها أولا بأول، وتدرس سلبياتها، وتعالجها فوريا.