في اللغة.. وهم الاتفاق
13 سبتمبر 2026
13 سبتمبر 2026
«كلّما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة»
النفّري
يجلس عشرة أشخاص في مجلس، فيقول أحدهم: «الغلاء فاحش»، فيهزّ التسعة رؤوسهم موافقين. يبدو أنهم اتفقوا، لكن أحدهم يفكر في كيس الأرز، والثاني في إيجار البيت، والثالث في راتبه الذي لم يعد يبلغ آخر الشهر، والرابع في الأسعار التي عرفها أيام شبابه. يلوم أحدهم جشع التجار، ويردّ آخر الأمر إلى تراجع العملة، ويعزوه ثالث إلى الحرب وأسعار الطاقة. يريد واحد تسعير السلع، ويريد آخر رفع الأجور، وثالث زيادة المنافسة.
قالوا الجملة نفسها، لكن كل واحد منهم قال في باطنه شيئا آخر.
نحسب أن الكلمات تنقل ما في أذهاننا كما ينقل الوعاء ما فيه: أضع فكرتي في عبارة، فتصل إلى غيري كما خرجت مني. غير أن العبارة لا تحمل الفكرة كاملة، ولا تستدعي في ذهن السامع الصورة نفسها.
إنها تتيح قدرا من التلاقي يكفي لاستمرار الكلام، ثم تخفي وراءه مساحات من الاختلاف.
تبدو كلمة «الغلاء» اسما لشيء واحد، مع أنها تجمع تغيرات كثيرة: أسعارا ارتفعت وأخرى استقرت، ودخولا زادت وأخرى تآكلت، وحاجات تختلف بين أسرة وأخرى. أما كلمة «فاحش» فتضيف إلى الوصف معيارا وحكما: فهي تفترض سعرا طبيعيا معلوما، وأن الواقع قد جاوزه إلى حد لا يُقبل. لكن أين يبدأ هذا الحد؟ وبأي دخل نقيسه؟ وبأي زمن نقارنه؟ ولمن صار فاحشا؟
نحتاج إلى الاسم كي نمسك بتعدد لا نستطيع استحضاره دفعة واحدة. لكننا ما إن نمسك به حتى ننسى ما أفلت منه. تتحول الخريطة إلى أرض، واللفظ إلى شيء قائم بذاته، ثم نبني على وضوح الاسم ثقة في اكتمال التصور.
وقد لا تزيل اللغة جهلنا؛ قد تنقله من ظاهرة معقدة إلى كلمة مألوفة. نقول إن الرجل لا يعمل لأنه كسول، ثم نستدل على كسله بأنه لا يعمل. ونسمي الارتفاع العام في الأسعار تضخما، ثم نتصرف كأن الاسم شرح القوى التي أحدثته. تدور الكلمات حول الواقعة، ثم توهمنا أنها نفذت إلى داخلها.
غير أن التفسيرات لا تحضر إلى الأذهان بالسهولة نفسها. فاللغة التي نرثها ليست معجما للأشياء وحدها؛ إنها معجم خفي للأسباب أيضا. تمنحنا الثقافة قوالب نرتب بها الحوادث: فاعل يريد، فيفعل، فتقع النتيجة.
ولهذا يسهل أن نقول إن الأسعار ارتفعت لأن التجار جشعون. في الجملة فاعل يمكن تخيله، وقصد يمكن فهمه، ومسؤول يمكن لومه. أما سعر الصرف والديون والطاقة والإنتاج والتوقعات وسلاسل الإمداد، فلا تجلس مجتمعة خلف منضدة المتجر.
قد يكون التاجر جشعا فعلا، وقد يستغل الأزمة ليزيد ربحه. لكن الانتقال من مساهمته في الغلاء إلى جعله تفسيرا كاملا له يكشف حاجتنا إلى سبب له وجه.
فالسبب الواحد يسهل روايته، أما الأسباب المتضافرة فلا مؤلف واحدا لها، ولا تبدأ في لحظة، ولا تنتهي عند متهم.
ولا تختار المجتمعات تفسيراتها في فراغ. يصوغها تاريخها وتعليمها وإعلامها وخطاب مؤسساته. قد يجد الخطاب الرسمي راحته في جعل التاجر وجه الغلاء، كما يجد التاجر راحته في جعل الأزمات العالمية سبب كل زيادة. ويرى المستهلك بطاقة السعر أمام عينيه، ولا يرى السفينة والعملة والمصرف والطاقة والضريبة والأجر. ما يراه حسي ومباشر؛ وما لا يراه يحتاج إلى مفاهيم تجمع أجزاءه المبعثرة.
وهكذا لا يختلف الناس في الألفاظ وحدها، بل في الشبكات التي يضعون الألفاظ داخلها. قد يغلب في مجتمع ربط الغلاء بصورة التاجر المحتكر، بينما يغلب في خطاب مجتمع آخر ربطه بقرار المصرف المركزي، وفي ثالث بحرب عطلت التجارة.
ليست هذه الصور وليدة اللغة وحدها، بل وليدة تجارب تاريخية ومؤسسات ومعارف تحدد ما يظهر في مجال الرؤية وما يبقى خارجه.
ومثال الغلاء ليس إلا تمثيلا لما تفعله كلمات كثيرة نظنها موضع اتفاق. نقول: الحرية، والإصلاح، والمشاركة، والعدالة، فيهز السامعون رؤوسهم. لكن الحرية قد تعني عند أحدهم ألا تتدخل الدولة في اختياره، وعند آخر أن تمنحه القدرة الفعلية على الاختيار. وقد تعني المشاركة أن يُسمح للمواطن بالكلام، أو أن يُستشار، أو أن يملك أثرا في القرار.
أما الإصلاح فقد يكون عند طرف تغيير الأشخاص، وعند آخر تغيير القواعد، وعند ثالث عودة إلى نظام سابق يسميه الأصل.
لا تدخل هذه المعاني إلى أذهاننا من المعاجم وحدها. تصوغها الأسرة والمدرسة والمنبر والدولة والسوق، وما عاشه المجتمع من أمن واضطراب وعدل وظلم.
لذلك قد نجد للكلمة مقابلا معجميا دقيقا في لغة أخرى، من غير أن تنتقل معها التجربة التاريخية التي منحتها معناها. يتبادل الناس اللفظ نفسه، لكنهم لا يقفون في الموضع نفسه حين ينطقون به.
ومن هنا ينشأ وهم الاتفاق: نسمع العبارة المألوفة، فنسارع إلى ملء كلماتها من تجربتنا، ثم ننسب الصورة التي تكونت في أذهاننا إلى قائلها. نفهم ما تعنيه الكلمة لنا، ونحسب أننا فهمنا ما يعنيه بها.
فإذا انتقل الكلام إلى الفعل انكشف ما أخفته الألفاظ؛ فالذين اتفقوا على الإصلاح يختلفون في أول تغيير، والذين اتفقوا على المشاركة يتنازعون عند أول قرار، والذين أجمعوا على أن الغلاء فاحش لا يجمعهم تشخيص ولا علاج.
ليس كل اتفاق في العبارة اتفاقا في التصور، وليس كل اتفاق في التصور اتفاقا على الفعل. ومع ذلك يقفز النقاش العام كثيرا من اللفظ إلى القرار، كأنَّ ترديد الكلمات نفسها يعني أننا نرى الشيء نفسه، ونفهم أسبابه.
لا نستطيع التفكير من غير أن نصنف، ولا الكلام من غير أن نختصر. وإنما يبدأ الخطر حين ننسى ما حذفته العبارة، ونبني اتفاقا جماعيا على كلمات لم نسأل يوما عما يراه كل واحد منا خلفها.
قد يبدأ الفهم الحقيقي لحظة يتوقف الجميع عن هزّ رؤوسهم.
حمد سنان الغيثي كاتب ومترجم عماني
