عُمان... فسيفساء التعدد وروح الاختلاف

08 مايو 2023
08 مايو 2023

لا نكتب هذا المقال من باب الترف السياسي أو الفخر الاجتماعي بل من واقع عشناه لأكثر من نصف قرن وشهدنا تقلبات فصوله الأربعة وها نحن نعيش الخامس من حكاية عُمان الخالدة. إن سمة قبول التعددية العرقية والفكرية والرقي الاجتماعي لإفساح المجال واسعاً للاختلاف تعد من سمات الشعوب الحية التي تبحث عن البقاء والاستمرار ولديها ما يكفي من الطموح لتصبح أمة رائدة في المحيط الإنساني. ففي ظل مرحلة ما يعرف بالإنسان الكوني يصبح الانكفاء على الذات والجنوح للمحلية صفات معطلة لنمو وتطور الكيان البشري فالانغلاق يعمل على تمكين الحذر المرضي الذي يغذي الشعور بالوصول للكمال الوهمي واعتبار ما دون ذلك ضربا من التخلف والرجعية.

إذا آمنا بأننا نمثل ظاهرة اجتماعية فريدة في عالم اليوم فذلك يرجع بالدرجة الأولى إلى تشابكنا ومعايشتنا للأمم والشعوب الأخرى ففترات الانكفاء على النفس ولدت التناحر الأهلي ورسخت النعرات الفئوية بمختلف أشكالها سواء أكانت الطبقية الاقتصادية أو القبلية أو الدينية وهي في النهاية تؤدي لسيادة التخلف وتغييب الإنسان عما يدور حوله حيث يرى العالم الخارجي كالمارد القادم لانتزاع الصفات الحصرية التي غلف بها نفسه وفرض قدسيتها على محيطه البسيط فالعالم يتغير والناس تتدافع والعقل البشري ينمو ويصل لعوالم بعيدة غير آبه بذلك المنكفئ على نفسه، والأمم العظيمة التي سادت الحضارة البشرية وشكلت صفحات مضيئة في مسيرة الإنسان لم تؤمن بسيادة العرق الواحد وأبرزها الحضارة الإسلامية التي تجاوزت حدود جغرافيتها الصحراوية المحدودة ووصلت إلى البقاع البعيدة لتنشر الإسلام وتقيم العدل وكثير ممن حملوا لواء الفتوحات الإسلامية لم يعودوا إلى موطنهم الأول بل انصهروا في المجتمعات العرقية المختلفة ورسموا صفحات مشرقة وورثوا سجلاً حافلاً بالإنجازات قامت عليه الحضارة الغربية إلى اليوم.

وعندما نستحضر تطور الإمبراطورية العُمانية نجدها قامت على فكرة النظر إلى الخارج لحل انغلاق الداخل فالجمود السائد والصراعات القائمة على المرامي الضيقة أنهكت الإنسان واستنزفت عطاءه الفكري فأصبحت الأهداف والآمال متواضعة لا تتعدى من يسود القرية ويسيطر على الفلج وينظم المرعى فانطلق السيد سعيد بن سلطان بطموحه إلى خارج الديار ليسود أراضي وشعوبا ويقدم نموذجا فريدا للحكم الرشيد ما كان ليحققه لو ظل منغمساً في أتون التناحر الداخلي فعادت أساطيل السيد بخيرات لم يعهدها المنغلقون في الداخل فهاجر العُمانيون إلى جنبات الإمبراطورية المترامية وتحرر فكرهم من رؤية العالم من ثقب القرية فأصبحوا صناع مجد وحضارة واكتشفوا بأن العنصر الحازم كان الالتقاء والتصاهر مع الأعراق المختلفة ولعله من الجدير بالذكر هنا الإشارة لما أورده علماء الجينات في أكثر من مناسبة عن أهمية الانتخاب الطبيعي للإنسان فالمجموعات المنعزلة تولد أجيالا أكثر عزلة.

وبالنظر إلى تجارب العالم الحديث نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت على تعدد الأعراق فسادت العالم لإيمانها بأن أمريكا موطن العقول المبدعة بغض النظر عن اللون أو العرق أو الدين فأصبحت جنة الحالمين واستقطبت صفوة العقول البشرية ومنحتهم كل ممكنات الإبداع والجنسية في مقدمتها فقطفت ثمار ذلك الفكر بأن أصبحنا نعيش في القرن الأمريكي وعلى النقيض وجدنا أوروبا أحكمت أبواب انغلاقها على الخارج ودعمت توجهات تحديد النسل فباتت الجموع القادمة من عالم الظلمات (العالم الثالث) تلتهماها الأسماك في البحر المتوسط وتراجعت نسب المواليد وأصبحت دور العجزة في بعض البلدان تنافس مدارس الأطفال والمتتبع لانعكاسات التدافع السياسي في الشرق الأوسط وخاصةً في سوريا قد يستغرب من فتح القارة العجوز أبوابها المشرعة للاجئين السوريين والإجابة قد تكون عكس المتوقع فالأمر قد يخلو من الوازع الإنساني ويصب في مجال التوازن السكاني والحاجة لمجتمعات فتية تحرك تلك البلدان الغنية التي بات سكانها الأصليون مهددين بالضمور والانحسار.

من هذا المنطلق يجب ألا تقلقنا كثيرا فكرة الخوف من الانصهار مع الأمم والشعوب الأخرى بإقامة المزيد من الحواجز والمتاريس على أنفسنا بل علينا أن نمتلك ذواتنا ونزرع فيها المزيد من روح الثقة مستحضرين المدرسة العُمانية الخالدة في التعددية والاختلاف والانفتاح على الآخر من واقع قيمنا الحضارية الراسخة وديننا الإسلامي الحنيف ولا شك أننا في هذا البلد العظيم مررنا بتجارب قاسية كالتناحر الأهلي والثورات السياسية والركود الاقتصادي وتخطينها معا بقدرة الله وأنشأنا نسيجا وطنيا نادراً من المحبة والتعايش والسلام نعض عليه بالنواجذ.