انتخابات أعضاء المجالس البلدية ومتطلبات التغيير
15 أبريل 2026
15 أبريل 2026
تشهد سلطنة عُمان خلال الفترة الحالية حراكا مجتمعيا تمهيدا للمرحلة الأولى لتسجيل الراغبين في الترشح لانتخابات المجالس البلدية للفترة الرابعة.
ذلك الحراك المجتمعي يكاد لا يخلو من تساؤلات وتحليلات من أفراد المجتمع، للمدى الذي تمكنت فيه المجالس البلدية من تبني النهج الديمقراطي الصحيح في انتخاب أعضاء من جميع الولايات بكل محافظة ليكونوا ممثلين عن أفراد المجتمع في المجالس البلدية، ومدى تأثير ذلك النهج في إحداث تغيير واقعي لجوانب التنمية التي يتطلع إليها المواطنون..
عند قراءة شروط التنافس لانتخابات أعضاء المجالس البلدية فقد تتساوى مع الشروط المحددة لانتخابات أعضاء مجلس الشورى، من حيث فتح المجال لجميع المواطنين للتنافس على اعتبار أن شهادة دبلوم التعليم العام هي الحد الأدنى للمؤهل العملي بهدف إبقاء الباب مفتوحا للحاصلين على المؤهلات أعلى.
ولكن المتابع يرى بأن هناك عزوفًا سائدًا من الشرائح المثقفة في أغلب الولايات عن الترشح في هذه الانتخابات لوجود إحساس بأن قيم ومعايير المنافسة غالبًا تحوم حولها شكوك وتساؤلات، وأيضا مستوى ثقافة الناخبين لأسس المفاضلة بين المترشحين غالبًا لا تحكمها الخبرة العملية أو المؤهل العلمي.
أيضا، في أحيان كثيرة، للحصول على عضوية المجالس البلدية، فإنه ينبغي اتباع نهج الغاية تبرر الوسيلة بغض النظر عن الأهداف السامية التي ينبغي أن تسود لمن يرشح نفسه ليصبح عضوا بالمجلس البلدي، بحيث يجب عليه أن يبتعد عن غايات الانتفاع الشخصي أو الحظوة المجتمعية.
وإن كنا لا ننتقص من المستوى العلمي والخبرة العملية للأعضاء المنتخبين ولكن عملا بقانون المجالس البلدية ولوائحه النافذة، فإن العضو المنتخب الذي يمثل الولاية قد يتم انتخابه لإدارة اجتماعات المجلس البلدي أثناء غياب الرئيس، وبالتالي، قد تحصل فجوة عملية أو علمية بينه وبين الأعضاء المعينين الذي يمثلون الجهات الحكومية بحكم مناصبهم.
تلك الفجوة قد تزداد بحكم أن الأعضاء المعينين الذين يمثلون الجهات الحكومية لديهم المعرفة المسبقة - بحكم عملهم - بالخطط الاستراتيجية للمحافظة، وبالتالي، طرحهم لما تتم مناقشته والقرارات التي ترغب المجالس البلدية في اتخاذها قد تتصادم مع اختصاصات الجهات الحكومية الأخرى، وبالتالي، التخوف بأن تكون تلك القرارات والتوصيات التي تقرها المجالس البلدية تكون في حدود التنسيق والمتابعة والتوصية وليس التنفيذ على أرض الواقع.
وإن كان هناك من يجادل بأن اختلاف الخبرات والمؤهلات بين الأعضاء المنتخبين والمعينين الذي يمثلون الجهات الحكومية، يفضي إلى مساحة أفضل في النقاش ومعرفة الرأي الآخر ولكن توافق المؤهلات والخبرات من شأنه أن يعمل على إعطاء مزيد من العمق في الطرح العلمي والإثراء الاقتصادي والاستثماري وفي الجوانب التي تحتاج إلى تمحيص وتحليل وتطبيق أفضل الممارسات على المستوى المحلي والإقليمي مراعاة للمصلحة العامة، والحد من تحول صفة العضوية لمجرد حضور الاجتماعات.
نتوقع بأن المجالس البلدية وصلت لمرحلة من النضج الهيكلي والتنظيمي حسب ما يشاهد من حسن إدارتها لملفات العمل الحكومي والتنموي بالمحافظات والولايات، وبالتالي، إعادة تقييم تجربة المجالس البلدية لتكون أكثر فاعلية في تسريع خطط التنمية وأكثر فاعلية في إيصال قراراتها وتوصياتها للسلطات العليا بالحكومة أصبح لزاما حيث لا تحتاج المجالس البلدية إلى - وسيط - من بعض الجهات الحكومية تنقل من خلالها توصياتها وقراراتها إلى الجهات العليا بالدولة.
إدارة التغيير تتطلب اتخاذ قرارات تضمن المراجعة الشاملة في كل ما يحول دون منح التمكين لاختصاصات وأعمال المجالس البلدية لتقوم بأدوارها التنموية بفاعلية أكبر خلال الفترات المقبلة التي أصبح المواطن يتطلع بأن تكون تلك المجالس معينا وفاعلا في الوصول إلى تطلعاته الآنية والمستقبلية.
وقد يكون هناك استقلال مالي وإداري منحت للمجالس البلدية، فهذا جانب إيجابي يضاف لأهمية اضطلاع المجالس البلدية بأدوارها التنموية. وإن كان ذلك الاستقلال لم يأت بالسرعة المطلوبة ولكن التقييم الأولي لآثار ذلك الاستقلال ملاحظ في آليات عمل المجالس البلدية حيث أثبتت حضورها المجتمعي والاقتصادي بالمشاريع التي تنفذها بوتيرة متسارعة وبالتالي، أصبحت هي المرآة العاكسة للحكومة في تقييم خططها ومشاريعها للوصول إلى التوازن في توسيع برامج التنمية على مستوى المحافظات والولايات.
ذلك التوازن لا يزال يمثل تحديا نظرا للاختلافات الجغرافية والسكانية من ولاية إلى أخرى، وبروز التنافسية بين المحافظات حسب الميزات التي تمتلكها بحيث تعكس الجدوى والعائد على الإنفاق للمشاريع التي تنفذها الحكومة أو القطاع الخاص الهادفة إلى استغلال واستثمار المقومات التي تزخر بها كل محافظة وكل ولاية.
أيضا قد تنشأ ازدواجية وتداخل في اختصاصات المجالس البلدية التي يغلب عليها، الاقتراح وإبداء الرأي، والتنسيق مع اختصاصات بعض الوحدات الحكومية ذات العلاقة بالعمل البلدي. وإن كانت تلك الوحدات لديها أعضاء تم تعيينهم بالمجالس البلدية، ولكن أولئك الأعضاء لا يملكون سلطة اتخاذ القرار نيابة عن جهات عملهم لتقوم المجالس البلدية بتقرير ما تراه مناسبا.
وإن جازت المقارنة، فإن مجلس الشورى لديه نفس آليات انتخابات أعضاء المجلس البلدي، ولكن جميع أعضاء الشورى بمن فيهم الرئيس ونوابه هم أعضاء منتخبون من الولايات ويمارس المجلس صلاحياته عملا بقانون مجلس عمان. بمعنى آخر، فإن مجلس الشورى يتخذ قراراته وتوصياته ومراجعة مشاريع القوانين المحالة إليه والخطط الخمسية والميزانية العامة، بصفة مستقلة، وفي نهاية المطاف يتم رفع ذلك كله، إلى أعلى سلطة تشريعية وهو مقام جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - لاتخاذ ما يراه مناسبا. وبالتالي، صلاحيات مجلس الشورى ليست مقيدة - كما هو الحال - في المجالس البلدية التي يغلب على اختصاصاته التقييد بالرجوع أو التنسيق أو أخذ موافقة الجهات الحكومية الأخرى.
عليه، تزامنا مع التوجهات الاستراتيجية ينبغي على المجالس البلدية، العمل على تسريع التنمية الاقتصادية المحلية للمحافظات من خلال استثمار الموارد والمقومات النسبية للمحافظات بحيث تستطيع أن تسهم في رفع مستوى دخل المواطنين. هذا يتم من خلال تبني التجديد والتطوير في اتباع سياسة اللامركزية في اتخاذ القرارات ذات الشأن المحلي في كل محافظة.
المجالس البلدية أصبح دورها مفصليًا في رفع الأداء بالوحدات الحكومية بالمحافظات واتباع نهج الشراكة المجتمعية من خلال وجود أعضاء منتخبين يمثلون كل ولايات المحافظة، بحيث تتولد قناعة لدى المواطنين بأن عضوية المجالس البلدية أسهمت في تحسين المرافق الأساسية، ليس تركيزا فقط على مراكز الولايات - كما هو مشاهد حاليا - ولكن في جميع النيابات والقرى.
تظل انتخابات أعضاء المجالس البلدية تجربة وطنية أثبت فاعليتها على المستوى المحلي والإقليمي وبالتالي، ينبغي في مرحلة لاحقة من الانتخابات إعطاء مساحة حوارية لمعرفة جوانب القوة والضعف في مسارات هذه المجالس لرفع مستوى أدائها ودورها في تسريع العمل البلدي حتى لا تكون العضوية في المجالس البلدية شرفية، وإنما يكون لها صوت وصدى وأثر من جانب العضو الذي تم انتخابه في التفاعل الحقيقي مع تطلعات المواطنين ودفع العمل البلدي في جميع الجوانب التي تهم حياتهم اليومية، ومراجعة أداء الوحدات الحكومية بالمحافظة من أجل تجويد العمل، بحيث يستطيع الناخب الحكم، بأن اختياره ومشاركته في الانتخابات البلدية أحدثت تغييرا جوهريا في خدمة المصالح العليا للوطن.
