صندوق النقد الدولي وخفض قيمة الأصول الأرجنتينية

20 فبراير 2022
20 فبراير 2022

توشك الأرجنتين على الدخول في اتفاقية أخرى مختلة وظيفيا مع صندوق النقد الدولي - اتفاقية اعتمادات الدعم الثانية والعشرين منذ انضمامها إلى صندوق النقد الدولي في عام 1956 وفي حين أن التفاصيل لم تتم تسويتها بعد، فإننا نعلم بالفعل أنها ستكون مختلة وظيفيا لأنه لن تكون هناك إعادة هيكلة مسبقة للدين العام للأرجنتين.

إن الدين العام الأرجنتيني غير مستدام وعوضا عن إضاعة سنتين أو ثلاث قبل أن يتعرّض الدين الأرجنتيني لتقصير في سداد الدين السيادي بشكل فوضوي -ومدمر اقتصاديا واجتماعيا- يتوجب أن يخضع ذلك الدين إلى إعادة هيكلة فورية ومنظمة. إن مبلغ الأربعين مليار دولار أمريكي الذي تدينه الأرجنتين لمصلحة صندوق النقد الدولي من اتفاقية اعتمادات الدعم الحادية والعشرين الفاشلة يجب أن يتم تضمينها في تلك العملية، كما يجب تعليق وضعية الدائن المفضل بالنسبة لصندوق النقد الدولي والذي يعطيه (وغيره من بنوك التنمية متعددة الأطراف) الأولوية على المقرضين الآخرين للسداد عندما يعاني المقترض من مصاعب مالية.

إن الدين موجود في الدفاتر الأرجنتينية وذلك نظرا لأن صندوق النقد الدولي قرر ألا يطالب بإعادة هيكلة جوهرية للدين السيادي قبل اتفاقية اعتمادات الدعم الحادية والعشرين. لقد تم إبرام تلك الاتفاقية في يونيو 2018 مع حكومة الرئيس الأرجنتيني السابق موريسيو ماكري وبحلول أكتوبر 2018 تمت زيادة تسهيلات الإقراض بقيمة 50 مليار دولار أمريكي لتصل إلى 57 مليار دولار أمريكي ولكن بحلول أغسطس التالي تم تعليق اتفاقية اعتمادات الدعم حيث تم دفع مبلغ 44.5 مليار دولار أمريكي وهو أكبر دفعة في تاريخ صندوق النقد الدولي.

لقد جاء التخلف عن السداد الحتمي (التاسع للأرجنتين منذ الاستقلال) في مايو 2020 وفي ظل غياب ضوابط على رأس المال كانت «المساهمة» الرئيسية من إقراض صندوق النقد الدولي هي أنها ساعدت في هروب رؤوس الأموال. ونظرا لحجمها فقد خضعت اتفاقية اعتمادات الدعم الحادي والعشرين «لإطار الوصول الاستثنائي» الذي تمت مراجعته من قبل صندوق النقد الدولي ويتطلب أن يفي المقترضون بأربعة «معايير وصول استثنائية». يجب أن تكون للبلد احتياجات كبيرة مرتبطة بميزان المدفوعات، ودين عام مستدام، وآفاق لاستعادة القدرة على الوصول إلى أسواق رأس المال الخاص، والقدرة المؤسسية والسياسية والالتزام بتنفيذ برنامج يدعمه صندوق النقد الدولي.

كان ينبغي أن يكون واضحا أن الأرجنتين استوفت واحدا فقط (احتياجات ميزان المدفوعات الكبيرة) من معايير الوصول الاستثنائية في عام 2018 ولكن على الرغم من ذلك وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على اتفاقية اعتمادات الدعم الحادية والعشرين. مع بقاء مخزون إقراض صندوق النقد الدولي أعلى بكثير من حدود الاقتراض العادية، يجب أن تخضع اتفاقية اعتمادات الدعم الثانية والعشرين أيضا لإطار الوصول الاستثنائي ومرة أخرى فإن المعيار الأول من إطار الوصول الاستثنائي -الضغوطات على ميزان المدفوعات- قد تمت تلبيته. لكن الإطار يتطلب أيضا معيار الوصول الاستثنائي 2 وهو وجود «احتمالية كبيرة» بأن الدين العام للمقترض يمكن استدامته على المدى المتوسط، ولو ثبت أن الدين غير مستدام فإن الوصول الاستثنائي يمكن منحه فقط لو كان التمويل من مصادر أخرى كافيا لاستعادة استدامة الدين باحتمالية كبيرة، ولو تم اعتبار الدين مستداما ولكن دون احتمالية كبيرة فإن الوصول الاستثنائي يمكن تبريره لو ثبت أن التمويل من مصادر أخرى يحسّن من استدامة الدين ويعزز بشكل كاف الضمانات لموارد صندوق النقد الدولي.

لقد صنّف صندوق النقد الدولي في منتصف سنة 2018 الدين العام الأرجنتيني على أنه مستدام ولكن دون احتمالية كبيرة، وعلى الرغم من أن الواضح أن الدين لم يكن مستداما وقد كان يتوجب إعادة هيكلته كشرط مسبق لتمويل صندوق النقد الدولي كما لم تقم الأرجنتين باستيفاء معيار الوصول الاستثنائي 3 فهي لم تمتلك أي إمكانية لاكتساب أو إعادة اكتساب وصول كافٍ لأسواق رأس المال الخاص سنة 2018 وهي ما تزال لا تمتلك مثل تلك الإمكانية اليوم.

وهنا يتبقى معيار الوصول الاستثنائي 4. عندما قامت حكومة ماكري بتقديم طلب للحصول على دعم صندوق النقد الدولي في مايو 2018، كان قد مضى على توليها السلطة أكثر من سنتين ونصف السنة وكان من الواضح أنها تفتقر إلى القدرة المؤسسية أو السياسية لتقديم التعديلات المطلوبة على مستوى الاقتصاد الكلي والإصلاحات الهيكلية، ناهيك عن تنفيذ سياسات الحماية الاجتماعية والمساواة بين الجنسين التي تم تضمينها في البرنامج، وبالمثل، فإن الحكومة الحالية، في عهد الرئيس ألبرتو فرنانديز التي استلمت السلطة منذ عامين لم تُظهر أي بوادر على قدرتها على تنفيذ الإصلاحات اللازمة. من بين كل تلك القضايا، تبقى استدامة الدين العام نقطة ضعف الأرجنتين حيث ارتفع إجمالي الدين الحكومي العام من 57% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017 إلى 85.2% عندما تم التفاوض بشأن اتفاقية اعتمادات الدعم الحادية والعشرين في عام 2018 ثم ارتفع إلى 88.7% عندما تم تعليق اتفاقية اعتمادات الدعم في عام 2019 وإلى 102.8% عندما حصل التخلف عن السداد في عام 2020.

تشير التقديرات الآن إلى أن نسبة الدين قد وصلت إلى 107% في نهاية عام 2021 -وهي نقطة انطلاق أسوأ بكثير لاتفاقية اعتمادات الدعم الثانية والعشرين مقارنة باتفاقية اعتمادات الدعم الحادية والعشرين الكارثية. إضافة إلى ذلك بلغ عجز الميزانية الأولية الفيدرالية (الذي لا يشمل مدفوعات الفائدة) 3.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017 وكان الرقم لسنة 2021 أفضل بشكل طفيف حيث وصلت النسبة إلى 3%. لا يوجد أساس للتفاؤل فيما يتعلق بالمحركات الخارجية والمحلية للنمو الاقتصادي في السنوات القليلة القادمة فالبيئة المالية الخارجية من المفترض أن تصبح أسوأ بينما يقوم بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وغيره من البنوك المركزية الرئيسية برفع معدلات سياستها وتقليص وعكس توسعات ميزانياتها العمومية وسوف يؤثر تباطؤ النمو العالمي على أسعار السلع الأساسية وإيرادات الصادرات.

إنه من المفترض أن يهبط التمويل النقدي من البنك المركزي الأرجنتيني من 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2021 إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2022 وإلى ما يقرب الصفر سنة 2024. إن التصور بأن الأسواق سوف تعمل على جسر هوة التمويل الناتجة عن ذلك هو محض خيال، فأسعار الفائدة الحقيقية للبنك المركزي من المفترض أن تصبح إيجابية سنة 2022 بما يتوافق مع سياسات مكافحة التضخم (الذي تتجاوز نسبته 50% في الأرجنتين) ولدعم القيمة الخارجية للعملة (قيمة البيزو في سوق الصرف الأجنبي الموازي يصل إلى نصف السعر الرسمي). ولكن من المحتمل أيضًا أن يكون لها تأثير سلبي على نمو الناتج المحلي الإجمالي. وعليه فإن عبء الدين الأرجنتيني غير مستدام وعوضا عن السماح باتفاقية اعتمادات الدعم الثانية والعشرين، ينبغي أن يُطلب من الأرجنتين تنفيذ إعادة هيكلة جذرية للدين العام تقلل من إجمالي الدين الحكومي العام من أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما لا يزيد على 60%، كما يجب أن يخضع صندوق النقد الدولي لتخفيض قيمة الأصول نفسه الذي يخضع له الدائنون الآخرون.

ينبغي على صندوق النقد الدولي أن يدفع ثمن إخفاقاته الفادحة في تقييم معايير الوصول الاستثنائي في عام 2018 ولحسن الحظ، فإن الأخطاء الفادحة بهذا الحجم غير شائعة. لقد كان الخطأ الوحيد المشابه هو قرض الصندوق بقيمة 30 مليار دولار للحكومة اليونانية في عام 2010 (أكبر قرض من صندوق النقد الدولي على الإطلاق في ذلك الوقت) وعلى الرغم من أنه كان من الواضح أن اليونان تتجه نحو التخلف عن سداد الديون السيادية وهو ما حصل بالفعل في سنة 2012. لقد اختبأ صندوق النقد الدولي وراء مركزه كدائن مفضل وتجنب تخفيض قيمة الأصول في تلك المناسبة ويجب ألا يكرر الصندوق ذلك هذه المرة.

ويليم إتش. بويتر أستاذ مساعد للشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا.

من خلال الموافقة على قرض كبير غير مسبوق للأرجنتين في منتصف عام 2018، على الرغم من فشلها في تلبية شروط الاقتراض الأساسية، ارتكب صندوق النقد الدولي خطأ فادحا. بدلا من مضاعفة الخطأ ببرنامج آخر مشابه، يجب أن يقبل الواقع - والمسؤولية