الصين وروسيا.. استمرار الثنائية الاستراتيجية
31 مايو 2026
31 مايو 2026
ترجمة: قاسم مكي -
في الشهور الستة الماضية كانت بكين ملتقى طرق دبلوماسية لكل الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن. آخر الواصلين إليها شخصية مألوفة للمضيف الصيني. إنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي التقى به شي جينبينج أكثر من 40 مرة منذ عام 2012.
ركزت وسائل الإعلام العالمية مثلما كانت هي الحال في قمة شِي- ترامب الأخيرة على الكيمياء الشخصية بين الزعيمين، وحللت كل دقائق وتفاصيل المشهد الدبلوماسي المحيط بالاجتماعات.
لكن في الواقع نادرا ما تُقَاد الجغرافية السياسية بواسطة الصداقة الشخصية أو «الود» السياسي، بل تشكلها المصالح الاستراتيجية وحسابات النفوذ والأولويات الوطنية.
رُتِّب هذا الاجتماع الأخير بين شي وبوتين لإرسال رسالة إلى العالم مفادها أن بكين وموسكو لا تزالان عند اصطفافهما الإستراتيجي في سعيهما لإعادة تشكيل النظام العالمي. وأكد إعلان مشترك يدعو إلى «عالم متعدد الأقطاب» وإلى «نوع جديد من العلاقات الدولية» على استمرارية الشراكة الصينية - الروسية في لحظة تشهد تزايد التشظِّي العالمي.
مع ذلك يوجد تحت مظهر الوحدة واقع أكثر تعقيدا. الصين وروسيا ترتبطان معا بالجغرافيا وبمعارضتهما المشتركة للهيمنة الغربية وبأجندة استراتيجية تتقاطع جزئيا، لكن الشراكة ليست بدون حدود؛ فبكين حذرة من الإفراط في الاعتماد على الطاقة الروسية، وتضع طموحاتُها الدولية الأوسع نطاقا «حدودا» حول المدى الذي يمكن أن تتطور إليه العلاقة بين البلدين.
لذلك كشفت قمة شِي- بوتين عن حقيقتين في نفس الوقت؛ فالصين وروسيا تواصلان العمل كثنائي استراتيجي متَّسِق على الساحة الدولية، لكن شراكتهما تظل اصطفافا براجماتيا (نفعياّ)، وليس تحالفا كاملا.
الجغرافيا أول وأهم عامل مستدام يربط الصين بروسيا؛ فالبلدان يتشاطران أحد أطول الحدود البرية في العالم (4300 كيلومتر أو ما يساوي حوالي عرض القارة الأوروبية). وهما تقعان في نفس الفضاء الاستراتيجي الأوراسي، وليس بمقدور أي منهما أن يكون في عداء دائم مع البلد الآخر.
بالنسبة لبكين تؤمِّن العلاقات المستقرة مع موسكو حدودَها الشمالية، وتقلل مخاطر الإحاطة بقوى معادية من الجنوب.
وفي الحقيقة من بين أغراض زيارة بوتين إحياء الذكرى الخامسة والعشرين لمعاهدة حسن الجوار والتعاون الودي والتي وافق عليها بوتين مع سلف شي الرئيس جيانغ زيمين. وفيما يخص روسيا تتيح الشراكة مع الصين مرونة اقتصادية وأهمية جيوسياسية بالنظر الى الضرر البالغ الذي أصاب علاقات موسكو مع الغرب.
أصبح هذا المنطق الجغرافي أكثر ملاءمة مع تزايد استقطاب النظام العالمي؛ فبكين وموسكو تريان فائدة في التنسيق ضد ما تصفانه بالهيمنة الغربية والأحادية.
ويعكس بيانهما الجديد عن تعددية الأقطاب هذه النظرة المشتركة للعالم؛ فالحديث عن نظام عالمي «أكثر عدلا ومساواة» ليس فقط تزويقا لفظيا، بل يصوِّر سعْيَا صينيا وروسيّا منذ فترة طويلة لإضعاف هيمنة المؤسسات التي تقودها الولايات المتحدة، وإيجاد مجال أوسع لمراكز نفوذ بديلة.
تخدم تعددية الأقطاب أغراضا مختلفة لكن متكاملة؛ إذ تعتبرها روسيا مسارا يخرجها من العزلة، وإقرارا بأنها لاتزال قوة كبرى على الرغم من العقوبات الغربية والضغوط الدبلوماسية. وتنظر الصين للتعددية كانتقال نحو عالم أقل تمركزا حول التفوق الاستراتيجي الأمريكي وأكثر استيعابا للنفوذ الاقتصادي والسياسي المتزايد لبكين.
أنتج هذا التقارب بين البلدين شراكة استراتيجية وقابلة للاستمرار. وقدمت الصين لروسيا دعما اقتصاديا حيويا منذ بداية الحرب في أوكرانيا؛ فقد وسّعت التجارة الثنائية، وزادت مشترياتها من النفط والغاز الروسيين، وواصلت التبادل التقني والصناعي ما قاد إلى توتر في علاقاتها مع أوروبا.
روسيا بدورها قدمت للصين إمدادات طاقة بأسعار مخفَّضة، وتعاونا عسكريا، ودعما دبلوماسيا حول قضايا تمتد من تايوان إلى انتقاد نوايا الناتو في آسيا.
لكن الاصطفاف الاستراتيجي لا يمحو عدم التماثل أو الافتقار إلى الثقة، ولن يعلو على مسعى أساسي لبكين يتمثل في الاعتماد الذاتي الاقتصادي.
تتردد بكين في تعميق اعتمادها على روسيا في إمدادات الطاقة. وعلى الرغم من أن التعاون حول الطاقة يظل ركيزة للعلاقات الثنائية إلا أن الصين تجنبت وضع نفسها في موضع يجعلها لا تستغني عن الإمدادات الروسية.
يفسر ذلك استمرارَ البطء في تنفيذ المشاريع التي طال الحديث عنها كمشروع خط أنابيب الغاز «قوة سيبيريا 2» على الرغم من المباركة اللفظية المتكررة له. بالنسبة لموسكو هذا المشروع حيوي اقتصاديا؛ فخفض أوروبا وارداتها من الطاقة الروسية جعل الصين في نظر الكرملين أهم زبون محتمل في الأجل الطويل للطاقة الروسية.
لكن بكين تعاملت مع المفاوضات بحذر مستفيدة من موقف روسيا الضعيف في المساومة والمطالبة بأسعار وشروط إمداد تفضيلية.
التردد استراتيجي وليس تجاريا فقط؛ فبكين تدرك أن الإفراط في الاعتماد على أية جهة إمداد وحيدة يوجِد هشاشة.
أنفق واضعو السياسات الصينية سنواتٍ في تنويع مصادر الطاقة عبر الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وإفريقيا والأسواق العالمية للغاز الطبيعي المسال بالضبط لتجنب الاعتماد الجيوسياسي؛ فالمبالغة في الارتباط بالطاقة الروسية سيضعف مرونة الصين، ويعرض بكين لمخاطر استراتيجية غير ضرورية.
إلى ذلك الصين لا تشاطر روسيا كل أولوياتها الجيوسياسية؛ ففي حين تعارضان كلتاهما الهيمنة الأمريكية تظل بكين أعمق تكاملا مع الاقتصاد العالمي من موسكو، ويمكن أن تفقد الكثير من استدامة عدم الاستقرار مقارنة بها. وفيما تسعى الصين إلى بسط نفوذ هيكلي عبر الاعتماد المتبادل والمسيطر عليه مع شركائها ومنافسيها تبحث روسيا عن النفوذ عبر تأجيج النزاعات الدولية.
هذا التمييز مهم؛ فبكين تؤيد موسكو سياسيا إلى درجة ما، لكنها أيضا حريصة على عدم تأييدها التام لصدام روسيا مع الغرب؛ فالقادة الصينيون مستمرون في الحفاظ على روابطهم مع أوروبا. لقد حافظوا على تواصلهم مع الأسواق العالمية. وتجنبوا استثارة عقوبات ثانوية قاسية بما يكفي لتهديد النمو الداخلي الضعيف أصلا في الصين.
لذلك آخر قمة للرئيسين شي وبوتين كشفت عن علاقة ترتكز على المنفعة الاستراتيجية المضبوطة بدقة أكثر من ارتكازها على الإيديولوجيا.
كلا الجانبين يستفيدان من ظهورهما موحَّدَين؛ فروسيا تكتسب مظهر حصولها على شريك قوى على الرغم من الجهود الغربية لعزلها. وتحافظ الصين على قوةٍ جيوسياسية موثوقة تشكل ثقلا موازنا للولايات المتحدة وشريكٍ مهم في الترويج لرؤى مختلفة للحوكمة الدولية. رغم ذلك ليس لدى أي جانب الاستعداد لإخضاع مصالحه الوطنية تماما للجانب الآخر.
ذلك الواقع هو بالضبط ما يفسر استمرار فشل التنبؤات بعقد تحالف صيني – روسي رسمي. العلاقة بين البلدين مرنة؛ لأنها نفعية، وعلاقة أخذ وعطاء، وتتجذر في مصالح مشتركة، وليس في التزامات بموجب معاهدة أو ثقة عميقة متبادلة. هي قوية بما يكفي للصمود أمام الضغوط الخارجية، لكنها محدودة بما يكفي لتجنب تحولها إلى تكتل عسكري حقيقي.
يعكس الإعلان المشترك الأخير عن «تعددية الأقطاب» هذا التوازن؛ فالصين وروسيا متحدتان في السعي لإضعاف الهيمنة التي تقودها الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل الحوكمة الدولية. سيواصل الجانبان التنسيق دبلوماسيا واستراتيجيا في سعيهما نحو ذلك الهدف. وستضمن ذلك عوامل الجغرافيا والمظالم المشتركة وتقارب المصالح.
لكن اجتماع الزعيمين أيضا أوضح حدود الشراكة؛ فحذر الصين بشأن الاعتماد على استيراد الطاقة ورغبتها في الاستقلال الذاتي الاستراتيجي وطموحاتها العالمية الأوسع نطاقا كل ذلك يعني أن بكين ستدرس بعناية ما إذا كان يلزمها اختيار التعاون مع موسكو وكيفية ذلك. تظل العلاقة بين شي وبوتين إحدى أهم الشراكات الاستراتيجية في العالم. مع ذلك لا يرتكز استمرارها على صداقة غير محدودة، ولكن على حدودٍ مُدارَة بعناية.
يو جيه زميلة أبحاث أولي لبرنامج الصين وآسيا الباسيفيكية بالمعهد الملكي للشؤون الدولية «شاتام هاوس»
