شهر رمضان والثقافة الاستهلاكية

23 فبراير 2026
23 فبراير 2026

شهر رمضان الفضيل هو خير الشهور وأكثرها بركة. وهو الشهر الذي يركز على تعزيز الجوانب الروحانية والاجتماعية طيلة أيامه؛ لكنه أيضا يتميز بكثرة التسوق وارتياد الأسواق؛ لأن البعض يعتقد أنه فرصة للشراء لكثرة التخفيضات على المنتجات خاصة الاستهلاكية منها. وبالتالي، نحن بحاجة إلى الاستمرار في تحقيق التوازن في الاستهلاك والإنفاق، وهو أمرٌ ضروريٌ للأسرة والفرد والمجتمع حتى نضمن استدامة الوضع المالي والاقتصادي للجميع.

ولتحقيق ذلك لا بد من وضع خطة مالية يتم الالتزام بها وعدم الحياد عن تنفيذها؛ فأهمية التوازن في الاستهلاك والإنفاق يكمن في حماية الفرد من الوقوع في مشكلات مالية واقتصادية، بل يساعد على تحقيق التوازن المالي والاقتصادي للفرد والأسرة.

والأهم من ذلك أنّ التوازن في الاستهلاك والإنفاق هو إحدى القيم الإسلامية التي ينبغي على الفرد الالتزام بها، فهي لا تعني بشكل من الأشكال البخل، ولكنها أيضا لا تعني الإسراف في الشراء وإعداد موائد الطعام؛ فشهر رمضان الفضيل يعدُّ فرصة للإكثار من العبادات والتقرّب إلى الله والبعد عن أي شكلٍ من أشكال الإسراف والتبذير؛ مصداقا لقول الله عزّ وجل «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين».

رغم انشغال البعض خلال شهر رمضان الفضيل بالعبادات والتقرب إلى الله، إلا أنّ البعض يستفيد من العروض الترويجية والتخفيضات على السلع عبر شرائها بسعر مخفّض في شهر رمضان مقارنة بالشهور الأخرى. وهنا لا أقصد الشراء بشراهة، ولكن بقدر ما تحتاج الأسرة من سلع طيلة العام مع الانتباه على صلاحية المنتجات، وأقصد شراء المنتجات المعمرة التي تبقى صلاحيتها فترة طويلة. ولذلك أعتقد من المهم أن نسعى إلى تغيير ثقافة استهلاكنا وإنفاقنا خلال الشهر الفضيل، من خلال تصويب السلوكيات التي تؤدي إلى الإسراف في الشراء، عبر تكثيف الجانب التوعوي والتثقيفي للأفراد بأهمية التوازن في الاستهلاك والإنفاق، وتشجيعهم على التبرع والمساهمة في المجتمع للأعمال الخيرية؛ خاصة أن الأجر مضاعف في الشهر الفضيل.

وربما يكون شهر رمضان فرصة يجب اغتنامها لتجويد جوانب الإنفاق في الأسرة وتحسين الوضع المالي والاجتماعي عبر التخطيط المالي الجيد طيلة العام.

لكن التوّجه بحاجة إلى ضبط واتخاذ قرارات مسؤولة في الشراء وارتياد الأسواق؛ خشية التسوق بطريقة غير مسؤولة ما يؤدي إلى تعرّض الخطة المالية للأسرة لأعباءً مالية.

أرى أنّ فرص تحسين الثقافة الاستهلاكية في شهر رمضان الفضيل ستحرز تقدمًا إذا وجدت الإرادة المجتمعية للمضي قدمًا نحو تحسينها وتجويدها، ولتحقيق ذلك نحن بحاجة إلى تكامل الجهود من خلال زيادة الجرعات التثقيفية والتوعوية لأفراد المجتمع من خلال الاشتغال على تنفيذ جملة من البرامج الحوارية والتوعوية عبر وسائل الإعلام، وإعداد خطة للاستفادة من النخب والناشطين والمروجين لتبني الخطاب التوعوي للشراء قدر الاحتياج عوضًا عن الخطاب الترويجي والإعلاني المحفّز للشراهة في التسوق. أيضا من الجيد أن يستفيد أفراد المجتمع من التقنيات الحديثة في إعداد الخطة المالية للأسرة من خلال الاستعانة بالتطبيقات والبرامج التي تساعد على تجويد الخطط وحوكمتها وفقا للمعطيات والمتغيرات المالية والالتزامات التي تواجه الأسرة؛ خاصة الطارئة منها، إضافة إلى أهمية غرس المفاهيم المرتبطة بالثقافة الاستهلاكية في النشء من خلال استحداث منهج تربوي لتكريس هذه المفاهيم والمرتبطة بجوانب التخطيط والتحسين والكفاءة في إدارة الموارد المالية للأسرة.

إن تعزيز الثقافة الاستهلاكية الكفؤة خلال شهر رمضان الفضيل، يعد توجهًا صائبًا يصب في مصلحة الفرد والأسرة والمجتمع لما لهذه الثقافة من دور في استدامة الوضع المالي والاقتصادي والاجتماعي.، وإن أحسنا خططنا المالية والتزمنا بها، سننأى بأنفسنا عن مشكلات وتحديات اجتماعية ومالية بعد شهر رمضان.

ويعد شهر رمضان الفضيل فرصة لتعديل بعض السلوكيات المؤثرة على اتزان الثقافة الاستهلاكية من خلال الاستفادة من الأنشطة والفعاليات الدينية التوعوية والتثقيفية المنفّذة طيلة الشهر، والتي تساعد على تعزيز الوازع الديني للأفراد، وتحد من مظاهر الإسراف والتبذير. وبالتالي، فإن الثقافة الاستهلاكية المتوازنة هي مسؤولية الجميع وعلى المجتمع أن يسعى إلى غرسها في النشء بالتكامل مع المؤسسات التربوية والتعليمية.

أيضا من المهم ألا ينجر المجتمع خلف الإعلانات والعروض الترويجية للسلع المغرية حتى لا تؤثر على الثقافة الاستهلاكية، وتعزيز التوعية بأهمية وجود خطة متوازنة للانفاق والاستهلاك وضبط الوضع المالي والاجتماعي للأسرة.