سباق السياسة الصناعية آخر شيء تحتاجه أوروبا
ترجمة قاسم مكي -
كان هذا العامُ عامَ السياسة الصناعية، (السياسة الصناعية حسب بعض التعريفات تشير إلى التدخل المنظَّم من الحكومة لتوجيه الاقتصاد في مسار معين بتشجيع الاستثمار في صناعات محددة من خلال نظام ضرائب ودعم وحوافز – المترجم).
سعيا وراء التخلص السريع من انبعاثات الكربون ومرونة سلاسل التوريد وفك الارتباط مع الصين نحن نشهد إعادة رسم الحدود بين الحكومة ومؤسسات الأعمال على جانبي المحيط الأطلسي. هذا يعني اختيار القرارات التي تؤمِّن النجاح وقبول مخاطرة الاختيار الخاطئ.
إنه يعني التعامل مع المنتجين الذين يبيعون لك حلولهم في مقابل حصولهم على معاملة تفضيلية. كما يترافق ذلك أيضا مع التوتر العالمي المتصاعد.
في عام 1742 كان ديفيد هيوم يحذر من الصراع الذي تشجع عليه غيرة التجارة. (يحاجج الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم 1711- 1778 بأن الجار يجب عليه ألا يُغار من ازدهار جاره لأن ذلك الازدهار يقدم لهما وسائل التبادل التجاري التي تفيدهما معا.)
في أوائل القرن العشرين اتفق الليبرالي جيه أيه هوبسون والبلشفي فلاديمير لينين على إدانة حقبة الإمبريالية العنيفة التي نتجت عن اقتران رأس المال الخاص بالدولة الوطنية. وقتها بدا كأنما مؤسسات الأعمال الجشعة هي المحرك الرئيسي.
اليوم لا يزال الاقتصاد مهمّا. فالناتج المحلي الإجمالي للصين هو الذي يجعل منها متحديا رهيبا. لكن ليس "جاك مَا" الملياردير الصيني هو مَن يجلس خلف المِقوَد. فتصعيد التوتر الحالي يقوده طموح نظام الحزب الشيوعي الصيني بزعامة شي جين بينج وردُّ فعل مؤسسة الأمن القومي الأمريكية.
لقد صار المستقبل الذي كانت ترسم خارطته مؤسسات الأعمال العالمية في الماضي موضعا لشكوك قوية. فعالمنا ليس عالما ينعدم فيه البديل. نحن في عالم توجد به بدائل حقيقية في الاقتصاد وفي الإستراتيجية العظمى كليهما. وهذا يطرح سؤال الاختيار. عالمنا سيكون العالم الذي يشكِّله القَّوِي.
المصدر الأساسي للتوتر في اقتصاد العالم الثلاثي الأقطاب والمُسَيَّس (الذي شُكِّل بواسطة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين) هو المواجهة بين واشنطن وبيجينج. فإلى جانب هجوم روسيا على أوكرانيا جعل التوتر المتصاعد حول تايوان عام 2022 العام الذي من المحتمل حقا أن تنشب فيه حرب عالمية ظل وقوعها مستبعدا.
ما هو مفاجئ أكثر أن هذا العام ينتهي بخلاف بين أوروبا والولايات المتحدة حول قانون خفض التضخم الأمريكي. هذا ليس شيئا بسيطا. فالقانون الذي خصصت له موازنة تبلغ 500 بليون دولار يشكل السياسة الصناعية الأكبر استجابة لأزمة المناخ العالمية حتى الآن.
في نظر الأوروبيين هذا القانون بتفضيله الظاهر للإنتاج في الولايات المتحدة يخالف المعايير الدولية التي تجسدها منظمة التجارة العالمية.
يحذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن الولايات المتحدة تخاطر بِشَقِّ "الغرب". ويدعو آخرون أوروبا إلى تأكيد استقلالها الذاتي الإستراتيجي بتدشين سياستها الصناعية الخاصة بها.
هذا متوقع. فهنالك تاريخ طويل للمشاحنات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. لكن حتى إذا وضعنا ذلك في الاعتبار، لم يكن رد الاتحاد الأوروبي متناسبا مع قانون خفض التضخم. فالتوقيت ليس ملائما. كانت بنود القانون واضحة منذ نهاية يوليو. لكن أوروبا اختارت أن تردَّ عليه فقط في نوفمبر بعد محادثات قمة المناخ الأخيرة.
ربما يبدو الرقم الإجمالي للمخصصات المالية في القانون كبيرة. لكن اقتصاد الولايات المتحدة ضخم وسيتوزع إنفاق المبلغ الإجمالي لهذه المخصصات خلال 10 سنوات. وهو بالمقارنة يشكل نصف ما سبق أن تعهدت به أوروبا في برامجها الخاصة بدعم الطاقة النظيفة.
أما من الناحية السياسية فالقانون أبعد من أن يكون تحركا استراتيجيا جريئا من إدارة بايدن. لقد كان نتاج مساومة مستميتة في الكونجرس أمْلَى فيها بنودَه جو مانشين عضو مجلس الشيوخ عن ولاية "الفحم الحجري" ويست فيرجينيا.
من وجهة النظر الأمريكية الضجة التي يثيرها الأوروبيون لا مبرر لها. ففيما يخص المناخ، قانون خفض التضخم أفضل ما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة. وعلى أوروبا أن تتعايش معه. لكن إذا طالبت واشنطن بإيلاء اعتبار دبلوماسي للقانون سيكون العكس مطلوبا منها أيضا.
الناس معجبون بعبارة "أبو أوروبا" جان مونيه التي يقول فيها "أوروبا تشكَّلت من خلال الأزمات". هذا يعني ضمنا أن ثمة "خيمياء تفاعلية" تخرج منها المؤسسات الجديدة كاستجابات وظيفية للتحديات. وهذا يُخفي الحاجة إلى السياسة لتحديد الأزمة وإيجاد الحلول.
أقل ما يمكن قوله بشأن رد فعل الاتحاد الأوروبي على قانون خفض التضخم أنه أزمة اختارها قادة أوروبا. لكن ذلك يعيدنا مرة أخرى إلى النقطة الرئيسية. الاستقلال الذاتي الإستراتيجي لا يتشكل فقط من القدرة على الوقوف في وجه المتنمِّرين الدوليين. إنه يتحدد بالمعارك التي تختارها.
الصدام الأوروبي مع الكونجرس وإدارة بايدن سيأتي بنتيجة عكسية بالغة الأثر. ما نحتاج إليه التعاون وليس الصراع. لنأخذ الإيجابيات. لقد برز لوبي أمريكي قوي لتوسيع سوق الطاقة الخضراء مما يتيح فرصا كبيرة للشركات الأوروبية. إذا أرادت أوروبا تعزيز شركاتها عليها تبنِّي شعار "اشتروا من أوروبا" وأمريكا لن تكون في موقف يجعلها تشكو من ذلك.
نحن في عهد انتقال عاصف. الأنماط الجديدة للتدخل الصناعي أفضل وسائلنا للاستجابة إلى التحديات العديدة أمامنا. هذه التحديات تشتمل على عدد لا يعدُّ ولا يُحصَى من حالات التضارب في المصالح. لكن دعونا لا نضخِّم هذه التوترات بأسئلة السيادة بأكثر مما يلزمنا.
قد يكون قانون خفض التضخم عَرَضا مرضيا للعملية السياسية التي تنطوي بها أمريكا على نفسها. لكنه لا يشكل تهديدا وجوديا لأوروبا. وليس هنالك ما يبرر انطلاق سباقُ "تسلُّح" بالسياسة الصناعية عبر الأطلنطي.
آدم تُوز أستاذ التاريخ بجامعة كولومبيا ومؤلف عدة كتب أحدثها "الإغلاق: كيف هزَّ كوفيد-19 العالم"
ترجمة خاصة لـ"عمان" عن الفاينانشال تايمز
