دروس اجتماعية للعقد القادم
14 مارس 2026
14 مارس 2026
تشكل المخاطر الكبرى - أيما كان مصدرها - نقاط مراجعة محورية في حياة الدول والمجتمعات؛ فلا يقتصر وقعها على اللحظة الراهنة في عمر المجتمعات، بل يتعدى ذلك لإعادة تعريف شكل النظم القائمة فيها، وآليات عمل الدول، وسياساتها العامة، وعلاقتها مع شعوبها.
فالناظر إلى تجربة وباء كورونا (كوفيد – 19) يدرك جيدا أن العالم الذي نعرفه قبله، ليس تماما كالعالم الذي نعرفه من بعده.
ومن يتتبع تأثيرات الأزمة المالية العالمية (2008) يدرك جيدا أن تغيرا نوعيا في نظم وآليات كثيرة قد حدثت على وقع هذه الأزمة. وكذا الحال بالنسبة للصراع الدائر حاليا في منطقة الشرق الأوسط، والذي لا يمكن قراءته استراتيجيا بمعزل عن عدة معطيات، منها مركزية القضية الفلسطينية، وصراع الفاعلين الجدد في الشرق الأوسط، والمواجهة غير المباشرة بين النظام العالمي القديم والنظام العالمي الجديد (وفقا للتحالفات والتكتلات الناشئة)، عوضا عن الرغبة في التأثير على منطقة يتسارع نمو نموذجها الاقتصادي والدبلوماسي، ويتعاظم تأثيرها التنموي عالميا وهي منطقة الخليج.
ويبقى أن القراءة الاستراتيجية لمثل هذه الأحداث هي القراءة التي تحسن جيدا ربط هذه الخيوط ببعضها، دون محاولة فرض نظرية بعينها، أو جر نماذج جاهزة للتحليل دون غيرها.
ومع فداحة الموقف وخطورة تأثير هذا الصراع؛ فإنه يجب ألا يسحبنا عن رؤية الصورة الأكبر وهي تشكل اتجاهات عالمية ناشئة كبرى أو ما يعرف في الاستشراف الاستراتيجي بـ (Megatrend)، وهي قضايا محددة تشترك فيها كل مجتمعات العالم على حد سواء، وتسهم في تغيير أنماط حياتها، وآليات استجابتها وتكيفها مع السنوات المقبلة في عمرها، وهذه الاتجاهات قد لا تظهر بشكل مباشر، بل ظهور تأثيرها يعتمد على طريقة استجابة النظم الاجتماعية ونظم الدولة المختلفة في التعاطي معها.
هناك حركة دائمة للعالم اليوم تتمحور في عدة اتجاهات؛ هذه الاتجاهات هي التي تحكم مسار العالم على الأقل في (10 - 15) سنة مقبلة، وأهمها الصراع على السيادة العالمية في مقابل هيمنة الأقطاب الأحادية عسكريا وسياسيا واقتصاديا، وتحول التقنيات الحديثة والمتقدمة بما في ذلك نظم الذكاء الاصطناعي من مجرد أدوات إلى شركاء في تدبير العمل والحياة والإنتاج بالنسبة للأفراد والمؤسسات، وانتقال ملف (المناخ) من التزام وجودي تستشعره المجتمعات لبقائها واستدامة مواردها ونظمها إلى آلية قسرية ومحك تنظيمي عالمي، عوضا عن تطور أنظمة الصحة والمرض وظهور ما يعرف بالعلاجات الجينية والوراثية التي من شأنها تغيير نماذج القدرة البشرية وأمد العمر.
كما أن هناك فوضى معلوماتية ومعرفية تجتاح العالم لحظة بلحظة عبر الأنماط الموازية لتوليد المعرفة وصياغة الواقع وأهمها التزييف العميق، والقدرة الواسعة على نشر خوارزميات التضليل الإعلامي، فضلا عن تغير أنماط وتوقعات الأجيال في العمل والعلاقات وبناء الأسرة والتضامن الاجتماعي. فإلى جانب الأهبة المؤسسية ودور الدول والمنظومات الحكومية للاستعداد لهذه الاتجاهات والمتغيرات، هناك دروس اجتماعية لا بد من التنبه إليها لبناء المناعة والمرونة الاجتماعية في الآن ذاته للتعامل مها، لتشكل المجتمعات جسر انتقال آمن لا يتفكك أو يهتز أو يتأثر هيكليا بوقع هذه المتغيرات وتعدد أنماطها.
لعل أهم هذه الدروس هو إعادة الاعتبار للتعليم التقني والمهني؛ فالمرحلة القادمة من عمر العالم هي صراع مهارات ومبتكرات، تتمثل في صراع إنتاجية وتفوق لمنتجات معينة في كل المجالات، ومن هنا يستوجب إعادة النظر في هذا الملف، وتطوير نظم التعليم التقني والمهني وتوجيهها لخدمة نظم الاكتفاء الذاتي، ولإكساب الأفراد المهارات والقدرات التي تمكنهم من تحقيق الريادة، والتواكب مع سرعة تغير القطاعات الاقتصادية المختلفة، فالتعليم التقني والمهني هو الطريق الأكثر فاعلية والأقصر في الآن ذاته للوصول إلى التنافسية المرجوة.
كما أن شيوع ثقافة التعلم المستمر، واكتساب المهارات والمعارف العابرة لحدود التخصص لا يعد اليوم مجرد ميزة تفاضلية بل لا بد أن تكون خصلة واجبة لدى المجتمعات، بمختلف فئاتها العمرية، ودور الفاعلين الاجتماعيين فيها؛ فبقدر الإحاطة بكتلة معرفية ومهارية حرجة، بقدر ما يكون لدى المجتمع والدولة صمام أمان وأداة اكتفاء معرفية داخلية.
فالاكتفاء الذاتي في أحد أشكاله المهملة هو الاكتفاء المعرفي والمهاري، وهو اليوم أحد أشكال ودوائر الصراع العالمي المتشكل.
كما تحتاج الدول أن تدفع المجتمعات في العودة إلى محليتها، وتضامنها، ليس فقط بالدعوة الواعظة بذلك، بل بتمكين السياسات العامة التي توجه المجتمع للانسجام مع تلك المحلية، والتمسك بأنماط التضامن المختلفة؛ فالتضامن يجب ألا يبقى أصلا اجتماعيا لأوقات الأزمات وحدها، بل ضرورة اجتماعية تبنى في المجتمع وتشكل سياج أمان أفراده نفسيا، ودافعا مهما لمشاركتهم في بنائه وتعميره.
على جانب الأفراد فإن تحفيز مهارات إدارة العلاقات الإنسانية أو ما يُعرف بـ «الذكاء العاطفي»، وتشجيع النزعات الإنسانية في بيئات التعلم والعمل، وإعادة توجيه علاقة الأفراد بالموارد والحفاظ على استدامتها، وتعزيز فكرة (الاستثمار في إطالة عمر الأشياء) أكثر من الحاجة لاستبدالها، وتكوين مهارات (الفرد الناقد) في القدرة على تفريق المعرفة الحقيقية والمعلومة الصحيحة من الزائفة كلها نزعات يجب الانتباه لها والتشديد عليها كسمات مرونة قادرة على الدفع بالمجتمع للتكيف مع الاتجاهات التي تشكل العالم الجديد.
كما أن إعادة الاعتبار للخصوصيات الفردية والأسرية، وترسيخ اليقين بأن الفرد لا بد أن يحافظ على تلك الخصوصيات ولا يجعلها مساحة مشتركة بالمطلق مع الآخرين اتصاليا وتواصليا إحدى أهم القدرات التي يجب أن يكتسبها الأفراد في وقت أصبحت تلك الخصوصيات مستهدفة، ومشاعة، وأدوات تسخر للتزييف والاحتيال وضرب التماسك الأسري والمجتمعي.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع، والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان
