حرب أوكرانيا توضح الحماقة الاستراتيجية العميقة لمعارضي فكرة الاتحاد الأوروبي

22 يوليو 2023
22 يوليو 2023

ترجمة - بدر بن خميس الظفري -

يجب على الناتو حماية أوكرانيا من روسيا، وفي الوقت نفسه لا يمكن لأوكرانيا الانضمام إلى الناتو عندما تكون في حالة حرب مع روسيا، هذه هي المعضلة التي يواجهها قادة التحالف العسكري الغربي في قمتهم السنوية في (فيلنيوس).

تتوق كييف بشدة إلى الدخول في اتفاقية المساعدة المتبادلة، وهي عبارة عن اتفاقية تضامن بلا حدود ترى الهجوم على أحد أعضاء الناتو عدوانا على الأعضاء جميعهم. لا شيء أقل من هذا التضامن، الذي يضمن استعمال السلاح الأمريكي، سيقنع روسيا باحترام الحدود الواقعة ما بعد الاتحاد السوفييتي.

وبالرغم من أنّ الناتو يعارض بشدة هذه الحرب، إلا أنه يرسم خطوطا تجنب المواجهة العسكرية المباشرة مع روسيا، لأسباب ليس أقلها وجود الأسلحة النووية التي قد تدمر العالم إذا ما اقتتل أعداء الحرب الباردة السابقون.

بالنسبة للرئيس (فولوديمير زيلينسكي)، فإنه في موقف صعب للغاية، فلكي يحصل على الحماية ضد من يحارب بلاده، يجب عليه أولا المحاربة وحده، وبالرغم من تعبير القادة المجتمعين في (فيلنيوس) عن دعمهم اللامتناهي لمسعى عضوية أوكرانيا للناتو، لكن تعريف مصطلح (العضوية) في ناديهم فضفاض غير واضح، كلوحة لم ينته الرسام من رسمها بعد.

(ريشي سوناك) هو أحد أقوى الداعمين لضم أوكرانيا السريع إلى التحالف، أكثر من (جو بايدن) نفسه، الذي يسهب في الحديث عن الشروط الفنية للدخول مثل اختبارات الحوكمة الجيدة والتحديث العسكري. ومع حماس رئيس الوزراء البريطاني الشديد، إلا أنه حتى هو لا يمكنه أن يحدد متى يجب على كييف أن تنضم رسميّا.

لعبة دبلوماسية مماثلة تحدث حول آمال أوكرانيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إذ قدم زيلينسكي طلبًا للعضوية في فبراير الماضي بعد أيام فقط من الحرب الروسية، ثم منحت أوكرانيا وضع المرشح الرسمي بعد أربعة أشهر.

كان ذلك بيانًا رمزيًا لدعم دولة طالما دفعت ثمنا مروعا مقابل طموحها في أن تُحسب بين الديمقراطيات الأوروبية، وليس فقط في الأشهر السبعة عشرة الماضية.

كانت هناك (انتفاضة ميدان) في عامي 2013-2014، التي أثارها رفض (فيكتور يانوكوفيتش)، رئيس أوكرانيا الموالي للكرملين آنذاك، التوقيع على اتفاقية شراكة مع بروكسل. تمت الإطاحة بـ(يانوكوفيتش) في النهاية، ولكن ليس قبل مقتل العشرات من المتظاهرين، ثم قرر بوتين أن الوقت قد حان لرفع مستوى الدور الروسي في أوكرانيا من التحكم بالسلطة السياسية للدولة إلى ضم أراضيها، بدءًا من شبه جزيرة القرم في مارس 2014.

أوكرانيا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تعرض فيها الناس لوابل من الرصاص لأنهم تجرؤوا على لفّ علم الاتحاد الأوروبي ذي اللونين الأزرق والأصفر المرصع بالنجوم حول أنفسهم، وهذا ما تعنيه (أورسولا فون دير لاين)، رئيسة المفوضية الأوروبية، عندما تتحدث عن «مسؤولية خاصة» تجاه كييف.

ولكن، كما هو الحال مع حلف الناتو، هناك فجوة كبيرة بين الواجب الأخلاقي لإدراج أمة بطلة في المشروع الأوروبي والواقع السياسي المتمثل في أهلية هذه الأمة للانضمام بالشروط الحالية، فمن السهل استدعاء الروح الحماسية التي سادت إبان تأسيس الاتحاد الأوروبي للوصول إلى التكامل بين دول القارة الأوروبية عن طريق الاستقلال الاقتصادي المتبادل، ولكن من الصعب جدًا العثور على مكان لبلد كبير وفقير تمزقه الحرب في عملية صنع القرار في بروكسل من قبل النظام القانوني المعقد والمتشدد للحلف، وتوفير مخصصات مالية، وتقديم إعانات للمزارع السوفييتية العملاقة في أوكرانيا.

في أحدث زيارة لها إلى كييف، في وقت سابق من هذا الشهر، قالت (فون دير لاين): إنه من المستحيل تصور مستقبل للاتحاد الأوروبي من دون أوكرانيا. كان ذلك أسلوبًا أنيقًا للموازنة بين ثبات الالتزام بالوعد والغموض بشأن الجدول الزمني لتحقيق هذا الوعد، وهو الخط الدقيق نفسه الذي يتم التلاعب به في (فيلنيوس) بين منح الأوكرانيين الأمل وتقنين توقعاتهم في هذا الشأن.

يعيد الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) تكرار مسار فعلاه منذ مطلع القرن، عندما اتبع عدد من دول منظمة معاهدة وارسو السابقة طريقا مزدوج المسار للانضمام لكلا التكتليْن، فالتكامل القانوني للسوق الموحدة وقابلية التشغيل العسكري بين الأعضاء مساران يحتاجان إلى إصلاحات مختلفة للغاية، ومع ذلك، شَكّلَ هذا المزيج المتماسك ضرورة استراتيجية لكي تكون جزءًا من الغرب، وهو الأمر الذي استوعبته بسرعة الدول التي تقع على حدود روسيا على أنه تحرر لا رجعة فيه من سيطرة الكرملين.

إلا أنّ هذا الشعور بالتهديد الوشيك لم يكن مشتركًا بين جميع الأعضاء، فقد كانت إحدى وجهات النظر هي أن روسيا قد تكبدت ما يكفي من الهزيمة عندما تفكك الاتحاد السوفييتي، ويمكن السماح لها بفرض قوتها المتبقية من العصر السوفييتي على الطوق المتبقي من فنائها الخلفي، وغالبًا ما كان يتم التقليل من شأن تحذيرات بولندا ودول البلطيق من أن حريتهم ستقوض قريبًا إذا ما ظلّ مصير هذه المنطقة غير واضح، وكان ينظر إلى تحذيراتهم أنها مجرد حالة رهاب من روسيا.

الفرق هو أن دول البلطيق لم تبتعد فحسب، بل أغلقت الباب خلفها، وعضوية الناتو كانت هي القفل. كانت عضوية الاتحاد الأوروبي جواز سفر لمستقبل اقتصادي أفضل، بالمعنى الحرفي للكلمة، لأولئك المواطنين الذين اكتسبوا حرية التنقل داخل السوق الموحدة.

بريطانيا، التي كانت آنذاك في ظل حكومة حزب العمال، مدافعة متحمسة لعملية الانضمام تلك. ولم تنس أوروبا الشرقية ذلك المعروف، على الرغم من أن النوايا الحسنة المكتسبة كصديق للبلدان التي انضمت للاتحاد الأوروبي كانت مفيدة للغاية في بناء التكتل الأوروبي والحصول على الامتيازات التجارية في المجلس الأوروبي.

وضع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حدًا لذلك. كما أنها فرضت وجهة نظر غير متكافئة لأمن القارة الأوروبية على حكومة محافظة لديها حساسية أيديولوجية تجاه الاعتراف بالاتحاد الأوروبي كمؤسسة أساسية لتعزيز المصالح الغربية في أوروبا - الشقيق الاقتصادي لحلف الناتو.

وعلى الرغم من كل التقدم الذي أحرزه (سوناك) في إقامة صداقة مع (فون دير لاين) من خلال التوقيع على إطار عمل (وندسور) والتخلي عن التصريحات الجوفاء المتعالية التي كان يتبناها أسلافه، فإن سياسته الخارجية لا تزال متجذّرة في إنكار الحقائق عن أوروبا في القرن الحادي والعشرين.

لم تتطور النظرة التقليدية من قبل حزب المحافظين إلى تكتل بروكسل على أنه مؤامرة ضد السيادة الوطنية منذ الخلافات حول معاهدة (ماستريخت) قبل 30 عامًا، وتستمر أوهام لندن في قدرتها على التكافؤ في السوق مع كتلة من 27 دولة أخرى على الرغم من وابل من الأدلة على أن العلاقة غير متوازنة إلى حدٍ كبير وليست لصالح بريطانيا.

في الوقت الحالي، لا يؤدي الانخفاض في التصنيف الاقتصادي إلى تغيير مكانة بريطانيا كقوة عسكرية رائدة في أوروبا، وهو الأمر الأكثر أهمية في كييف في الوقت الحالي، فالناتو هو الحلف الذي يناشده (زيلينسكي) أولا وقبل كل شيء لتأمين بقاء بلاده دولة مستقلة. إن عضوية الاتحاد الأوروبي هي الرحلة الأطول التي تقدم للأوكرانيين خيارات ديمقراطية أكثر استقرارًا وازدهارًا، والهروب الكامل من دوامة روسيا القسرية.

إن حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي ذراعان يحتضنان جسدًا واحدًا، لكن (سوناك) لا يمكنه القيام باستراتيجيات تخص القارة الأوروبية إلا بذراع واحدة خلف ظهره، فهناك العديد من الجوانب السلبية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، معظمها بسبب ضيق الأفق، على بريطانيا أن تتحمل تبعاتها بمفردها. لكن هناك نتيجة واحدة أكثر إثارة للمشاعر من غيرها لأن لها آثارًا أكثر مما نتصور، وهي أننا بعد أن أدرنا ظهرنا للمشروع الأوروبي، لم نعد سوى نصف صديق لأوكرانيا.

رافائيل بير كاتب عمود في صحيفة الجارديان.