جُبّة الدين وتبرير الحرب

05 أبريل 2026
05 أبريل 2026

مهما تراكمت الخلافات بين الدول المتجاورة فلا يبرر الخلاف سعي إحداها لحرب مدمرة وبالها يصل الجميع دون استثناء، وما قد يبدو انتصارًا ومكسبًا في تفكير مرحلي عابر يتبدى خسارة مُرّكبة على المدى البعيد؛ لذلك تتجاوز الدول كثيرًا من خلافاتها تجنبًا للحرب والصراعات المسلحة بكل السبل. 

ولعل من الجيد هنا تذكر حربين عالميتين دمويتين وصراعات تاريخية بين دول أوروبا الغربية (خصوصًا فرنسا وألمانيا) لما قررت هذه الدول ربط مصالحها الاقتصادية والسياسية ببعض تجاوزًا للماضي وتعزيزًا للاستقرار بعيدًا عن الحروب عبر تأسيس المجموعة الأوروبية للفحم والصلب عام 1951م خطوة أولى للتكامل، ثم التحول إلى الاتحاد الأوروبي قبل إنشاء سوق مشتركة وعملة موحدة. 

والأمثلة كثيرة عالميًا وعربيًا؛ فربط المصالح الاقتصادية والحوار السياسي وخطط التنمية المشتركة، وتقدير إرادة الشعوب في السلام كلها محفزات لتجاوز الماضي والاهتمام بمستقبل الشعوب وتنمية الدول. 

وفي كل الأزمنة ثمّ مُعتاشٌ من التأجيج وإذكاء العداوات -أفرادًا كانوا أم جماعات أم دولا-، بل قد يتجاوز ذلك إلى تصنيعها وتفكيك ما جُمع واتحد منها وبعدها عبر عقود، لا لشيء إلا لتمكينه من التحكم، وتوسيع النفوذ، وتعزيز السلطة المركزية عبر تفكيك السلطات المجاورة سواء كانت موافقة أم معارضة. 

ولعل الأخطر في وسائل موقدي الحروب ومشعلي نار الفتن تلبس جبّة الدين لحشد الجماهير وتجييش الأفراد تأييدا للحرب. 

استغلال الدين في إذكاء العداء وسيلة فاعلة جربها المستعمر وجربها الغزاة رغم كل ما يتردد من ضعف ارتباط الأجيال الحالية بدينها، وانسلاخها عن اعتناق مبادئها، لكن يثبت الواقع أن ما يزال الدين -أيا كان- هو آخر معاقل البسطاء؛ لذلك لا يلبث الساسة يدكونه موظفين رموزه ونصوصه وصولا لأهدافهم السياسية ومطامعهم المادية. 

وها نحن نجد أصداء الحروب الصليبية حاضرة في حماس وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث الآخذ شكلا دينيا متطرفا في محاولة لحشد الجماهير؛ تأييدًا للحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فكانت وبالًا على المنطقة بأكملها، وأقصد بالمنطقة هنا الشرق الأوسط، وليس الخليج وحسب. 

فبغض النظر عن كل الاختلافات بين دول المنطقة؛ لا تسعى أي دولة لحرب تدور رحاها لطحن مكتسبات الدول وأمن الشعوب ومقدرات الأوطان، يقول هيغسيث: «نحن المسيحيين - إلى جانب أصدقائنا اليهود وجيشهم العظيم في إسرائيل - نحتاج إلى حمل سيف التمسك بالقيم الأمريكية دون اعتذار والدفاع عن أنفسنا. يجب علينا دحر الإسلاموية ثقافيًا وسياسيًا وجغرافيًا، وفي حالة مثل تنظيم داعش عسكريًا». 

ورغم كل وسائل الحشد المعاصرة يبقى الدين بين وسائل الغزاة لتبرير سعيهم الدموي للتوسع والنفوذ وسيلة لحشد الجماهير بإضفاء الشرعية المقدسة على قراراتهم السياسية الخاطئة، ليصبح حينها غطاء محركا للهوية الجماعية في زمن الاضطرابات لتوسيع النفوذ الاقتصادي العسكري عبر القوميات الدينية، والميليشيات العسكرية والجماعات اليمينية المتطرفة المسلحة. 

هيغسيث تعرّض في مارس 2025م لضغوط بعد تسريبه محادثات مع صحفيين وأشخاص غير مخولين، كشف عنها عن غير قصد مأخوذا بعمله السابق مقدّما في قناة فوكس نيوز، كما أثار ضجة كبيرة في سبتمبر م2025 بعد استدعائه مئات الجنرالات الأمريكيين بعضهم في مهام جارية في أنحاء العالم لحضور اجتماع في القاعدة البحرية في كوانتيكو (فيرجينيا) لحشد تأييدهم لدونالد ترامب في مساره الذي أسماه «إعادة إحياء روح المحارب». ومن أمثلة التلبس الديني في هذه الحرب جعل هذه الحرب بإرادة إلهية (عبر ترامب) بإحياء شعار «الله يريد ذلك» Deus Vult ، كما احتج مئات الجنود الأمريكيين لمحاولة قادتهم العسكريين إقناعهم بأنها حرب نهاية الزمان Armageddon ضد إيران مستشهدين بنصوص سفر الرؤيا، وأن ترامب ممسوح من يسوع ليشعل شرارة نهاية الزمان! 

ولا تتردد إسرائيل كذلك واصفة إيران بـ«عماليق»، وهو رمز توراتي لعدو يجب تذكر جرائمه ومواجهتها. 

كما ربط بعض الإسرائيليين حربهم لإيران بإطار عيد «بوريم» اليهودي المرتبط بقصة إنقاذ اليهود من مؤامرة في الامبراطورية الفارسية قديما. 

وهنا لا ينبغي نسيان أثر الإعلام عموما والإعلام الرقمي -الذي أصبح بيئة خصبة لتضخيم الصراعات الدينية- خصوصًا في تغذية العنف والاحتقان عبر الحشد الجماعي السريع، وتفشي خطاب الكراهية بتوسيع رقعة الأخبار المضللة. 

تلك الخوارزميات المحركة لتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي تعمل بشكل متسارع لزرع الانقسام عبر تعزيز المحتوى المتطرف مستقرئة آليات التفضيل لدى المستخدم، وتكوين فقاعات الهُويّة ( Echo Chambers) التي تتحول في الصراعات الدينية إلى غرف صدى معززةً الرواية المتشددة مع إضعاف الرواية المعتدلة، وتسهيل التعبئة وتوجيه السلوك الجماعي مع زيادة الحافز للصراع بسبب المعلومات المضللة، وتضخيم الخلافات لتحويلها إلى عداوات، وإعادة تشكيل الرموز الدينية والسرديات المقدسة عبر الإعلام المرئي، وانتشار الوصم والتحريض والتخوين الرقمي ضد الأصوات المعتدلة وضد الوعي الواقعي. ختاما: سيسعى مشعلو الحرب لتبريرها بكل الوسائل غير متورعين عن استغلال حتى الدين في ذلك، لكن الرهان الأقوى يبقى على وعي الشعوب ومعرفتهم، وعلى ضرورة الإفادة من التاريخ ودروسه رفضًا للحرب مهما كانت مبرراتها ونتائجها. 

ولسنا هنا في سياق تأييد أو تجريم لكن البيان الأوضح هو أن من تسبب في هذه الحرب لم يستشرنا، ولم يستشر حتى دولنا في سعيه الواضح للدمار وتفتيت الإقليم، فليس ذلك يقينًا لأجلنا، ولا لأمان المنطقة الذي لا يمكن الحديث عنه مع الصمت عن مخالفات إسرائيل القانونية والإنسانية ومخالفة أمريكا الحليف الموجه بعصا النفوذ وطعم السلطة. 

نعيش اليوم واقعًا لم نختره ولا خيار إلا التهدئة قبل التصعيد والتعقل دون الانفعال سعيًا للسلام والأمان ورعاية للأوطان. 

وأحسب أن لا بد للشعوب من كلمة فصل هنا؛ رفعًا للحرج عن الحكومات كأقل تقدير بإعلان رفض الحرب احترامًا لإرادة شعوب المنطقة. 

حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية