تعزيز المساءلة والشفافية.. كيف يعوق الفساد مسير التنمية؟

31 يناير 2023
31 يناير 2023

لطالما أكدت الدراسات والبحوث وجود علاقة وثيقة بين الفساد والتراجع الاقتصادي والتنموي، فتعزيز المساءلة والرقابة ومن ثم الشفافية ذو تأثير عكسي على انتشار الفساد الإداري والمالي وبالتالي يكون النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية في منأى من تكاليف وأعباء غير محسوبة قد تقوض الخطط أو على الأقل تشوهها. وقد لا يكون تعريف الفساد بطريقة شاملة أمرًا سهلاً لأن السلوك الفاسد يختلف ويتنوع ويتباين، غير أن التعريف الأكثر قبولًا على نطاق واسع هو الذي تستخدمه مجموعة من المؤسسات العامة ومنظمات المجتمع المدني العالمية، بما في ذلك البنك الدولي ومنظمة الشفافية الدولية، والذي يتفق مع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وينص بأنه «استغلال المنصب العام لتحقيق مكاسب خاصة».

قد ينظر إلى استغلال المنصب العام لتحقيق مصالح خاصة بنظرة استخفاف وتقليل، غير أن هذه المشكلة على بساطتها- ظاهريا- تلقي بنتائج وخيمة وبأعباء ثقيلة على الاقتصادات لاسيما حينما يكون الفاعل يضطلع بمسؤولية كبيرة وذو صلاحيات واسعة، فوفقا لصندوق النقد الدولي فإن التكلفة السنوية للرشوة تتراوح ما بين 1.5 و2 تريليون دولار (حوالي 2% من إجمالي الناتج المحلي العالمي) ومما لا شك فيه فإن التكاليف أكبر من ذلك بكثير فالرشوة تمثل جانب واحد فقط من جوانب الفساد، أضف إلى ذلك التكاليف الاجتماعية غير المحسوبة، وفي هذا السياق تقول السيدة كريستين لا غارد مدير عام صندوق النقد الدولي سابقا والرئيسة الحالية للبنك المركزي الأوروبي: «بينما التكاليف الاقتصادية المباشرة الناجمة عن الفساد معلومة تماما، فربما كانت التكاليف غير المباشرة أكبر وأشد وطأة، فهي تؤدي إلى انخفاض النمو وارتفاع عدم المساواة في الدخل، وللفساد كذلك تأثير أشد ضررا على المجتمع فهو يقوّض الثقة بالحكومة ويضعف المعايير الأخلاقية للمواطنين».

الفساد حجر عثرة أمام مسيرة التنمية الاقتصادية

تأسيسا على ما تقدم، يظهر جليا أن الفساد الإداري والمالي هو أحد معوقات التنمية إن لم يكن أخطرها، فهو أشبه ما يكون بفيروس يضرب الكفاءة الاقتصادية التي يراد منها ضمان الاستخدام الأمثل والكفؤ للموارد الاقتصادية التي تعمل على تعبئة العمليات التنموية، فهو يقوم -أي الفساد الإداري والمالي- على تبديد وإهدار تلك الموارد بسوء استخدامها، ويكمن خطره الأكبر -إذا ما استشرى وتوغل- في زعزعة الثقة بين الحكومة والمواطنين، وعن أي تنمية نتحدث إذا ما قُوّضت تلك الثقة وهي أهم أركان العقد الاجتماعي وتكوين الدولة. وتشير أكثر الدراسات إلى أن تأثير الفساد الإداري والمالي على اقتصاديات الدول النامية أكبر منه على الدول المتقدمة، إضافة إلى نتائجه الملحوظة تكون في الدول النامية أشد عمقا من حيث نسب الفقر وأعداد القوى العاملة المعطلة، ولهذا الاستنتاج أسباب معقولة لكون أن الدول المتقدمة تتمتع بمنظومة تشريعية ومؤسسية تعزز الجانب الوقائي من الفساد وتقلل من فرص وقوعه. حيث توضح آخر مسوحات منظمة الشفافية الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن هناك شخصًا من بين 3 أشخاص قد دفع رشوة (أي ما يقارب 140 مليون مواطن عربي).

إن الفساد يعوق إدارة السياسات الاقتصادية ويضعف الإشراف المالي، ويضر في نهاية المطاف بالنمو الاقتصادي الذي يعد المحرك الأساسي للتنمية، ولكي نستوضح تأثير الفساد على الحركة التنموية بصورة أكثر تفصيلا، نسرد هنا أبرز تأثيراته كما ورد في تقرير لصندوق النقد الدولي بعنوان «الفساد: تكاليفه واستراتيجيات تخفيف حدته»، كالآتي: أولا، يُضعف الفساد الإداري والمالي قدرة الدولة على تعبئة الإيرادات وأداء وظائفها الأساسية، ويضر أيضاً بثقافة الامتثال ويفضي بالتالي إلى مزيد من التهرب الضريبي، فعلى سبيل المثال، عندما ينظر المواطنون إلى المحسوبية في الإعفاءات الضريبية، يقل الحافز لديهم لسداد الضرائب. ونتيجة لذلك، تنخفض الإيرادات التي تُحصّلها الحكومة فتقل قدرتها على تقديم الخدمات العامة، مع ما لذلك من عواقب سلبية على النمو الاقتصادي. ثانيا، يؤدي الفساد إلى تضخيم المشتريات الحكومية، فينصرف جزء من الإنفاق العام إلى غير المخطط له، وغالبا ما يرتبط حجم الإنفاق بالجودة، فانخفاض المخصصات المالية للإنفاق نتيجة الفساد ينعكس تأثيره على جودة المشاريع والخدمات، ويُمَكِّن كذلك من اختلاس الأموال من خلال المعاملات التي تُنَفَّذ خارج الاعتمادات المالية ويؤدي هذا الاختلاس إلى تقليل الموارد المتاحة للاستثمارات العامة وأوجه الإنفاق الأخرى ذات الأولوية، مما يوسع الفجوات في البنية التحتية ويؤثر على النمو. ثالثا، يتسبب انخفاض الإيرادات العامة في زيادة اعتماد البلدان في الغالب على التمويل الداخلي والخارجي، ما يعني ذلك الدخول في دوامة تراكم الدين العام، إضافة إلى أن التمويل من خلال البنك المركزي يُشعل التضخم ويضر باستقرار الاقتصاد. رابعا، يمكن أن يصل تأثير الفساد إلى رفع تكاليف الولوج إلى الأسواق المالية لأن المقرضين يأخذونه في الحسبان، ويتفاقم الضرر الذي يصيب القطاع الخاص من الفساد لأنه يعمق مشاعر عدم اليقين لدى الشركات ويقف حجر عثرة أمام دخول شركات جديدة، وبالتالي تُخصص الموارد للأنشطة الباحثة عن الريع بدلا من الأنشطة الإنتاجية، كما أن له تأثير مباشر في إحجام تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر. خامسا، لا يقف تأثيره عند الحدود المالية والتجارية فقد تترتب عليه كذلك تكاليف اجتماعية وبيئية باهظة، فانخفاض مخصصات البرامج الاجتماعية والموارد الضائعة من جراء الفساد تحد من بناء رأس المال البشري، كما يؤدي إلى ضعف قواعد تنظيم البيئة وزيادة التلوث واستخراج موارد طبيعية أكثر مما يلزم. وفي الحالات القصوى، من شأن الفساد يقود إلى زعزعة الاستقرار السياسي واندلاع الصراعات، ويذهب التقرير إلى أن وفرة الموارد الطبيعية يمكن أن يزيد الوضع سوءا طالما أن البيئة التنظيمية ضعيفة.

إن الفساد الإداري والمالي ظاهرة عالمية، فكل دول العالم تعاني من الفساد، غير أن درجة عمقه وتأثيره تتفاوت تبعا لفاعلية المؤسسات الرقابية والنظم التشريعية وانتشار الوعي الأخلاقي والقانوني والإداري، كما أن التحول الإلكتروني وتحول الحكومة إلى النظم الرقمية ورقمنة الأعمال والإجراءات يُحوكم العمل ويسهم بدرجة كبيرة في منع الفساد الإداري والمالي، ويسهل تتبعه، ولا يجب أن ننسى أن الشفافية الحكومية في كشف الفساد تعزز الثقة بينها وبين المواطنين وهي رسالة ضمنية على جدية مكافحته.

ماجد الخروصي باحث اقتصادي