اندلعت الحرب فهل تنجح في تغيير قواعد اللعبة؟
28 فبراير 2026
28 فبراير 2026
نقترب هذا الأسبوع من نصف رمضان، ويبدو بينما أعد هذا المقال للنشر أن الحرب اندلعت فعلًا قبل قليل، رغم المفاوضات المعلّقة التي لم تحسم بانتظار جولة أخرى؟ وأن النيّة المبيّتة تغلبت في النهاية وأن المماطلة لم تكن إيرانية بل أمريكية وإسرائيلية.
في الأسبوع الماضي نسبت تسمية «رأسمالية الكوارث» إلى أنتوني لوينشتاين، بما أنه عنوان كتابه، صدرت ترجمته للعربية عن سلسلة عالم المعرفة نوفمبر ٢٠١٩م، فيما يشير هو إلى أنه أخذ التسمية من عنوان فرعي لكتاب «نعومي كلاين» عقيدة الصدمة، صدرت ترجمته عن دار المطبوعات والنشر، وفيه تشير كلاين إلى ما أسسه الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان حائز نوبل للاقتصاد ١٩٧٦م، واصفة إياه بمؤسس ومنظّر عقيدة الصدمة، أو العلاج بالصدمة، عبر استغلال الصدمات والكوارث لإحداث تغييرات سريعة متلاحقة لا يفيق لها الجمهور العام إلا وقد أصبحت واقعًا عليه التأقلم معه. وترى كلاين أن تلك النظريات لمدرسة شيكاجو وجدت طريقها للإدارة الأمريكية وكانت صاحبة الدور الأبرز في التوجه الأمريكي خاصة أحداث سبتمبر ٢٠١١ وما تلاها.
يعتبر ميلتون فريدمان من أكثر الاقتصاديين تأثيرًا في القرن العشرين، حسب الايكونومست، فقد شغل منصب مستشار اقتصادي لعدد بارز من قادة القرن العشرين بمن فيهم رونالد ريجان ومارجريت تاتشر وغيرهم، ومن كتبه كتاب الرأسمالية والحرية 1962، وله عدة ترجمات للعربية، وهو الكتاب الأشهر لفريدمان، وفيه يشرح نظريته للأسواق الحرة، وبأنها ضامن لحل الكثير من المشكلات السياسية ويدعو صراحة لإحجام القوى السياسية عن التدخل ما لم تتعرض لخطر مباشر، ويوصف فريدمان باتخاذ أساليب تتسم بالعنف أو الصدمة كما وصفته كلاين، لكن هناك علماء اقتصاد آخرون انتقدو بعض استنتاجاته ومنهم ادموند فيليب الحائز على نوبل ٢٠٠٦.
لعل الاقتصادي المعارض الأشهر اليوم وهو حائز نوبل في الاقتصاد ٢٠٠١ جوزيف ستيجليتز بإمكانه أن يعطينا تصورًا عما يحدث، فهو يجعل نظريات اقتصاديين مثل ميلتون فريدمان وآخرين كفريدريك هايك فيما يسميه تيار الليبرالية الجديدة، وهي التيار المؤثر اليوم على راسمي السياسات الاقتصادية، وذلك في كتابه الأخير الطريق إلى الحرية الاقتصاد والمجتمع الصالح The Road to Freedom: Economics and the Good Society.
اليوم يبدو بوضوح أن ما تحاوله الإدارة الأمريكية الحالية هو تغيير قواعد اللعبة السياسية العالمية لعقد أو عقدين آخرين، وذلك عبر نموذج يتخطى الهيئات والمؤسسات الدولية، فها هي القطع الحربية تكتمل وها هي الحرب تندلع، وذلك دون أدنى غطاء دولي أو قرار أممي أو حتى تحالف دولي.
هذا هو النموذج الذي تسعى إدارة ترامب لترسيخه، وهو يتفق في كثير من مظاهره مع السياسة الإسرائيلية التي طالما هاجمت وسخفت الهيئات الأممية والدولية، ولم ترضخ لأي قرار، ولم تتعاون معها إلا مرغمة، واليوم تطيح الإدارة الأمريكية بكل ذلك، بل وتسعى صراحة إلى تقويضه، وما مجلس سلام ترامب إلا أحد تمظهراته.
الواضح أن ترامب يسعى عبر فترة رئاسته إلى تغيير قواعد اللعبة الدولية، والخروج بنموذج جديد تصبح فيه الولايات المتحدة الأمريكية هي الشرعة والمرجعية الدولية، ومع أن ذلك فيه ما فيه من قصور النظر والفجاجة، لكنه هو الواقع الذي تريد هذه الإدارة أن تفرضه على الجميع، من منطلق ودوافع القوة، وترسيخ الهيمنة، فهذا هو النموذج الذي تريد اليوم هذه الإدارة أن تعممه على العالم، وهكذا أصبحنا نرى تحولًا في الأدوار يجعل الرئيس الأمريكي يبدو كمن ينافس الأمين العام للأمم المتحدة، وفي هذا السيناريو فإن حربًا مثل هذه الحرب المعلنة لا تخص فقط إيران أو النظام الإيراني فحسب، بل هي تسعى عبر الحرب لترسيخ نظام دولي جديد، تصبح فيه لأمريكا المرجعية وتحتكر بها السلطة المطلقة.
قد تظن الإدارة الأمريكية اليوم أنها محصنّة من عواقب هذه الحرب، وأن بعدها الجغرافي يحميها من التعرض لمخاطر مباشرة على أرضها، وأن الحرب مهما احتدمت فإن نطاقها سيظل في هذه البلاد «البعيدة» ولن يصل إليها؛ لكن في عالم المصالح المتشابكة فإن كل هذه التنظيرات تبقى على الورق أما الواقع فإن الحروب التي تندلع لا يمكن التنبؤ بما ستجره، بما في ذلك ما يتهدد انهيار وسقوط الحقبة الأمريكية، ولذلك أكثر من مؤشر داخلي وخارجي، وأحد دلائل هذه الإرهاصات على النهاية هو هذه الإدارة ذاتها، والتي تحاول بتغيير قواعد السياسة الدولية أن تنجز مهمتها في بعث وإحياء العظمة الأمريكية.
لعل أكبر خسارات الإدارة الأمريكية الحالية هو ما يحدث في الداخل الأمريكي، فلا يمكن إغفال ظاهرة الهجرة الأمريكية المتواصلة للخارج على كافة المستويات، هربًا من الحقبة الترامبية، ولا الاحتجاجات المقموعة بالقوة والتي تسعى لطرد المهاجرين؛ فالبشر هم أساس الثروات الأمريكية، لا العكس، ونهوض أمريكا قام على الهجرة، ثم كانت الخسارة التالية في صف الحلفاء الغربيين، الذين رأيناهم يتجهون شرقًا إلى الصين، بعد أن خذلتهم الإدارة الأمريكية واستشعروا منها التهديد، فضلًا عن حرب أوكرانيا المستمرة للعام الخامس، والتي ليست غير حرب استنزاف مستمرة، وما بدأ كحرب سهلة لروسيا بمقدورها حسمها في مدة بسيطة تحول إلى مواجهة مع الغرب كله، حتى أصبحت الأمور من التعقيد بحيث لا يعرف أحد كيف يمكن إنهاؤها، واحتاجت روسيا إلى مساعدة دول أصغر وأضعف منها.
فإذا كان هذا هو الحال الروسي اليوم ولم يمض الكثير على القرن العشرين، القرن الذي شكل فيه الاتحاد السوفييتي ثاني القطبيين الدوليين، وها هي روسيا عاجزة اليوم عن حسم حرب واحدة، فما الذي ينتظر القطب الأول؟
لم تكن حرب أفغانستان حربًا خرجت منها أمريكا منتصرة، ولا يمكن اعتبار حرب العراق انتصارًا لأمريكا، وقد جرّت تلك الحروب ردات فعل داخل الولايات المتحدة نفسها فضلًا عن أوروبا، فلا يمكن فصل سياق العمليات الإرهابية في العقد الأول والثاني من هذا القرن عن تلك الحروب وارتداداتها، كما لا يمكن فهم دوافع تفجيرات سبتمبر ٢٠١١م دون العودة لضربة أمريكا على تنظيم القاعدة في السودان، فقد كان ذلك انتقامًا مبيّتًا منذ مدة، وكان له دويّ هائل؛ لذلك لا يمكن اليوم الزعم بأن تضخيم هذه السياسة الأمريكية وتوسيع نطاق المواجهة والذهاب لمعاداة أطراف لم تشترك فيها من قبل مثل إيران، مراضاة لتطلعات إسرائيل، يمكن أن يؤدي لعالم أفضل اقتصاديًا وأكثر ربحية وأمنا.
الأخطر من القنابل النووية هو أن تصبح القنابل في الأفكار والمشاعر، والأسوأ من وجود عدو واحد هو معاداة الكل، وإذا كانت إسرائيل هي التي تدفع الولايات الأمريكية لهذه المواجهة فإنه لا تدفعها إلا لخرابها، والسقوط كما نفهمه من تاريخ الدول والحضارات لا يبدأ ماديًا، بل أخلاقيًا. ولا يمكن للنظم التي تتعثر أخلاقيًا أن تصمد بقواها المادية لزمن طويل.
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني
