العالَم يتعلم كيف يعمل دون الاعتماد على أمريكا
15 أبريل 2026
15 أبريل 2026
حتى في حين كانت القنابل الإسرائيلية تنهمر على لبنان، تنفس معظم العالم الصعداء بحذر عندما ذاع خبر وساطة باكستان في وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، بهدف إعادة فتح مضيق هرمز.لكن هذه الـمُهلة لم تكن نتيجة لضبط النفس على نحو مفاجئ من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. فخلف الكواليس، كان المسؤولون الأمريكيون يضغطون على باكستان لحملها على التوسط في اتفاق يسمح لترمب بالتراجع عن تهديداته بتدمير «حضارة بأكملها»، يقصد الحضارة الإيرانية، إذا لم تُـذعِن. بعبارة أخرى، لم يأت وقف إطلاق النار لأن أقوى مؤسسة عسكرية في العالم فرضت النظام، بل لأنها اضطرت إلى احتواء أزمة من صنعها.برغم أن وقف إطلاق النار الذي تفاوضت عليه باكستان هش، وأن إيران لا تزال تسيطر على مضيق هرمز (الذي يخطط ترمب الآن لحصاره بعد تعثر المفاوضات)، فإن هذه الديناميكية تشير إلى تحول أعمق. فمع اقتراب عصر الهيمنة الأمريكية من نهايته، تبدأ ملامح ما قد يأتي بعد ذلك في الظهور ــ حيث يمارس الجنوب العالمي القيادة لتشكيل نظام عالمي ناشئ.
تسلط الحرب ضد إيران الضوء على عدم استدامة نظام عالمي مبني على الإنذارات النهائية والقوة العسكرية. في حين أصبحت هشاشة النظام واضحة دون لبس في عهد ترمب، فإن هذه اللحظة كانت قيد التكوين منذ فترة طويلة. على سبيل المثال، تعكس عمليات القتل خارج نطاق القضاء التي أمر ترمب بها بحق مشتبه بهم في تهريب مخدرات في منطقة الكاريبي ممارسات أسلافه الذين طوروا حرب الطائرات الـمُسَيَّرة آليا لتصبح أداة مركزية بيد القوة الأمريكية.
على نحو مماثل، كانت العداوة تجاه الصين، وعزل كوبا، والدعم غير المشروط لإسرائيل، والموقف المتشدد تجاه إيران، كلها ركائز للسياسة الخارجية التي انتهجتها الإدارات الديمقراطية والجمهورية على حد سواء.
لا سبيل لإنكار حقيقة مفادها أن النزعة الأحادية الأمريكية اشتدت خلال العام الماضي. والرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، والتخفيضات الحادة في المساعدات الخارجية، وتهديده لجرينلاند، واختطاف الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، والحرب غير القانونية وغير المدروسة على إيران، التي شعر الاقتصاد العالمي بأسره بآثارها، كلها أدلة على هذا التصعيد.
يشكل إغلاق مضيق هرمز ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه «أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ»، لكن التداعيات الاقتصادية من المرجح أن تكون متفاوتة. يتمثل تشابه تاريخي وثيق في صدمة النفط التي أعقبت الحظر في سبعينيات القرن العشرين، والتي أعادت صياغة الحروب في المنطقة باعتبارها تهديدات لتدفقات الطاقة وساعدت في إغراق عدد كبير من البلدان النامية في أزمات الديون التي ميزت ثمانينيات القرن العشرين.
لكن أزمة مضيق هرمز تذكرنا بدرجة أكبر بإغلاق قناة السويس من جانب مِصر في عام 1956، الذي أعقب غزوا بريطانيا فرنسيا إسرائيليا مشتركا بهدف الاستيلاء على الممر المائي والإطاحة بالرئيس المِصري جمال عبد الناصر. كشف فشل ذلك التدخل عن التدهور النهائي لقوة أوروبا الإمبراطورية وساهم في ظهور حركة عدم الانحياز في أوائل ستينيات القرن العشرين.
قد يُـفضي قرار إيران السير على خطى عبد الناصر إلى إعطاء دفعة لإعادة ترتيب مماثلة. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى توزيع الوقود بنظام الحصص، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وارتفاع تكاليف الاقتراض في مختلف أنحاء العالم. وفي سباق الحصول على الإمدادات المحدودة من الوقود والأسمدة، ستخسر اقتصادات الجنوب العالمي حتما المزايدات لصالح نظيراتها الأكثر ثراء.
لكن هذه التأثيرات غير المتكافئة كشفت النقاب أيضا عن الجهة التي تمتلك النفوذ الجيوسياسي، وهي ليست مجموعة السبع. في اجتماع وزراء خارجية المجموعة الشهر الماضي، ظهرت بوادر خافتة لانتقادات موجهة إلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. ومع ذلك، اكتفى البيان الرسمي بالدعوة إلى «وقف الهجمات ضد المدنيين والبنية الأساسية المدنية»، دون الاعتراف بمسؤولية أميركا عن قصف مدرسة إيرانية أسفر عن مقتل أكثر من 100 طفل. أشار البيان أيضا إلى مناقشات حول التخفيف من «الصدمات الاقتصادية العالمية»، لكنه لم يقدم أي حلول حقيقية.
تحت ضغط من إدارة ترمب، دعت المملكة المتحدة أكثر من 40 دولة إلى الاجتماع لحث إيران على إعادة فتح مضيق هرمز. لم تحضر الولايات المتحدة ولا إسرائيل، وكان غياب وسطاء رئيسيين مثل باكستان ومصر والصين ملحوظا. كانت إحدى السياسات الملموسة القليلة التي طرحتها المجموعة متمثلة في فرض عقوبات جديدة على إيران ــ وهو إخفاق في الاعتراف بالكيفية التي أسهمت بها سنوات من «الضغط الأقصى» في اندلاع الأزمة الحالية. الأمر الأكثر إثارة للدهشة أن المجموعة لم تضع في الحسبان العواقب الاستراتيجية المترتبة على تحركات إيران، بما في ذلك احتمال سعيها إلى فرض سيطرة انتقائية على المضيق حتى بعد وقف إطلاق النار.
كان المطلوب شيئا أشبه بمبادرة الحبوب في البحر الأسود، التي توسطت فيها تركيا والأمم المتحدة، والتي مكنت شحنات الحبوب من مغادرة الموانئ الأوكرانية على الرغم من حرب العدوان المستمرة التي تشنها روسيا.
كان ترتيبا عمليا أكثر منه سياسيا، مبنيّا على عمليات التفتيش، والتتبع المستمر للسفن، والتنسيق بين روسيا وأوكرانيا. ومن خلال تثبيت استقرار أسعار الغذاء العالمية، أظهرت المبادرة أن التعاون بين الخصوم ممكن عندما تصبح تكاليف الانقطاع باهظة للغاية.
يستلزم تكرار نموذج البحر الأسود في مضيق هرمز توفر قيادة أقل تقيدا بالعداء الغربي تجاه إيران، كما يؤكد ذلك حقيقة أن إيران لم تغلق الممر المائي بشكل كامل قَط أمام السفن القادمة من دول غير معادية. أدركت إدارة ترمب هذه الحقيقة، وهو ما قد يفسر سبب تشجيعها باكستان سرا على التوسط لوقف إطلاق النار حتى في حين كانت تهدد إيران علنا بتدمير حضارتها.
كانت باكستان في وضع جيد سمح لها بالاضطلاع بهذا الدور. على الرغم من العلاقات الوثيقة بين مهندس اتفاق وقف إطلاق النار، قائد الجيش عاصم منير، وترمب ــ ومعاهدة الدفاع بين باكستان والمملكة العربية السعودية ــ أدانت باكستان على الفور الضربات الأميركية-الإسرائيلية. كما أشركت باكستان الصين في المفاوضات، وأقنعت الولايات المتحدة بكبح الغارات الجوية الإسرائيلية على إيران، وخففت من غضب السعودية إزاء ضربة إيرانية هددت بتعطيل أسابيع من الدبلوماسية السرية قبل ساعات فقط من إنذار ترمب النهائي المشحون بجرائم الحرب.
مع ذلك، لا يزال ضباب الحرب كثيفا بشكل خطير. بدأت الشقوق تظهر على الهدنة الهشة بالفعل مع إقدام إسرائيل على تدمير لبنان. ولا تزال مئات السفن عالقة في مضيق هرمز، بينما تتأرجح أسعار النفط والأسواق المالية مع كل تصريح متناقض يصدر عن ترمب.
كانت ردة الفعل الدولية خافتة نسبيا، على الرغم من العواقب الاقتصادية الهائلة؛ فانطلاقا من حذرها من إدارة مستعدة لاستخدام الإكراه الاقتصادي لتعزيز أجندتها، كبحت حكومات عديدة (ولكن ليس كل الحكومات) انتقاداتها، لتتقاعس بذلك ليس فقط عن إدانة الحرب باعتبارها انتهاكا للقانون الدولي، بل أيضا عن الإشارة إلى حقيقة مفادها أن السبب وراء الأزمة هو الهجوم الأميركي-الإسرائيلي وليس الانتقام الإيراني.
مع ذلك، تظل حقيقة اضطرار الولايات المتحدة إلى الاعتماد على الجنوب العالمي لاحتواء تداعيات انعدام المسؤولية من جانبها قائمة. في حين كانت اتفاقات وقف إطلاق النار تُبرم في السابق في العواصم الأوروبية، استضافت إسلام أباد أعلى مستوى من المحادثات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة منذ عام 1979.
ربما تظل الدول مترددة في مواجهة قوة مهيمنة منحدرة وساعية إلى الانتقام، لكن اتفاق وقف إطلاق النار يقدم لمحة عن مستقبل مختلف، مستقبل تمتلك فيه دول الجنوب العالمي الإرادة السياسية والوسائل اللازمة للتعامل مع الأزمات وفق شروطها الخاصة.
