المسؤول الحكومي وواجبه الذي لا تنص عليه بطاقة الوصف الوظيفي
عند محاولة إرجاع كلمة مسؤول إلى أصلها في اللغة يتضح أن الكلمة ذاتها هي اسم مفعول من (سأل)، لذا فإن من الطبيعي بالنسبة للمسؤول أن يُسأل أو يُساءَل ليس لدواعي المحاسبة حصرا، وإنما أن تكون لديه الأجوبة والتفسيرات والمبررات والدوافع حول كل ما يتعلق بأعماله. ولعل أبلغ ما يمكن الاستشهاد به في هذا السياق الآية الكريمة «وقِفوهم إنهم مسؤولون» التي ذهبت تفاسيرها إلى أن ذلك يعني السؤال عن الأعمال. وقد يكون ذلك أحد أبسط المفاهيم التي تبين الواجب الذي يتحتم على المسؤول تأديته وهو في مركزه القيادي في أن يكون قادرا على التهيئة للقرارات والسياسات التي يخرج بها وشرحها وتبريرها لكافة الأطراف ذات العلاقة. ويرتبط ذلك بأهمية امتلاك المسؤول مهارات التواصل وتنميتها لديه على المستوى الشخصي، أو - فإن لم يستطع - على الأقل أن يولي الثقة والاهتمام والتمكين للفرق الإعلامية في مؤسسته التي تستطيع إسناده في المقابل من أجل تسهيل إنفاذ السياسات وإدارة التغيير وحشد التأييد من مختلف الأطراف ذات العلاقة.
يمتلك المسؤول - إلى جانب مجال اختصاصه - في الغالب مهارات ومعارف مختلفة في مساره المهني بالفطرة أو بالاكتساب التلقائي أو بتنميتها مثل المهارات المرتبطة بالقيادة أو التخطيط الاستراتيجي أو التفاوض، والمعارف المتعلقة بجوانب العمل مثل الإدارة والمالية والأنظمة والقوانين والموارد البشرية والعقود، غير أنه وفي كثير من الأحيان قد يرى المسؤول عدم حاجته إلى تنمية مهاراته في التواصل الإعلامي إما لاعتقاده بأن لديه مستوى جيدا من تلك المهارات، أو أنه لا يرى جدوى توظيفها في تأديته لمهامه، أو بسبب رغبته في الابتعاد عن الأضواء ومواجهة الرأي العام لـ «يعمل بصمت». وربما تتنوع مبررات مفهوم العمل بصمت تبعا لطبيعة عمل المسؤول وخصوصية المؤسسة التي يقودها، إلا أنه يجب أن لا يطبق هذا المفهوم على مسؤولي المؤسسات الخدمية أو تلك التي يرتبط عملها بالجمهور بشكل مباشر؛ لأن المستفيدين من خدمات المؤسسة أو المتأثرين بسياساتها من حقهم معرفة الدوافع والتفسيرات والنتائج المرجوة حول القرارات التي تلامس حياتهم. كما أن إقدام المسؤول على تفعيل التواصل الإعلامي على المستويين الشخصي والمؤسسي من شأنه تسهيل عملية إنفاذ القرارات والسياسات التي تخرج بها مؤسسته وتقليل احتمالات الفهم غير الدقيق لها والذي ينتج عنه في كثير من الأحيان مقاومتها من قبل الجمهور.
إن مما يؤثر سلبا على جودة ووضوح الرسالة التي يتلقاها الجمهور من المسؤول عند ممارسته النشاط الإعلامي هو الارتجال. وقد لا يكون ذلك في كل الأحيان أحد تجليات الاعتداد بالنفس، بل يحدث أن يجد المسؤول نفسه في مواقف وأحداث تتطلب منه إجابات فورية ومباشرة تجد طريقها إلى الجمهور. وهنا تكمن أهمية تمكين الفرق الإعلامية في المؤسسات الحكومية عبر الاستماع إليها والثقة بها وتوفير الموارد البشرية والمالية والفنية اللازمة لها من أجل تسهيل تأديتها مهامها. إن أي ظهور إعلامي أو جماهيري للمسؤول - سواء كان مخططا أو لحظيا - يتطلب التحضير المسبق والمستمر عبر تحديد الرسائل التي من المهم توجيهها، والمصطلحات التي يلزم استخدامها وتلك التي ينبغي تجنبها، والأسئلة المحتمل تلقيها، والقضايا والتطورات الآنية المرتبطة بعمل المسؤول والتي قد تثار أثناء النشاط الإعلامي، واهتمامات الرأي العام في تلك الفترة، وأساليب التعامل مع الأسئلة التي لا ترتبط بسياق المناسبة. وربما يجد بعض المسؤولين إشكالا في فهم مدى أهمية الاعتماد على الفرق الإعلامية، إلا أن أبسط الأمثلة التي يمكن إيرادها في هذا السياق هو عدم قدرة المسؤول على الاستغناء عن القانونيين في صياغته للقرارات الرسمية، أو عن المهندسين في الأمور المتعلقة بالإنشاءات، أو عن الفنيين في متطلبات عمل تقنية المعلومات، أو عن المحاسبين في مراجعة الأمور المالية، لذا فإن تطبيق ذات المنطق على المتطلبات الإعلامية لعمل المسؤول والمؤسسة حري ببيان أهمية دور الفرق الإعلامية فيها.
تتكون لدى بعض المسؤولين نظرة حول وسائل الإعلام - وهي في الأساس الوسط الذي ينقل الرسالة من المسؤول إلى الجمهور - تتوجس الخصومة أو الترصد من جهة تلك الوسائل، وقد يكون سبب تلك النظرة بعض التجارب غير المحببة بالنسبة للمسؤول أو المؤسسة سواء بنقد السياسات أو القرارات أو التساؤل حولها أو إتاحة المجال لوجهات نظر مختلفة. وربما يرجع أصل تلك التجارب إما لمستويات فاعلية خطط وأنشطة التواصل التي تقوم بها المؤسسة في شرح سياساتها وقراراتها والحديث عن مشروعاتها، أو الامتناع عن التفاعل مع الكثير مما تطرحه وسائل الإعلام حول تلك المؤسسة مما يتيح المجال لوجهات النظر الأخرى أن تسود. ويقود كل ذلك في المجمل إلى تشكل صورة ذهنية معينة عن المؤسسة قد لا تعبر في كثير من الأحيان عن الواقع أو على الأقل ما يود المسؤول أن تكون عليه مؤسسته في أذهان الجمهور. ويمكن هنا استخلاص أهمية فهم دور وسائل الإعلام الأساسي ومعرفة كيف يمكن أن تكون شريكا في إنفاذ السياسات والقرارات والتعريف بالأعمال والمشروعات. وباعتبار ذلك الفهم وتلك المعرفة فإن المسؤول يجب أن يراعي أن تكون ممارسته للتواصل الإعلامي تحقيقا لأهداف مؤسسته وللمصلحة العامة، وأن لا تكون أدوات لشحن المجتمع ضده وضد مؤسسته وكنتيجة نهائية ضد الحكومة ككل.
وفي حال رأى المسؤول الحكومي في نفسه أنه يرأس مؤسسة مقدمة للخدمات ويطمح إلى التميز في خدمة الزبائن أو أنه اعتبر نفسه سياسيا ويريد إنجاح سياساته، فإنه في كلتا الحالتين لا يمكن أن يتحقق هدف المسؤول دون تخصيص الوقت والجهد والموارد للتواصل، وهنالك من العلوم والتخصصات والنظريات الكثير مما يرتبط بالتواصل لتعزيز التميز في خدمة الزبائن ، كما هو الحال بالنسبة للسياسيين الذين تتطلب مسؤولياتهم وغاياتهم تفعيل أدوات التواصل السياسي Political Communication لتشمل مختلف الأطراف ذات العلاقة. وعموما إذا ما تم اعتبار السياسات والقرارات والمشروعات والخدمات منتجات تقدمها المؤسسة الحكومية للجمهور، فإن المنتج مهما كانت جودته والدراسات التي أدت إليه والفائدة المرجوة منه لن تكون محل وعي من جهة الجمهور المستهدف إلا إذا حصل ذلك المنتج على الحد الأدنى من الترويج الفاعل والتواصل المستمر حول مختلف جوانبه، فليس نجاحا للمسؤول مجرد خروجه بالسياسات والقرارات التي تصحح الأوضاع أو تعزز الكفاءة، بل الكيفية التي يُخرِج بها تلك السياسات والقرارات لضمان وضوحها وقبولها من المجتمع.
* مهتم بالاتصالات الاستراتيجية والهوية المؤسسية
