القافر في دراما الموسم الرمضاني 2026

23 مارس 2026
23 مارس 2026

يؤكد الكثير من المنظرين أن هناك علاقة وثيقة بين النصوص الروائية والدراما والسينما، من حيث الحكي والسرد والبناء الدرامي، والقدرة على التجسيد، ولهذا فإن هذه العلاقة تزداد توطيدا مع تطوُّر تقنيات السرد من ناحية والتقنيات الحديثة الخاصة بفنيات الدراما والسينما وقدرتهما على التصوير وفق مقتضيات الحبكة الدرامية والرؤية الإخراجية القادرة على إنتاج نص إبداعي بصري اعتمادا على الإبداع السردي.

ولهذا فإنه منذ رواية (دعاء الكروان) للكاتب طه حسين التي نُشرت عام 1934م، وتم إنتاجها فيلما للمخرج هنري بركات في العام 1959م، والثقافة العربية تشهد اشتغالات إبداعية وتعاون مستمر بين الكُتَّاب المبدعين في السرد وكُتَّاب السيناريو والمخرجين، الذين أبدعوا لنا مجموعة كبيرة من الأفلام المستوحاة من النصوص السردية؛ حيث استثمرت السينما المصرية في الكثير من النصوص الروائية لإنتاجها أفلاما ومسلسلات كما هو الحال في نصوص الكاتب المبدع نجيب محفوظ التي حظيت بالعديد من تلك الاشتغالات أمثال (حديث الصباح والمساء)، الذي تحوُّل إلى مسلسل في العام 2001 للمخرج أحمد صقر، وكذلك (أفراح القبة)؛ الذي أُنتج مسلسلا في العام 2016 من إخراج محمد ياسين، وغيرها.

كما شهدت الدراما في منطقة الخليج العربي بداية لتجارب ناجحة ومهمة في الاستثمار الثقافي لبناء علاقة وطيدة بين النص الروائي والدراما؛ فهي تجارب عملت على البناء الدرامي وقدَّمته وفق متطلبات الصورة البصرية، مستفيدة من التقنيات المتطوِّرة وكتابة السيناريو والحوارات الذي يجسِّد الحالة النصيِّة ويقدِّمها بناء على مقتضيات الدراما والصراع الذي تبنيه الحكاية، فتحوَّلت نصوص روائية مثل؛ (ساق البامبو) للكاتب سعود السنعوسي، التي تم إنتاجها مسلسلا من إخراج محمد القفاص في العام 2016، و(لا موسيقى في الأحمدي) للكاتبة منى الشمري، التي أُنتجت مسلسلا للمخرج محمد دحام الشمري في العام 2019.

كما أن عرض (غراميات شارع الأعشى) للروائية بدرية البشر في مسلسل بعنوان (شارع الأعشى) من إخراج أحمد كاتيكسيز في العام 2025، يمثِّل حالة إبداعية نجحت في تطوير هذه العلاقات وإضافة أبعاد بصرية وبناء سردي درامي استطاع إثبات القيمة المضافة للاستثمار في النص السردي ليس على المستويين الفني والاقتصادي وحسب، بل أيضا على المستوى الاجتماعي المستدام، ولعل هذا النجاح جعل التعاون بين الكاتبة بدرية البشر والفريق الفني يستمر لإنتاج الجزء الثاني الذي تم عرضه في الموسم الرمضاني 2026، وربما يعد بإنتاج جزء ثالث.

إن هذه التجارب وغيرها في الاستثمار في النص الروائي والدراما أو السينما، لا يمكن رؤيتها في عُمان سوى وفق زوايا منزوية وتجارب حاولت الصمود في وجه التحديات كما هو الحال في تحويل رواية (رياح الحب) لمحمد المسروري إلى دراما إذاعية مثلا، إضافة إلى بعض المسلسلات أو الحلقات الدرامية المستوحاة من النصوص السردية سواء أكانت الرواية أو نصوص القصة القصيرة، ولهذا فإن الاستثمار في بناء العلاقة الإبداعية الجامعة بين النص السرد والإنتاج الدرامي يتطلَّب لدينا رؤية وقدرة على الابتكار القائم على هيكل البناء الدرامي نفسه.

ولقد شهدت الدراما في عُمان هذا العام نقلة نوعية من حيث الإنتاج بناء على علاقة واضحة متطوِّرة بينها وبين النص السردي؛ حيث ظهر إنتاج يضع نصب عينيه رؤية واضحة لدراما عمانية تستثمر في الإبداع الثقافي، إذ عرض تلفزيون سلطنة عمان في موسمه الرمضاني 2026، مسلسل (القافر) للمخرج تامر إسحاق، الذي أُنتج بناء على رواية (تغريبة القافر) للكاتب زهران القاسمي، الرواية التي نُشرت في 2022، وحصلت على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) في العام 2023.

إن مسلسل (القافر) باعتباره تعاونا إبداعيا بين الرواية والدراما، يرتكز على مجموعة من المعطيات الأساسية بدءا من إعادة بناء النص، وتطوير الشخصيات وبنائها بصريا، وتحويل السرد إلى سيناريو قادر على تجسيد الأحداث، وليس انتهاء إلى اللغة والبناء البصري للأزمنة والأمكنة إلى غير ذلك من متطلبات تحويل الإبداع الكتابي إلى إبداع بصري، ولهذا فإن القافر يُعد تجربة درامية أصيلة للدراما العمانية استطاعت خلالها إثبات قدرتها على الاستثمار الإبداعي من ناحية، وتطوير منظومة الدراما نفسها من ناحية أخرى.

من شاهد (القافر) أو تابع حلقاته سواء على شاشة تلفزيون سلطنة عمان، أو عبر منصة (عين)، سيجد أنه تجربة استثنائية من حيث الإنتاج والتصوير الدرامي، والقدرة على الخروج من بوتقة النص الروائي والانفلات منه إلى عالم أكثر رحابة باستخدام تقنيات الصوت والصورة وبناء الشخصيات، ولعل ذلك يعود إلى مهنية الفريق الفني والإخراج والإشراف، إضافة إلى مشاركة الكاتب نفسه (زهران القاسمي) في كتابة السيناريو والحوار، الأمر الذي جعل فكرة النص متماسكة وجوهره ظاهر في التمثيل البصري.

إضافة إلى ذلك فإن هناك ما لا يمكن تجاوزه أثناء مشاهده هذا الإبداع الفني، وهو القدرات العالية والفنية للممثلات والممثلين العمانيين؛ الذين أظهروا إمكانات مهنية ربما لم نشاهدها لهم من قبل، والأمر هنا يلفت الانتباه إلى تلك الإمكانات الإخراجية والفنية التي استطاعت أن تُخرج أفضل ما لدى هؤلاء الممثلين من إبداعات من ناحية، إضافة إلى جودة النص والسيناريو من ناحية أخرى. إن هذه الإمكانات الفنية تجسِّد قيمة إبداعية مضافة لما يمكن أن تقدمه الدراما العمانية إذا ما توفَّر النص والإمكانات الفنية. إن مسلسل (القافر) بما يستعرضه من حكاية ذات بُعد تراثي ثقافي، وما يصوِّره من تداخلات نفسية واجتماعية، وما يوِّفره من مساحة إبداعية على مستوى المؤثرات البصرية والصوتية، إضافة إلى تلك التشابكات في تحولات الحكاية وتصاعد الحبكة، والتطورات في المشاهد الدرامية، كل ذلك يجعل من النص نموذجا للاستثمار الثقافي بين الرواية والدراما، يمكن أن يمثِّل نقطة انطلاق نحو تجارب قادمة، فهذا الاستثمار لا يُسهم في تطوير العمل الدرامي وحسب بل أيضا يمنح الرواية مجالا واسعا للانتشار.

واللافت أن (القافر) يُعد واحدا من تلك الأعمال الدرامية التي يجمع على نجاحها المتابعون من أجيال مختلفة، مما يدُّل على قدرته الإبداعية وإمكاناته عالية الجودة، فإذا ما تجاوزنا بعض الهنات البسيطة على مستوى الصورة واللغة، فإن هذا العمل استطاع تقديم رؤية واضحة في تطوير العمل السردي وإعادة إنتاجه في أشكال إبداعية أخرى، ليكون من بين تلك التجارب الناجحة التي تمثِّل الدراما العمانية وتمنح وهجا جديدا للثقافة في عُمان، وتنير الطريق لأعمال إبداعية قادمة.

لقد قدم المسلسل خلال شهر رمضان الفضيل شاهدا على قدرة عُمان على الاستثمار في الثقافة والصناعات الإبداعية إذا ما اتخذت القرار لذلك، وما التعاون بين الرواية والدراما سوى مجال واحد من بين مجالات كثيرة ومتعددة يمكن أن يكون لها مساحة واسعة للاستثمار والعمل المشترك في فريق إبداعي يجمع بين الكُتَّاب والمخرجين والفنيين وغيرهم لإنتاج أعمال في المسرح والسينما والفنون المختلفة، فشكرا لتلفزيون سلطنة عُمان ولفريق العمل الذي استطاع أن يمتعنا بهذا العمل الإبداعي خلال أيام شهر رمضان المبارك.

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة