العودة إلى تدابير الوقاية من فيروس كوفيد 19
بعد ثلاث سنوات من المعاناة، لم تظهر الجائحة أي علامات على التراجع. ولسوء الحظ، فإن المقاومة العامة والتحديات المرتبطة بالتدخلات والقيود المفروضة للحد من انتشار فيروس كوفيد 19 بلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق. وحتى الصين، التي كانت تعتبر في يوم من الأيام رائدة في مجال مكافحة الفيروسات، سرعان ما تخلت عن معظم استراتيجيات التخفيف.
لا شك أن فيروس كوفيد 19 لا يزال يشكل خطرًا واضحًا وقائمًا. تُظهر الأبحاث أن حالتي إصابة أو أكثر بعدوى فيروس كورونا تُضاعف خطر الوفاة والجلطات الدموية وتلف الرئة، من بين نتائج صحية سلبية أخرى. وقد تبين أن خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية يزداد بنسبة 4.5٪ حتى 12 شهرًا بعد الإصابة، بغض النظر عن العمر أو العرق أو الجنس أو السمنة أو التدخين أو عوامل أخرى. فضلاً عن ذلك، فإن موجات العدوى الأخيرة تغذيها متغيرات جديدة تتجنب المناعة ضد كل من التطعيم والإصابات السابقة. ومن حسن الحظ أنه لا تزال لدينا أدوات وقائية قوية تحت تصرفنا. في الواقع، هناك إستراتيجية واحدة غير مُستخدمة على نطاق واسع لا تتطلب تغييرًا أو قيودًا سلوكية، والتي يمكن استخدامها في أي مكان تقريبًا، والتي من شأنها أن تساعد أيضًا في حمايتنا من الفيروسات الأخرى المحمولة جوًاً، مثل الفيروس المخلوي التنفسي والأنفلونزا.
يتطلب الأمر استثمار المزيد في التدابير الأساسية مثل التهوية، وترشيح الهواء، والأشعة فوق البنفسجية المبيدة للجراثيم، وتسريع استكشاف الاكتشافات الحديثة، مثل الاستخدام المحتمل لمستويات حموضة الرذاذ لتعطيل والحد من انتشار بعض الفيروسات المحمولة جوًاً. تُعتبر اللقاحات فعالة للغاية في الحد من مخاطر الوفاة والأمراض الخطيرة، ولكنها ليست فعالة عمومًا في منع انتقال العدوى. فقد أصبح ارتداء الكمامة مُسيسًا للغاية وموصومًا في العديد من الدول الغربية لدرجة أن بعض العاملين في مجال الرعاية الصحية يتجاهلون ارتدائها. ومع ذلك، يمكن للرذاذ الجوي الحامل للفيروسات أن يبقى لساعات في الهواء بعد تنفسه، مما يجعل من الصعب الحكم على ما يعتبر وضعًا شديد الخطورة.
بالنظر إلى كل هذه العوامل، فإن أفضل طريقة للحد من مخاطر انتقال العدوى هي تقليل تركيز الفيروسات المحمولة جوًا والمتاحة للاستنشاق في المقام الأول. نحن بحاجة إلى تحدي الموقف السائد الذي يتعامل مع انتشار مُسببات الأمراض المحمولة جواً في الأماكن المغلقة باعتبارها جزءًا لا مفر منه من الحياة اليومية. وعلى عكس أسلافنا، نقضي ما يقرب من 90٪ من وقتنا في المنزل. ولعقود من الزمان، استثمرت الحكومات في جميع أنحاء العالم بكثافة في سلامة الأغذية والصرف الصحي ومياه الشرب النظيفة - كل ذلك باسم حماية الصحة العامة. وفي البلدان المتقدمة، تم القضاء إلى حد كبير على الأمراض المنقولة عبر الغذاء والمياه من خلال مجموعة من البحوث والتشريعات وتطوير وكالات الصحة العامة الموثوقة وتمويل الهياكل الأساسية.
لماذا لا نمنح الأولوية نفسها لتحقيق هدف الحصول على هواء نظيف خالٍ من مسببات الأمراض في الأماكن العامة والخاصة؟ إن التعامل مع مسببات الأمراض قبل أن تصيبنا بالعدوى يتطلب استراتيجية متعددة الجوانب. تحتاج الهيئات الهندسية المهنية إلى وضع معايير تهوية شاملة، وستكون هناك حاجة إلى اتخاذ تدابير جديدة لضمان استيفاء هذه المعايير. وهذا يعني إنشاء هيئات تنظيمية للإشراف على المتابعة والإنفاذ، ليس فقط بالنسبة للبناء الجديد ولكن أيضًا فيما يتعلق بتحديث المباني القائمة. وتحقيقا لهذه الغاية، ينبغي للحكومات أن تساعد في توفير تدريب متخصص لمشغلي ومالكي المباني. يجب أن يتمثل الهدف بالنسبة لجميع المباني في إعادة تدوير الإمدادات الهوائية في الأماكن المشغولة بمعدل ستة تغييرات هوائية على الأقل في الساعة.
قد تبدو هذه مهمة صعبة. ولكن يمكن إدخال التحسينات تدريجيًا واستراتيجيًا عبر مختلف القطاعات. تكمن الأولوية العاجلة في ضمان توفير الهواء الخالي من مسببات الأمراض في المستشفيات وأماكن الرعاية الصحية، لحماية المرضى المعرضين للخطر، وفي الطائرات، لوقف الانتشار السريع للمتغيرات الجديدة في مختلف أنحاء العالم.
وبعد ذلك، يجب أن يتحول تركيزنا إلى النقل العام، بما في ذلك القطارات والحافلات، ثم إلى المكاتب والمدارس ومراكز الرعاية النهارية. وبالإضافة إلى منع انتقال الفيروس، فقد ثبت أن المناطق ذات التهوية الأفضل على تحسين الأداء المعرفي للأطفال وتقليل التغيب المرتبط بالمرض. وأخيرًا، يتعين علينا معالجة مسألة التهوية في المنازل الفردية والمباني السكنية. سوف يستشهد منتقدي مثل هذه الاقتراحات بالتكلفة الأولية باعتبارها عائقًا. ومع ذلك، فمن المعروف أنه حتى موسم الأنفلونزا المتوسط يكلف الولايات المتحدة 11.2 مليار دولار، بسبب زيادة معدل التغيب عن العمل وانخفاض الإنتاجية الناتج.
ووفقًا لتقرير صادر عن معهد بروكينجز في أغسطس عام 2022، قد يؤدي انتشار فيروس كورونا لفترة طويلة "إلى إبعاد ما يصل إلى أربعة ملايين شخص عن العمل" في الولايات المتحدة، بتكلفة سنوية تتراوح بين 170 و 230 مليار دولار سنويًا في الأجور المفقودة. إن وجود قوة عاملة تمرض بشكل متكرر يعني أننا نقبل الاضطرابات المستمرة في جميع الصناعات. لكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر. فقد أصيب الآباء بالفعل بالإرهاق والإجهاد بسبب "الوباء الثلاثي" (الأنفلونزا، الفيروس المخلوي التنفسي، وفيروس كوفيد 19) الذي بدأ ينتشر في المدارس ودور الرعاية النهارية. وبعيدًا عن التكاليف المالية المباشرة، فإن الصدمات والاضطرابات التي أحدثتها الجائحة توضح أن الاستثمار في الهواء الداخلي الخالي من مسببات الأمراض ليس الخيار الأكثر سلامة من الناحية الاقتصادية فحسب، بل أيضًا الخيار الأكثر أخلاقية. وعلى غرار الاستثمارات الفعالة الأخرى في مجال الصحة العامة، فإن هذا الاستثمار سيغطي تكاليفه قريبًا.
• ويليام أ. هاسيلتين عالم ورائد أعمال في مجال التكنولوجيا الحيوية وخبير في الأمراض المعدية، هو رئيس ورئيس مركز أبحاث الصحة العالمية.
• ** خدمة بروجيكت سنديكيت
