العلاقات العمانية الهندية شراكة اقتصادية راسخة

16 ديسمبر 2025
16 ديسمبر 2025

عند الحديث عن العلاقات العمانية الهندية يطول الحديث ويتشعب، حيث تتمتع بلادنا سلطنة عمان وجمهورية الهند بعلاقات تاريخية راسخة، حيث الجوار البحري والعلاقات التجارية والتواصل الحضاري منذ قرون.

ولعل تلك العلاقات التاريخية المميزة رسخت المصداقية والثقة بين قيادات البلدين على مدى تاريخ طويل من التعاون والحوار وتبادل المنافع والمصالح في كل المجالات الحيوية.

ولعل الزيارة الرسمية لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى سلطنة عمان اليوم، ولقاءه المثمر مع جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ سوف تشكل منعطفًا مهمًا في ظل تنامي العلاقات والشراكات الاقتصادية والاستثمارية، وفي عدد من المجالات.

ولعل اتفاقية التجارة الحرة الشاملة بين سلطنة عمان وجمهورية الهند سوف تكون من أبرز الموضوعات الأساسية خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي، وهي الاتفاقية التي ناقشها مؤخرًا مجلس الشورى، والتي في حالة إقرارها سوف تدفع بالشراكة التجارية والاقتصادية بين البلدين الصديقين إلى آفاق أرحب في ظل قيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في عقد شراكات اقتصادية متواصلة مع الدول الشقيقة والصديقة.

وتمثل جمهورية الهند ركنًا أساسيًا، فهي دولة كبرى في الاقتصاد والتكنولوجيا والتطور الصناعي، ولديها سوق كبير من خلال سكان هذه الدولة الآسيوية العملاقة، حيث يتجاوز سكان جمهورية الهند مليارًا ونصف من البشر.

وقد سجل الاقتصاد الهندي خلال العقدين الأخيرين تطورا كبيرا ولافتا، وأصبح للهند شراكات اقتصادية كبيرة مع روسيا الاتحادية والصين ودول جنوب شرق آسيا ودول الاتحاد الاوروبي، وأيضا دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

كما تعد جمهورية الهند إحدى الدول المؤسسة لمجموعة بريكس مع روسيا الاتحادية والصين وجنوب أفريقيا والبرازيل، وهي المجموعة التي بكل ثقلها الاقتصادي والبشري والعسكري سوف تشكل نواة محتملة لعالم متعدد الأقطاب في ظل تراجع الهيمنة الأمريكية.

وتشكل الهند سوقا مهمة لتبادل السلع والصادرات المختلفة مع سلطنة عمان ودول مجلس التعاون الخليجي؛ وعلى ضوء ذلك تشكل زيارة رئيس الوزراء الهندي خطوة مهمة وحيوية في ظل تنامي التبادل التجاري الذي شكل تصاعدا كبيرا خلال السنوات الخمس الماضية، وهناك خطط استراتيجية للوصول بالتبادل التجاري والاستثمار إلى ٢٠ مليار دولار من خلال تنشيط العلاقات التجارية والاستثمار والسياحة والطاقة المتجددة، علاوة على تشجيع دور القطاع الخاص في البلدين الصديقين.

إن اتفاقية التجارة الحرة الشاملة بين البلدين الصديقين سوف تشكل في حال إقرارها مرحلة متقدمة على صعيد تقدم مجالات التعاون بين مسقط ونيودلهي، وتتماشى مع سجل تاريخي حافل من الروابط الحضارية والتجارية والاجتماعية بين بلدين عريقين حضاريا وإنسانيا وبينهما جوار بحري شهد فصولًا كبيرة من التعاون والسلام.

والعلاقات الهندية العربية عموما هي علاقات إيجابية؛ وما زلنا نتذكر القيادات التاريخية للهند وفي مقدمتهم نهرو الذي استطاع بحكمته والمقاومة السلمية انتزاع استقلال الهند من الاستعمار البريطاني عام ١٩٤٧. كما أن رئيس الوزراء الهندي الزعيم جواهر لال نهرو هو من أبرز مؤسسي حركة عدم الانحياز في نهاية عقد الخمسينات في باندونج في جمهورية أندونسيا مع الزعيم المصري الأسبق جمال عبد الناصر والزعيم اليوغسلافي تيتو قبل تقسيم يوغسلافيا الاتحادية بعد حرب البلقان القاسية في عقد التسعينيات.

ولا زلت أتذكر خلال تغطيتي للقمة العاشرة لحركة عدم الانحياز في جاكرتا عام ١٩٩٢ أن قامت الوفود الرسمية والصحفيون بزيارة لمدينة باندونج التاريخية حيث وقع الآباء المؤسسون قيام حركة عدم الانحياز، ولا تزال غرفة الزعماء الذين اجتمعوا ووقعوا على وثيقة قيام الحركة موجودة، ونجحت حركة عدم الانحياز في تصفية الاستعمار من الكثير من الدول في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

وتؤدي بلادنا سلطنة عمان وجمهورية الهند دورا محوريا على صعيد السياسة الاقليمية والدولية من خلال أدوات الحوار والتعاون؛ ومن هنا فإن هناك عوامل موضوعية ومشتركة تنطلق منها مسقط ونيودلهي من خلال شبكة علاقاتهما الدولية، وهناك تنسيق سياسي كبير في ظل عضويتهما في الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز والتي لا تزال تواصل دورها السياسي والاقتصادي.

كما أن البلدين الصديقين لهما دور في حفظ الملاحة البحرية، خاصة وأن المحيط الهندي يعد من الممرات البحرية الحيوية على صعيد التجارة إلى القارات المختلفة، خاصة صادرات الطاقة.

وهناك جالية هندية كبيرة في سلطنة عمان أسهمت في مجال التنمية الشاملة خلال ٥٥ عامًا من العمل والخبرات في شتى المجالات، خاصة في السنوات الاولى من نهضة سلطنة عمان الحديثة. ولا تزال الخبرة الهندية موجودة خاصة في القطاع الخاص وفي مجال الاستثمار والسياحة والقطاع الصحي. كما أن هناك علاقات في مجال التعليم حيث تضم الجامعات الهندية عددا متزايدا من طلاب سلطنة عمان خاصة في مجال الطب والتقنية وغيرها من المجالات الحيوية.

إن لقاء القيادتين العمانية والهندية اليوم في مسقط يشكل انطلاقة مهمة على صعيد تعزيز علاقات التعاون والشراكة الاقتصاديه والتجارية في عالم يتسم بالمنافسة في المجال الاقتصادي والاستثماري.

ويشكل البلدان الصديقان نموذجًا للاستقرار والسلام. وتعد لغة الحوار في مقدمة الآليات التي تشكل سمة أساسية في علاقات التعاون التاريخية بين سلطنة عمان وجمهورية الهند. وسوف يشكل لقاء مسقط بين جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ورئيس الوزراء الهندي مودي مرحلة مهمة من الشراكة الاقتصادية النشطة بما يحقق المصالح المشتركه للبلدين والشعبين الصديقين.