الصين: القوة الناعمة تنتصر

03 فبراير 2026
03 فبراير 2026

بعيدًا عن الصراعات والحروب التي اندلعت بعد الحرب العالمية الثانية التي شنتها القوى الاستعمارية التقليدية بريطانيا وفرنسا وأيضا الولايات المتحدة الأمريكية كان هناك على الطرف الآخر من آسيا دولة تحاول وتجاهد للخروج من المأزق الأيديولوجي خاصة بعد الثورة الثقافية التي قادها زعيم الصين ماو عام ١٩٤٩، وهي الثورة التي رسخت التقاليد الشيوعية ضد التقاليد الليبرالية في الغرب.

كانت الصين حتى عام ١٩٧٥ تعد من البلدان النامية، وتعيش أوضاعًا اقتصادية صعبة كما أن عدد السكان كان ينمو بشكل متسارع، وكان الاهتمام بالصين غير كبير رغم كونها دولة نووية وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي.

تواصلت الحروب الأمريكية والبريطانية والفرنسية، وكان هناك نزيف مالي كبير لم تتحمله الخزينة البريطانية والفرنسية، خاصة بعد حرب السويس عام ١٩٥٦ ضد مصر حيث العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي والكيان الصهيوني.

وبعد اندحار العدوان بسبب الإنذار السوفيتي الأمريكي المشترك اتجهت الحروب الاستعمارية تجاه جنوب شرق آسيا، وهي من أكثر الحروب قسوة منذ عقد الخمسينيات وحتى منتصف عقد السبعينيات. وكانت ساحة تلك الحروب المروعة فيتنام وكوريا قبل التقسيم ولاوس وكمبوديا والفلبين. وكان عدد الضحايا المدنيين بالملايين، خاصة في حرب فيتنام وحرب كوريا.

ورغم تلقي الولايات المتحدة الأمريكية هزيمة استراتيجية مذلة بعد عشر سنوات من حرب استنزاف في غابات فيتنام أعلن في بداية عقد السبعينات عن انتهاء الحلم الامبراطوري البريطاني والفرنسي. ويعود السبب الأساسي للإفراط في شن الحروب، وعدم القدرة المالية على الإنفاق لعشرات المستعمرات في العالم؛ ومن هنا انسحبت بريطانيا من السويس، وقبل ذلك من الهند التي تعد درة التاج البريطاني، وبعد ذلك من منطقة الخليج العربي بداية عقد السبعينيات، ومن هونج بعد ذلك، كما أن الإمبراطورية الفرنسية انسحبت من المستعمرات في أفريقيا.

الصين في تاريخها الحديث تبنت القوة الناعمة في سياستها الخارجية، خاصة بعد الإصلاحات الشاملة في المجال الأيديولوجي، ونظرتها إلى العالم اقتصادياـ خاصة بعد مرحلة ماو ووصول قيادات جديدة لها فكر مختلف يجمع بين أيديولوجية الحزب الشيوعي والانفتاح الاقتصادي.

وانطلق العملاق الصيني بهدوء في ظل صراعات وحروب شنتها الإمبراطورية الأمريكية التي برزت كقوة كبيرة بعد الحرب العالمية الثانية، وانحسار الإمبراطوريات التقليدية.

كما أن الاتحاد السوفييتي السابق برز هو الآخر كقوة كبيرة ما أشعل الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو.

تواصلت الرؤية الصينية لتتماشى مع حكمة وفلسفة كونفوشيوس -أحد أهم فلاسفة الصين- وهي نبذ القوة، والتحرك بشكل يجعل الصين بحضارتها أقرب للشعوب من خلال نظرية التعاون والعودة للجذور في التعاطي مع الآخر؛ استلهاما لطريق الحرير الذي أطلقته الصين قبل عدة سنوات.

وفي غفلة من العالم، وفي ظل أجواء الصراعات والحروب انطلقت الصين بفلسفتها الجديدة التي تقوم على القوة الناعمة؛ لتحقق ما يشبه المعجزة الاقتصادية خلال نصف قرن، وتنطلق بقوة كبيرة نحو إزاحة الدول الكبرى الاقتصادية في أوروبا الغربية واليابان، وتقفز إلى صدارة الاقتصاد العالمي، وتحقق طفرة تنموية يصعب ـ في تصوري ـ تحقيقها لنموذج آخر في العصر الحديث من خلال مؤشرات مذهلة على صعيد الصناعة، والتكنولوجيا، والتجارة، والناتج المحلي الإجمالي علاوة على سياسة خارجية متزنة تساعد على التعاون وحل القضايا من خلال الحوار.

وفي تصوري؛ إن عامل ابتعاد الصين عن استخدام القوة الصلبة في التعامل مع الأزمات ليس هو العامل الوحيد وإن كان من العوامل الأساسية؛ حيث إن وجود مليار ونصف من السكان ـ الكثير منهم يعملون وفق نظرية الإنتاج الوفيرـ ساعد الصين على التمدد الكبير في ثورة الإنتاج الصناعي. كما أن الصين قدمت نفسها كصديق ومساعد لشعوب العالم الثالث، خاصة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية حيث الاستثمار بشكل كبير وتقديم التمويل وفق آليات محددة.

الصين من خلال القوة الناعمة يمكنها أن تصنع القوة والنفوذ، وتخلق شراكات ومصالح بعيدًا عن الغطرسة الأمريكية التي أصبحت من أكثر دول العالم استخداما للقوة الصلبة. وأتصور أن الإمبراطورية الأمريكية سوف يكون مصيرها في نهاية المطاف مصير الإمبراطوريات التقليدية التي أشرت لها؛ حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بشن أكثر من ٨٠ حربًا عدوانية على دول في القارات الخمس، وتسببت في مقتل الملايين من البشر الأبرياء، وهي تهدد الآن بشن حرب شاملة على الجمهورية الإسلامية دون مبررات؛ فقط خدمة للكيان الصهيوني.

كما أن الإدارة الأمريكية الحالية التي يقودها الرئيس ترامب ضربت بالقانون الدولي والمعايير الأخلاقية في مقتل بعد عملية اختطاف رئيس منتخب من بلده، وهو الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته، وهما الآن رهن الاعتقال في أحد سجون نيويورك. استخدام الصين للقوة الناعمة أكسبها قبولا كبيرا. ونحن نرى القيادات الغربية تتوافد على العاصمة الصينية بكين لعقد الاتفاقيات التجارية، كما هو الحال مع بريطانيا وفرنسا وكندا؛ أي أن حلفاء واشنطن ضاقوا بها ذرعًا وهي تهدد دول الاتحاد الأوروبي بمزيد من الرسوم التجارية، وزيادة في الجمارك على الصادرات، وأصبح سلاح الرسوم التجارية سيفًا مسلطًا من قبل ترامب على كل الدول الحليفة وغير الحليفة التي لا توافق على سياساته في قضايا العالم المختلفة.

إن الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ قيام الكيان الصهيوني عام ١٩٤٨كانت تدعم الكيان عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا، وفي مجال تبادل المعلومات، لكنها لم تصل إلى حد التبعية الذي نراه في مسار إدارة ترامب الحالية، وهذا يفسر السيطرة الكبيرة للوبي الصهيوني على مقدرات صناعة القرار من خلال منظمة الآيباك، ومن خلال المتنفذين في الإدارة الأمريكية الذين يدفع بعضهم نحو شن الحرب على إيران. عودة إلى جمهورية الصين الشعبية التي حققت مكانة اقتصادية كبرى خلال نصف قرن؛ حيث أصبح عملاق آسيا هو الذي يحقق الطفرات التقنية رغم الحرب التجارية التي فرضها ترامب وباءت بالفشل، كما أن فرض قيود تقنية فشلت هي الأخرى.

ويبدو أن العالم أصبح مقتنعًا بأن النموذج الصيني هو الأكثر قبولًا واحتراما على صعيد المجتمع الدولي؛ ومن هنا سعت الصين مع مجموعة بريكس إلى إيجاد مخرج للعالم بعيدًا عن سياسة القوة الصلبة التي تواصل استخدامها الولايات المتحدة الأمريكية.

ولعل الكلمة الأخيرة للأمين العام للأمم المتحدة البرتغالي جوتيريش تعطي صورة واضحة عن انحسار القانون الدولي، وغطرسة القوة، وأن السيطرة الأحادية وعدم احترام القانون الدولي مؤشرات على نشر الفوضى. ومن هنا فإن وجود عالم متعدد الأقطاب هو السبيل الوحيد لإنقاذ البشرية من توحش القوة الصلبة ومساراتها المدمرة لمقدرات وحياة الشعوب.

جمهورية الصين الشعبية لديها بعض الإشكالات كأي قوة كبيرة صاعدة، وهي تدير أكبر كتلة سكانية في العالم، ومع ذلك فهي نموذج اقتصادي ملهم حقق إنجازات غير مسبوقة، وكذلك على الصعيد التاريخي والأخلاقي ـ وحتى الاستراتيجي ـ أثبتت الصين ومعها نماذج أخرى من الدول أن القوة الناعمة تنتصر على فكرة القوة الصلبة التي هوت بعدد من الإمبراطوريات التقليدية.

وإذا تواصلت القوة الصلبة في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، سواء من خلال إدارة الرئيس الحالي ترامب، أو الإدارات التي تليه فإن مصير الإمبراطورية الأمريكية سوف يكون ـ كحال إمبراطوريات الأمس ـ الانحسار والاضمحلال.