العقل الجمعي العربي وفرص إعادة التكوين

10 يناير 2026
10 يناير 2026

تلقيت رسالة من أحد الأصدقاء شاركني فيها تغريدته على منصة «إكس»، عبّر فيها عن انزعاجه العميق من الواقع العربي الراهن، المثقل بالتمزق والهيمنة الصهيونية التي مزّقت معظم الدول العربية، واجتاحت بعض أراضيها، وأوقعت فيها الجراح والألم؛ فبات هذا المشهد مزعجًا إلى حدّ لا يُطاق، ومشحونا بقدر من الظلم والضيم.

يتساءل صديقي عن هذا الواقع العربي الهشّ والضعيف، الذي لا يكاد يملك في مواجهة هذه العنجهية الصهيونية سوى بيانات الاستنكار، أو مشاعر القلق، أو ما شابه ذلك من ردود الفعل العاجزة.

لم أعقّب على رسالته بنصوص الاستنكار ومشاعر الحزن والغضب، وتركت له تضامنًا صامتًا رمزيًا؛ ليتبادر إلى ذهني معنى هذا الواقع ومساراتنا الكثيرة في التفاعل معه وإيجاد حلول لأجله، ووجدت أن أحد المتعلقات بهذا الواقع العربي مرتكز في أزمة العقيدة الجمعية العربية وسلوكها وعقلها، وتعددت التحليلات التي نحاول بواسطتها أن نفهم السلوك الجمعي للمجتمعات بعمومها، منها فهمنا للواقع الرقمي وآلية عمله في المنظومة المجتمعية، كما سبق الحديث عنه.

ولكن لا بأس أن نتشعّب في مزاوجة التأويل العلمي مع المشهد المجتمعي بأن نُعمِلَ الفيزياء وقوانينها المدهشة في محاولة التقريب إلى فهم آلية عمل العقل الجمعي للمجتمعات؛ لنفهم كيف يتفاعل المجتمع مع الأحداث ويصنعها في الوقت نفسه؛ حيث عندما ننظر إلى الظواهر الفيزيائية التي تحاول أن تفسِّر أو تدرس الظواهر الطبيعية، نجد أننا نعتمد قوانين متعددة عبر تفسيرات رياضية مختلفة؛ فمنها ما يتصل بالظواهر الخطيّة القابلة للتحليل؛ فيمكننا استنتاج المخرجات عن طريق فهم المدخلات فهما دقيقا.

لكن في المقابل هناك أنظمة لا خطيّة، وهي الأقرب إلى ما يُعرَف بفيزياء التعقيد، والتي يمكن أن يتفرّع منها ما يُعرف بنظرية الفوضى، التي نأخذ مثالا على آلية عملها بما يُعرَف بتأثير الفراشة التي تعني ببساطة أن الأحداث الصغيرة -غير الملحوظة أصلا- يمكن أن تقود إلى نتائج كبيرة ولو بعد فترات زمنية طويلة.

تساعدنا المقاربة السابقة في تأويل المجتمع وأفراده وأنماطه بما فيها الجمعية؛ فيمكن أن نرى المجتمع كأنه نسيج دماغي واحد؛ ويمكن أن نشبّهه بخلايا عصبية كثيرة متعددة موجودة في دماغ واحد، وبهذا يمكن أن نطلق عليه «الدماغ الجمعي» أو «العقل الجمعي»، ونرى أن هذا المجتمع قد لا يتحرك بطريقة خطية، وأن آلية عمله أو سلوكه ليست بالضرورة خطية قابلة للتحليل البسيط أو الفهم المباشر.

هناك عدد من العوامل يمكن أن نُرجِع إليها فهم السلوك الخاص بكل مجتمع، منها العوامل السياسية والاقتصادية والتاريخية والدينية والثقافية؛ فعندما ننظر إلى المجتمعات العربية، نرى أن هناك عقلا جمعيًا عربيًا واحدًا يشترك في عدد من العوامل؛ وللأسف الشديد، فإن بعض هذه العوامل سلبي، نتيجة الانتكاسات السابقة التي مرت بها المجتمعات العربية عبر التاريخ، والتي أصبحت تتناقل قيما معينة جيلا بعد جيل مثل: قيم النكبة، الهزيمة، الانتكاسة، التخلّف، عدم التطوّر. دون أن ننكر حدوث بعض التحسينات في السنوات الأخيرة بعد أن ظهرت المبادرات الفردية والجماعية لبعض العقول العربية ومؤسساتها بالإسهام في عملية العلاج، ولكنها لم تستطع حتى الآن أن تحلّ أزمة العقل الجمعي في المجتمعات العربية بشكل كامل، وما زالت المشكلة قائمة وملحوظة التي تُرجِم بعضها إلى مظاهر الضعف والتناحر وهيمنة العدو عليها.

يحاول بعضُنا أحيانا بشكل كلي، وباستماتة، أن يُرجِع مشكلاتنا المجتمعية -أو بشكل أدق مشكلات العقل الجمعي التي تعكس التوقّع السلوكي في المجتمعات- إلى نظرية المؤامرة، ولا شك أننا لا ننكر وجود عنصر المؤامرة، تلك التي كانت أساسا جليّا في صورتها الاستعمارية على بعض الدول العربية، والتي نتج عن بعضها حالات الهزيمة، والتأخر العلمي والمعرفي، والتخلّف، وحتى الاختراق في المنظومات الثقافية والدينية التي ما زال كثير منها لم يُصَن، وشُوِّهت أركانها الداخلية، فأحدثت عوارا مؤلما في المنظومة الجمعية ما زال مستمرًا حتى يومنا بصوره الكثيرة. رغم هذا الوعي، إلا أننا لا يمكن أن نعالج الأمر بأن نُرجِع كل شيء إلى «المؤامرة» التي لا تعطي مفعولها القوي لولا وجود القيم المتجذّرة السابقة.

حال أننا ندرك جذور التأثير التي تقود العقل الجمعي وتحدد ملامحه المتمثّلة في القيم التي يمكن أن نشبهها بالمنظومة الجينية المتوارثة ذات التعقيد العجيب؛ فيمكن أن نستعين بأسلوب فيزيائي-رياضي آخر في محاولة تقريب الأذهان إلى آلية التفاعل مع العقل الجمعي وسحبه إلى دائرة الأمان، ومثالنا هو نماذج الذكاء الاصطناعي، وتحديدا النماذج التي تعتمد على خوارزميات التعلّم العميق، المرتبطة بالشبكات العصبية الاصطناعية؛ ففي هذا السياق يمكن أن نشبّه المجتمع بالخوارزمية؛ فيمكن أن نقول: إن المجتمع أيضا يتشكّل بطريقة قريبة من بنية هذه الشبكة الخوارزمية الاصطناعية؛ إذ يعتمد نموذج الذكاء الاصطناعي على خوارزميات التعلّم، وعلى البيانات الخارجية التي تمدّه بها البيئة المحيطة، كما يعتمد على كثافة الاتصالات بين العقد أو «الخلايا العصبية» الاصطناعية، وكلما زادت هذه التشابكات وكثرت البيانات، ازدادت قدرة النموذج على التحليل والفهم والتدرّب والتعلّم، ليخرج في النهاية بنتائج مرغوبة.

كذلك هذا ما يحدث في «العقل الجمعي» البشري في المجتمعات الذي يرتبط بدوره ببيئته الخارجية الذي يعبّر عن داخل المجتمع نفسه، وثقافته، ودينه، وسياسته، ومن العالم الأوسع كذلك.

لستُ بصدد الإسهاب في التفسير والتأويل، ولا في التوسّع في مقاربة فهمنا للعقل الجمعي البشري بالأنظمة الفيزيائية والتأويلات الفيزيائية أو محاكاته بالأنظمة الرقمية مثل الذكاء الاصطناعي والخوارزميات الرياضية المعقّدة، رغم الاستفادة التي يمكن أن نجنيها من منهجية التشبيه والمحاكاة كما نفعله في حقل البلاغة العربية وحقل التجارب الفيزيائية، ولكن، أتصوّر أننا بحاجة أكثر إلى أن نفهم كيف يمكن إعادة صياغة العقل الجمعي للمجتمعات، وبطريقة إيجابية، دون الحاجة إلى سلب حرية العقل الفردي، ودون ضمّه قسرًا إلى كينونة العقل الجمعي ذات القطبية الواحدة، وما أريده أن نكون أمام عقل فردي قادر على الاستقلال الفكري، والتفكير بهدوء، والانسجام مع ذاته، وفي الوقت نفسه يستطيع -في لحظات معيّنة أو من زوايا محددة- أن يشترك بعقله في العقل الجمعي المتصل بالمجتمع؛ فيكون عقلا جمعيا مفيدا لوطنه ولأمته.

هذا ما أراه مشروطًا باجتماع عدد من القوى والخطابات وحضورها في المنظومة المجتمعية وبنائها العقلي؛ فنجد أن الخطاب بأنواعه محرك مهم في تحسين بناء العقل الجمعي في المجتمعات بما فيه: الخطاب السياسي، والخطاب الديني، والخطاب الثقافي، وكذلك نحن بحاجة إلى أن نزرع جملةً من المهارات الشخصية والذاتية في كل عقل فردي، وينبغي أن نستدعي جهودنا في إزالة الترسبات القيمية الضارة التي أضرّت بهذا العقل الجمعي. آيل هذا -في تقديري- إلى التحقق عبر آليات بسيطة ويسيرة نلتزم فيها بالتخطيط السليم والعمل الجاد، والتطوير المستمر، ودون أن نبقى أسرى الالتفات المفرِط إلى ما حصل في الماضي. من زاوية علم النفس، يمكن أن نقارب ذلك بما يشبه «قانون التجاهل»، بأن نتجاهل ما حصل دون حاجةٍ إلى مسحه من الذاكرة تماما، ونبدأ بضخ قيم جديدة يتولى مهام ترسيخها أصحاب القرار، سواء السياسي، أو الثقافي، أو الديني، أو الاقتصادي وغيرهم.

من هنا يأتي دور كل فرد ومسؤوليته، في إعادة بناء النموذج الأمثل للعقل الجمعي عبر وسائل متعددة، ولعلّ فهمنا لآلية عمل الخوارزميات في نماذج الذكاء الاصطناعي وتفاعلها مع البيانات الخارجية بما تحمله من محاسن ومساوئ وقدرتها على معالجة المشكلات الأشبه -فيزيائيا- بالتعقيد اللا خطّي، يمكن أن يسهم في تطوير وعينا بالعقل الجمعي ومنهجية رفده.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني