العتبة المنشودة وإطارها الزمني
في أحاديثنا السابقة عن الابتكار تعرفنا على «وادي الموت» كأعقد العقبات التي تعترض الأفكار ونتائج البحوث وهي في طريقها للسوق. رأينا كيف استطاعت بعض الدول عبور الوادي للسوق، تعرفنا على ما وجدوه في الضفة الأخرى، وهل يستحق تكبد عناء مد الجسور؟
واستندنا في قراءة هذه الرحلة إلى ما ينقله سنويا المؤشر العالمي للابتكار من أرقام وتصنيفات ومقارنات.
وحين تأملت في تلك التفاصيل وتعمقت أكثر في تحليلها وجدت نفسي أمام سؤال مختلف؛ ليس ماذا يخبرنا المؤشر؟ بل ما الذي لا يخبرنا عنه؟
المؤشر العالمي للابتكار أداة عالية الموثوقية؛ فقد أسهم في توفير معايير مشتركة لمقارنة أداء الدول. كما أنه مكن الباحثين وصناع القرار من تتبع عناصر مهمة في مدخلات بيئة الابتكار ومخرجاتها.
وعلى الرغم من أننا من خلاله نستطيع الوقوف على مواطن قوة منظومة الابتكار وتحدياتها، إلا أننا لا نستطيع من خلال المؤشر قياس كفاءة الإنفاق على الابتكار ومردوده المالي.
ورحت أتساءل متى يمكن القول بأن دولة ما لم تعد تملك مقومات التحول لاقتصاد معرفي فحسب، بل أصبحت بالفعل اقتصادا معرفيا؟ وهل المؤشر الذي استندنا إليه يملك إجابة كاملة على هذا التساؤل؟
للوهلة الأولى قد تبدو الإجابة بسيطة؛ عندما ترتفع أعداد الباحثين ونتاجهم المعرفي، أو تتقدم الجامعات في التصنيفات، أو يزداد الإنفاق على البحث والتطوير، أو يتحسن التصنيف في المؤشرات الدولية المختلفة.
إلا أن كل ذلك رغم أهميته يعكس في معظمه امتلاك المقومات، ولا يكفي للجزم بأن التحول قد حدث بالفعل. فالاقتصاد المعرفي ليس حالة تعلن بمجرد توافر الممكنات، بل هو من وجهة نظري المتواضعة مسار تنموي نستطيع أن نقول بلغناه لو وضعنا عتبة لدخوله، وإطارا زمنيا متوسطا إلى طويل المدى للبقاء بعدها -أي العتبة-.
ولكي نصل سويا لتلك العتبة نعود لبيت القصيد؛ يقوم المؤشر العالمي للابتكار على خمسة محاور للمدخلات: المؤسسات، ورأس المال البشري والبحث، والبنية التحتية، وتطور الأسواق، وتطور الأعمال. ويضيف إلى تلك المدخلات محورين للمخرجات وهما: المعرفة والتكنولوجيا، والمخرجات الإبداعية.
بيد أن تلك الصورة بطبيعتها تبقى وصفية تخبرنا بما تملكه الدول من مقومات وما حققته من نتائج. ولا تخبرنا كيف تتحول تلك العناصر لقيمة اقتصادية، ولا ما إذا كانت المدخلات تسهم بالقدر نفسه أو تحقق نتائج خلال الأفق الزمني ذاته.
فالواقع يشير إلى أن مسارات الابتكار ليست سواء؛ فالإنفاق على أحد المدخلات قد يفوق الآخر، والعائد من أحدها قد يقصر أو يطول في مداه الزمني مختلفا باقي المدخلات.
فعلى سبيل المثال؛ هناك تشابه بين مسار الاستثمار في رأس المال البشري والبحث العلمي، وغرس الأشجار، كلاهما يحتاج سنوات حتى يؤتي ثماره.
أما مسار تطوير الأسواق وتحسين بيئة الأعمال؛ فأثره أسرع، وقد يكون الجواد الرابح لتجاوز «وادي الموت» في أجل أقرب.
وتكمن بين هذين المسارين فروق جوهرية. لا ينبغي أن نسمح لها أن تتلاشى بالنظر لمحاور المؤشر بعدسة واحدة.
وتزداد الصورة تعقيدا حين نرى المؤسسات تقف جنبا إلى جنب مع المدخلات الأخرى للمؤشر، ليعاملها المؤشر نفس معاملته لبقية المدخلات، ويخضعها لذات المعادلة الحسابية للتصنيف.
وفي حقيقة الأمر؛ ليست المؤسسات مدخلا بالمعنى الدقيق بقدر ماهية البيئة التي تعمل فيها باقي المدخلات. إنها المناخ المحيط والتربة، لا البذرة. وبخصوبة التربة وملاءمة المناخ تزداد كفاءة كل ما نحرث. ولا يستقيم غرس حين تقل جودة كليهما -أي المناخ والتربة-.
ومن منظور آخر يغيب عن المؤشر القياس المباشر للجاهزية التقنية بمستوياتها؛ فالفكرة التي لم تبلغ مستوى نضج كاف لن تستطيع عبور وادي الموت مهما بلغت جودة المؤسسات، أو تطورت البنى التحتية والأسواق وبيئة الأعمال.
ثم تساءلت: ماذا لو نظرنا لمدخلات المؤشر ومخرجاته على أنها سلاسل قيمة؟ حينئذ تصبح هذه المدخلات والمخرجات استثمارات تختلف في قدرتها على توليد العائد، وتتباين في زمن تحقيقه.
وهنا يبادرني تساؤل يفرض نفسه؛ كيف نقيس العائد؟ وهل ما تحقق ينصف حجم ما أنفق؟ فالربح في أبسط صوره هو الفرق بين العائد والتكلفة.
ومن هذه النقطة تطلعت إلى تطوير المؤشر ليصبح أداة قياس مالية لا تقف عند وصف وتصنيف مدخلات ومخرجات الابتكار، بل تقيس كفاءة الإنفاق عليه ومردوده الاقتصادي، ومن ثم يتطور المؤشر لأداة حقيقية يستطيع أي اقتصاد أن يعول عليها لتشخيص التحديات وإعادة توجيه مسارات الإنفاق على الابتكار.
ولا أرى بلوغ المراد في قياس العائد من الإنفاق على الابتكار؛ فهو بداية الطريق لا نهايته. فقياس ذلك العائد ليس للتشخيص فحسب، بل نتطلع من خلاله للوصول «للعتبة المنشودة». وهي القيمة التي نراها مناسبة، كحد أدنى من إسهام المعرفة في الناتج المحلي الإجمالي.
ولا ينبغي أن يكون الوصول لتلك «العتبة» متقطعا؛ فهي ليست خط النهاية لحلبة سباق، تطلق الصافرة ترفع راية ببلوغها، بل إنها الحد الأدنى لمسار تنموي عبر أفق زمني ممتد تتخلله تقييمات دورية للتعديل كلما استدعت النتائج ذلك.
دعوة للتأمل: العتبة وإطارها الزمني أرقام تحتاج أن تحددها الاقتصادات الساعية للتنويع، وأن تتابع تحققها واستدامتها. عندها لن تقيس الخارطة ما نملك من مدخلات ومخرجات، بل أين نحن من العتبة المنشودة؟ وإن تجاوزناها فكم سنبقى بعد خط النهاية؟
د. ماجدة بنت طالب الهنائي باحثة وأكاديمية عمانية
