عودة مبدأ نيكسون في الشرق الأوسط

24 يونيو 2026
24 يونيو 2026

ترجمة: أحمد شافعي 

قوبل خبر توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم الأسبوع الماضي تنهي خمسة عشر أسبوعا من الحرب بمزيج من الارتياح والدهشة. والاتفاقية التي تم التوصل إليها بوساطة من باكستان وقطر أعادت فتح مضيق هرمز وحددت إطارا زمنيا مدته ستون يوما للمفاوضات على برنامج إيران النووي وتخفيف العقوبات. 

غير أن أعمق التداعيات لا يشمل إنهاء الحرب فقط وإنما يشمل مستقبل البنيان الاستراتيجي في المنطقة؛ فالسؤال المطروح الآن هو عما لو أن المذكرة (المعروفة أيضا بمذكرة إسلام أباد) تستهل لحظة «نكسونية» جديدة في الشرق الأوسط.  

كان مبدأ نيكسون الأصلي، الذي صيغ في عام 1969، هو استراتيجية «موازنة خارجية»؛ ففي مواجهة واقع أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تكون شرطي العالم سعى الرئيس ريتشارد نيكسون إلى تفويض حلفاء محليين في تولي المسئولية الأساسية عن الأمن الإقليمي. وفي الخليج العربي اتخذ هذا شكل سياسة «العمودين التوأمين» بالاعتماد على المملكة العربية السعودية وإيران في أن يكونا ضامنين للمصالح الأمريكية والاستقرار الإقليمي. فتوفر الولايات المتحدة الدعم على أن يقع عبء الحفاظ على النظام على القوتين الإقليميتين نفسيهما. 

تشير مذكرة إسلام أباد وما تمثله من تحول دبلوماسي وخطابي إلى أن انقطاعا مفاهيميا مماثلا قد يكون جاريا. غير أنه بدلا من قوة واحدة أو اثنتين من الأعمدة، يبدو أن هذا النظام الجديد يتشكل حول فريق من القوى الإقليمية. فالمذكرة ليست اتفاقية ثنائية بين الولايات المتحدة وإيران بالمعنى التقليدي، وإنما هي نتاج دبلوماسية متعددة الأطراف يسَّرتها باكستان وقطر بدعم فعال من المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وسلطنة عمان. 

والتحول الأساسي هنا هو أن الولايات المتحدة لم تعد الحكم الوحيد للأمن الإقليمي لكنها شريك لائتلاف من الدول الإقليمية. 

دور باكستان ذو دلالة خاصة. لقد نجحت باكستان في وضع نفسها موضع الوسيط الأهل للثقة بين واشنطن وطهران. ويمثل هذا ما يتجاوز المنجز الدبلوماسي، فهو تولٍّ لمسؤولية دبلوماسية كانت من قبل حكرا على الولايات المتحدة. ومع إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لهذا الفتح، كانت إشارة واضحة إلى أن أيام الباكس أمريكانا [أو عهد السلام الذي تضمنه أمريكا Pax Americana ] تنزاح مفسحة المجال لنظام يتوزع فيه النفوذ على عدد أكبر من القوى. 

وفي حين تنتظر الولايات المتحدة من شركاء لها أن ينهضوا بقدر أكبر من مسئولية الأمن الإقليمي، فقد تعترف أيضا بالأخطار التي قد تقوض قدرتهم على القيام بذلك. وفي حالة باكستان بصفة خاصة، قد يتضمن الأمر مساعدتها على مواجهة التهديدات من أمثال جماعة (حركة طالبان باكستان-TTP) و(جيش تحرير بلوشستان-BLA)، فالجماعة الأخيرة ازدادت استهدافا لمشاريع البنية الأساسية والأصول الاستراتيجية في بلوشستان وقتلت الآلاف في أعمال عنف متصاعد. 

ودعم الشركاء الإقليميين في إطار العمل النكسوني لا يقتضي بالضرورة نشر قوات مقاتلة أمريكية، فقد يقتصر على تعاون دبلوماسي ومخابراتي، وكذلك على العمل في المؤسسات الدولية من قبيل الأمم المتحدة في فرض العقوبات على الفاعلين الذين يتبنون العنف. 

مثل هذا النهج سوف يجمع أيضا بين الولايات المتحدة والصين، فلكلتيهما مصلحة في الاستقرار الإقليمي، وهذه نتيجة تتماشى مع حرفة الحكم عند نيكسون. وإسهام المملكة العربية السعودية في الفريق حاسمة أيضا، باعتبارها أحد «العمودين التوأمين» الأصليين، ويمثل اشتراكها في إطار العمل المفضي إلى الاستقرار الإقليمي ودمج إيران الاقتصادي انقطاعا حاسما عن المنافسة الصفرية التي وسمت المنطقة على مدار عقود. 

ويشير اشتراك تركيا إلى الاتجاه نفسه؛ فباعتبارها قوة عسكرية كبيرة وعضوا في الناتو ذا سياسة خارجية متزايدة الاستقلالية، توفر أنقرة الثقل الاستراتيجي والمرونة الدبلوماسية معا. 

وتمتلك باكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا مجتمعة الكثير من الخصال اللازمة لفريق إقليمي: المدى الدبلوماسي، القدرة العسكرية، التأثير الاقتصادي، والعلاقات التي تمتد في كتل متنافسة. 

يختلف هذا الترتيب الناشئ عن مبدأ نيكسون الأصلي في جانب واحد مهم؛ فقد كان نظام نيكسون الإقليمي يقوم على عدد محدود من الأعمدة المتحالفة مع أمريكا. بينما يبدو النظام الناشئ أقل هيراركية وأكثر تعددية، وبدلا من العمل عبر عملاء، قد يزداد عمل واشنطن عبر قوة إقليمية مستقلة ذاتيا تتداخل مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة لكنها لا تتطابق معها دائما. 

لعل بوسعنا العثور على أوضح دليل على هذا التحول في موقف واشنطن الخطابي من إسرائيل عقب الإعلان عن المذكرة. 

لقد جاء رد فعل فصائل اليمين المتطرف في إسرائيل غاضبا على الاتفاقية، مصورا إياها باعتبارها تنازلا لطهران. غير أنه بدلا من تعديل موقفها استجابة لانتقادات الحلفاء، دافعت إدارة ترامب علنا عن الاتفاقية وألمحت إلى اعتزامها المضي في عدم التصعيد. 

وجّه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ـ الذي لعب دورا أساسيا في المفاوضات ـ تذكيرا سافرا غير معهود بالأسس التي تقوم عليها العلاقة الأمريكية الإسرائيلية. 

فقال مخاطبا القادة الإسرائيليين: “لو أنني كنت في مجلس وزراء إسرائيل، فلعلي ما كنت لأهاجم الحليف الوحيد المتبقي لي في العالم كله»، وأمعن في تذكرة إسرائيل بأن «ثلثي الأسلحة الدفاعية» التي تحمي أرضها «صنعت بأيد أمريكية ودفع ثمنها دافعو الضرائب الأمريكيون». 

لم يكن في الرسالة أدنى لبس: لن تخضع أهداف أمريكا الاستراتيجية الكبرى لتفضيلات شركاء إقليميين. 

لقد ولد مبدأ نيكسون نفسه من إدراك أن الإدارة العسكرية المباشرة للمناطق البعيدة قد فرضت تكاليف على الولايات المتحدة لا يمكن احتمالها إلى الأبد. وقد تعكس مذكرة إسلام أباد إدراكا مماثلا. فبعد مواجهة مكلفة مع إيران، فرضتها أمريكا على نفسها، تبدو واشنطن متزايدة الاهتمام بنظام إقليمي يكون قابلا للدوام وأقل اعتمادا على التدخل الأمريكي المستمر. 

وليس معروفا بعد هل ستصمد المذكرة في نهاية المطاف. فقد تصبح محض هدنة مؤقتة لا أساسا لبنيان جيوسياسي جديد. 

ومع ذلك، تكشف الاتفاقية بالفعل اتجاها مهما؛ إذ يبدو أن الولايات المتحدة ترجع إلى دورها التقليدي باعتبارها قوة موازنة خارجية، تشجع قوى إقليمية على تولى مسئولية أكبر في حفظ النظام، مع إمدادها بالدعم الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري من بعيد. 

وفي حال استمرار هذا الاتجاه، قد يرى المؤرخون في نهاية المطاف مذكرة إسلام أباد باعتبارها أكثر من محض اتفاقية أنهت حربا. فقد يعدونها اللحظة التي بدأ فيها الشرق الأوسط يتحرك من حقبة الهيمنة الأمريكية إلى فريق القوى الإقليمية. 

لقد تغيرت الأسماء، وازداد عدد الفاعلين عما كان عليه الحال في عصر نيكسون. لكن المنطق الكامن ـ وهو التوازن المستقر القائم على دول إقليمية لا على إدارة أمريكية مباشرة ـ هو المألوف تماما لمن وضعوا في الأصل مبدأ نيكسون. 

 إلدار ماميدوف خبير في السياسة الخارجية مقيم في بروكسل. 

 الترجمة عن ناشونال إنتريست