الصناعة.. رحى التنويع والتقدم الاقتصادي

08 مايو 2023
08 مايو 2023

يعد القطاع الصناعي ركيزة ودعامة أساسية من دعائم التطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، وليست هذه الحقيقة الاقتصادية من قُبيل المبالغة إذ يرتبط اسم الدول المتقدمة بالصناعة، وحالما نقول دول متقدمة فهي دول صناعية بالضرورة، فالتقدم الذي أصبح سمة من سمات تلك الدول كان يرتكز أساسا على التقدم الذي أحرزته في قطاعها الصناعي، باعتباره قطاعا ديناميكيا تتمحور حوله باقي القطاعات الاقتصادية الأخرى وتتكامل معه. وهذا يجعل من الصعب جدا تصور حدوث تطور في بنية الاقتصاد وتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة تؤدي إلى تقدم وتطور المجتمع دون الاهتمام بالنمو الصناعي. كما أن المُتَخيَّل الاقتصادي يستبعد عملية التقدم الاقتصادي دون النجاح في قطاع التصنيع، وعبر تاريخ الرأسمالية قامت جميع الدول التي حولت اقتصاداتها من اقتصادات ذات دخل منخفض إلى مرتفع عبر عملية التصنيع، فقبيل الثروة الصناعية الأولى شكلت أوروبا وأمريكا الشمالية واليابان نحو 27% من الإنتاج الصناعي العالمي، غير أنها بحلول القرن العشرين (1900م) كانت تهيمن على 90% من الإنتاج الصناعي العالمي.

ولكي نحدد كُنه الصناعة التي نعنيها نُعرّفها بأنها ذلك النشاط البشري الذي ينتج عنه تغيير في شكل المواد الخام، أو طبيعتها، أو بتغييرها جزئياً، لتصبح مواد وسيطة لصناعات أخرى، أو منتجات جديدة بخصائص مستقلة وتامة الصنع، وهذا التعريف مهم بسبب ظهور مصطلحات أدبية ألصقت بالصناعة من باب الإشارة إلى عمق النشاط أو القطاع مثل مصطلح الصناعة البنكية، والصناعة السياحية، وصناعة الخدمات، بيد أنها من الناحية الاقتصادية لا تشمل القطاع الصناعي الذي عرَّفناه آنفا. ويجدر بنا أن نذكر أيضا مستويات التصنيع فهي تقسم إلى مستويين رئيسيين، فالمستوى الأول يعرف بالصناعة الأولوية وعادة ما يشير إلى الموارد والمواد الخام المستخرجة من الطبيعة والتي تدخل ضمن الأنشطة التصنيعية الاستخراجية، والمستوى الثاني هي الصناعة التحويلية (الثانوية) وهي مرحلة تصنيع المواد الخام التي توفرت من خلال الصناعة الأولية، ليتم معالجتها و تحويلها إلى سلع ومنتجات وسيطة أو نهائية، ويدخل ضمن الصناعة التحويلية صناعات قليلة المعرفة كما في صناعة النسيج والملابس، وصناعة الأغذية، وصناعة البلاستيك، وصناعات كثيفة المعرفة مثل صناعة الأجهزة الإلكترونية، وأجهزة الكمبيوتر، وصناعة الرقائق الدقيقة والآلات المعقدة.

إن العلاقة القوية بين الصناعة والتقدم الاقتصادي يعود إلى عدة أسباب، أولها أن قطاع التصنيع هو المحرك لنمو الإنتاجية، وذلك لأن قطاع الصناعة من أكثر القطاعات قدرة على تطبيق استخدام التقنية والتكنولوجيا الحديثة وهذا يسهم في رفع الإنتاجية، كما يمكن تقسيم العمل والتخصص في قطاع الصناعة بدرجة أكبر مما يسهم في ارتفاع الإنتاجية، إضافة لذلك فإن نمو الإنتاجية في قطاعات أخرى في الاقتصاد هو نتيجة مباشرة وغير مباشرة للابتكارات الحاصلة في قطاع التصنيع، فعلى سبيل المثال، التطور الذي أدخل في القطاع الزراعي وما تولد عنه ارتفاع في الكمية المنتجة وجودة المحاصيل جاء نتيجة تطوير الآلات الزراعية واختراع وابتكار أخرى، بالإضافة إلى تحسن مواد الأسمدة والمبيدات وكل ذلك يدخل ضمن قطاع التصنيع، ثانيا إن التطور العام في قطاعات وأنشطة الاقتصاد قاده أساسا قطاع التصنيع، فقطاع الخدمات مثلا استطاع امتصاص التقدم التقني في الحوسبة وفي معدات النقل والتخزين والاتصال وغيرها لإحداث ثورة في عالم الخدمات، ثالثا إن أنشطة التصنيع تصلح للميكنة (الأتمتة) والمعالجة بسهولة أكبر من باقي القطاعات الأخرى لذلك فمن السهل تحقيق وفورات الحجم المُخَفِّضَة للتكلفة مع زيادة الإنتاج، رابعا، وعلاوة على ما ذكر فإن القطاع الصناعي يتميز بقدرته على التغلغل في جزيئات الاقتصاد ومجالاته المختلفة من خلال تنشيط وتعبئة القطاعات الأخرى وخلق وظائف تابعة، فكل نشاط اقتصادي يحفز نشاط اقتصادي آخر، لكن الأدلة تظهر أن التصنيع له تأثير مضاعف على باقي القطاعات، ففي الولايات المتحدة أظهرت دراسة أن قطاع التصنيع وظف بصورة مباشرة نحو 11.5 مليون عامل في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2010م، ولكن بتتبع أثر قطاع التصنيع يتبين أنه بشكل عام أسهم في توظيف 32.9 مليون عامل، وفي سنغافورة مثلا ترتبط كل 100 وظيفة تصنيع جديدة بـ 27 وظيفة خدمية جديدة، وفي فرنسا أيضا يسهم نحو 29٪ من القوى العاملة الصناعية بشكل غير مباشر في إنتاج مخرجات غير تصنيعية.

على مستوى الدول النامية فإن ضمان النجاح الاقتصادي الصحيح والمستدام يكمن في دعم الصناعات المحلية والارتقاء بها، إذ إن معظم الدول النامية تعاني من ثلاثة إشكالات رئيسة أو على الأقل إثنين منها، فالإشكال الأول هو ضيق القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، وهو ما يفضي إلى بطأ النمو الاقتصادي وتكدس الباحثين عن عمل طالما أن حجم الاقتصاد غير قادر على استيعابهم علاوة على تداعيات أخرى مثل إحجام أو انخفاض الاستثمار الأجنبي، فيمكن للصناعة أن تسهم بدرجة كبيرة في توسيع القاعدة الإنتاجية وبمسمى آخر التنويع الاقتصادي، فاستغلال المواد الأولوية في عمليات التصنيع المحلية يعمل على توسعة قاعدة الإنتاج الاقتصادية، أما الإشكال الثاني يتمثل في محدودية مصادر الدخل الوطني، ويأتي دور الصناعة هنا في أنها قادرة على تعظيم القيمة المضافة للمواد الأولوية بإدخالها في عمليات تصنيع ثانوية أو بإنتاج سلع نهائية عوضا من تصديرها مواداً خام، وهذا ما يقود بالضرورة إلى زيادة الإيرادات الوطنية وتأمين التوازن في الميزان التجاري وخفض العجز فيه، وزيادة التصدير وخفض الإيرادات وبالتالي احتياطيات أكثر من العملة الأجنبية، أما الإشكال الثالث والأهم والذي تبرز فيه الصناعة كقطاع محوري للتقدم هو التحول الاقتصادي من نموذج اقتصادي يعتمد على استيراد السلع والخدمات لتلبية الطلب المحلي إلى نموذج قوامه الاستثمار والإنتاج والتصنيع.

إن التحول نحو اقتصاد صناعي لا تقتصر ثماره في تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلية والجزئية فحسب، بل يتعدى ذلك في كونه يمثل صمام أمان للدولة والمجتمع من التقلبات والأزمات التي تنشأ في الاقتصاد العالمي، كما إن وجود قطاع صناعي متطور سيسمح بحدوث تغيير كبير في البنيان الاجتماعي والثقافي والمؤسسي من خلال دوره المستمر في تحسين نظام التعليم لمواكبة التطورات العلمية والتقنية المستمرة وتطوير البنية التحتية، بالإضافة إلى دوره في توسيع نطاق تحويل المجتمع المدني، ورفع درجة مشاركة المواطنين في الحياة الاجتماعية والسياسية، ودوره في تغيير الإطار التشريعي والقانوني وبخاصة قوانين الاستثمار وقوانين العمل والتشريعات المالية والضريبية لتكون منسجمة مع التوسع في دور الصناعة في الحياة الاقتصادية، وأخيرا فإن وجود قطاع صناعي متطور سيساعد على أجراء التغيير المستمر في الأجهزة الإدارية والتنظيمية ورفع مستوى كفاءة أدائها لتواكب التوسع المستمر في المؤسسات الصناعية.