السيطرة على نفط فنزويلا قد لا تـحقق توقعـات ترامــب
13 يناير 2026
13 يناير 2026
ترجمة: قاسم مكي
في مؤتمر صحفي عقب هجوم الولايات المتحدة على فنزويلا والقبض على الرئيس نيكولاس مادورو أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن شركات النفط والغاز الأمريكية ستستثمر في قطاع النفط الفنزويلي، وستستخرج «ثروة ضخمة» من باطن الأرض.
ويوم 7 يناير ذكر نائبه جيه دي فانس أن الولايات المتحدة «ستسيطر على موارد الطاقة هناك». وقال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت: «سنتولى تسويق النفط الذي يخرج من فنزويلا». تأكيد القوة العسكرية الأولى في العالم على حقها في تطوير موارد بلد آخر يتمتع بالسيادة أمر غير طبيعي. إنه ابتعادٌ عن نظام عالمي يرتكز على قواعد ومعايير وتوجُّه نحو نظام آخر قد تصنع القوةُ فيه الحقَّ، لكن الرئيس الأمريكي يرى في ذلك فرصة اقتصادية.
حسب التقديرات تملك فنزويلا أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط في العالم (19.4% في عام 2024)، لكنها حاليا منتِج صغير. ففي عام 2024 كانت تضخ 960 ألف برميل في اليوم أو حوالي 1% من الإنتاج العالمي مقارنة بحوالي 3.3 مليون برميل في اليوم في عام 2006. ويأمل الرئيس ترامب جعل النفط الفنزويلي ينساب مرة أخرى، لكن ذلك لن يكون رخيصا.
البنية التحتية لإنتاج النفط في فنزويلا في حالة سيئة بعد سنوات من نقص الاستثمار والفساد والعقوبات. ورفع الإنتاج الفنزويلي إلى ثلاثة أضعافه من مليون برميل إلى 3 ملايين برميل في اليوم بحلول عام 2040 سيكلف حوالي 183 بليون دولار وفقا لتقديرات شركة ريستاد أنيرجي الاستشارية.
اقتصاديات نفط فنزويلا تشكل تحديا؛ فاستخراج النفط الثقيل واللزج والذي يشكل معظم احتياطياتها يتطلب معالجات خاصة كالحقن بالبخار. ونقله عبر خطوط الأنابيب يستوجب إضافة مذيبات لتيسير تدفقه. هذا يجعل إنتاجه أكثر تكلفة من أنواع النفط الخفيف كالنفط السعودي.
النفط الثقيل أيضا يباع بخصم بسبب عمليات التكرير المعقدة والمطلوبة لتحويله إلى منتجات استهلاكية كالبنزين والديزل. مع ذلك، ونظرا إلى حجم احتياطيات نفط فنزويلا؛ يمكن أن يكون ذلك مبررا في سوق البائعين (الذي يكون العرض فيه أقل من الطلب). فبعد كل شيء استهلك العالم حوالي 104 ملايين برميل في اليوم في عام 2025. والمشكلة هي أن مسارات السعر تشير باطراد نحو الاتجاه الآخر (التراجع) مع تخطي الإمدادات للطلب.
منذ بلوغ المستويات المرتفعة لسعر النفط في منتصف عام 2022 وعقب ازدياد الطلب في فترة ما بعد إغلاقات الجائحة والقفزة التي تسببت فيها الحرب الأوكرانية ظل سعر برنت في تراجع تدريجي. لقد قادت الصدمات الجيوسياسية الى تقلبات عنيفة، لكن هنالك مسار هبوطي واضح للأسعار. وحدث إقرار بذلك في نشرة إدارة معلومات الطاقة بتاريخ 5 يناير تحت العنوان التالي «أسعار النفط هبطت في عام 2025 وسط فائض الإمداد». منذ انطلاق ثورة النفط الصخري في العشرية الثانية كرّست شركات النفط والغاز الأمريكية الأولوية لعائدات حملة الأسهم، وفضلتها على الاستثمار في الشق الأعلى لصناعة النفط. وأسعار النفط المنخفضة لن تشجعها على تغيير ذلك.
السؤال: ما الذي يقود إلى هبوط أسعار النفط؟ ضعف النمو الاقتصادي العالمي أحد الأسباب. لكن هذا ليس العامل الوحيد؛ ففي حين لم يعد خفض انبعاثات الكوكب جزءا من أجندة السياسات العالمية إلا أن التقنيات منخفضة الكربون كألواح الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية تقلِّص باطراد حجم الطلب على الوقود الأحفوري مما يبطئ نموَّ الطلب على النفط والغاز.
يمكن أن نرى هذا في أوروبا حيث تقلل الرياح والطاقة الشمسية والبطاريات من الحاجة للغاز لتوليد الكهرباء. وفي الصين الازدهار المستمر في استخدام المركبات الكهربائية والذي لا يقتصر على السيارات، ولكن يشمل أيضا الحافلات والشاحنات يقلل الحاجة للنفط في ثاني أكبر مستهلك له في العالم.
لقد بلغت نسبة السيارات الكهربائية والهجينة كحصة من مبيعات السيارات الجديدة في الصين 50% في الفترة من يناير إلى سبتمبر 2025 مقارنة بنسبة 5.5% فقط خلال نفس الفترة في عام 2020.
نتيجة لذلك ربما بلغ الطلب على النفط في قطاع النقل بالصين ذروته مع توقع وصول الذروة على الطلب الإجمالي عليه عما قريب.
الصين هي التي تتقدم الجميع في هذا المجال، لكن النقل الكهربائي ينمو بشدة في بلدان عديدة.
أحد أسباب ذلك أن السيارات الكهربائية أصبحت أكثر جاذبية للسائقين مع دخول موديلات أرخص إلى السوق، وإدخال تحسينات كبيرة في سعة البطاريات إلى جانب توافر بنية تحتية أفضل لتعبئتها، وهذا قلل من القلق بشأن المسافة التي يمكن أن تقطعها السيارة قبل نفاد شحنة البطارية.
السيارات الكهربائية أيضا جذابة لواضعي السياسات خصوصا في البلدان المستوردة للنفط؛ فالتحول من النفط إلى الكهرباء يمكن أن يعزز أمن الطاقة بالحد من نفوذ الموردين الأجانب، والحماية من أسعار النفط المتقلبة، وتقليل مخاطر العملة (النفط يُسعَّر بالدولار).
إشاعة استخدام الكهرباء في النقل -وهو أكبر قطاع مستهلك للنفط- ستقلل من الطلب عليه في وقت يشهد تزايدا في الإمدادات العالمية مع توافر إنتاج جديد في الأرجنتين والبرازيل وغيانا والولايات المتحدة نفسها.
هذا يشير إلى أن الأسعار ستواصل هبوطها. وفي حين من الممكن أن تعزز التحسينات النظرية المستقبلية للاقتصاد العالمي الطلب على النفط سيكون الطلب المفقود بالتحول من سيارات محرك الاحتراق الداخلي إلى السيارات الكهربائية دائما في الغالب.
المكاسب الكبيرة من النفط الفنزويلي التي وعد بها الرئيس ترامب قوبلت حتى الآن برد فعل فاتر من كبرى شركات النفط والغاز الأمريكية. وكان ترامب قد أشار إلى أن الحكومة ستعوِّض الشركات عن خسائرها إذا لم تتحقق الأرباح المتوقعة. وهذا سيشكل دعما حكوميا ضخما لبعض أكبر الشركات وأكثرها أرباحا في العالم. علينا أن ننتظر لنرى كيف سيبدو هذا العرض السخي في صيغته التعاقدية. وهل سيكون محسوسا بقدر كاف لتحفيز الاستثمار اليوم، خصوصا بالنظر إلى الأوضاع السياسية غير الواضحة في فنزويلا بعد التدخل الأمريكي وفي الولايات المتحدة نفسها.
هنالك أسباب أخرى محتملة تدفع الولايات المتحدة إلى محاولة تعزيز السيطرة على الموارد النفطية لفنزويلا. يمكن أن يكون أمن الطاقة الأمريكي أحد الحوافز؛ إذ لأسباب تاريخية معظم المصافي في الولايات المتحدة مهيأة لمعالجة النفط الثقيل وعالي الكبريت مثل النفط الذي يوجد في فنزويلا. وفي الوقت الحالي تعتمد هذه المصافي أساسا على الإمدادات الكندية.
وقد يكون الحفاظ على خيار إدارة الاحتياطيات في السوق العالمية بهدف التأثير على الأسعار أحد الأسباب، وهذه استراتيجية قديمة قِدَم استخراج النفط نفسه.
كما يمكن أن تكون الفرصة التي تتيحها السيطرة على النفط الفنزويلي للضغط على المنافسين الجيوسياسيين عامل آخر؛ فالصين حاليا هي المشتري الرئيسي لنفط فنزويلا، وتنشط شركات صينية عديدة في قطاعها النفطي.
في الأثناء أشار ترامب إلى أنه يعتبر الحصول على النفط الفنزويلي تعويضا عن تصرفات تاريخية من جانب الحكومة الفنزويلية أضرت بمصالح الشركات الأمريكية مثل تأميم الصناعة النفطية في عام 1976. وبصرف النظر عن الدافع الحقيقي، ومن سيدفع الثمن في نهاية المطاف؛ سيكون التحرك لاستغلال احتياطيات نفط فنزويلا مناورةً اقتصادية خطرة، ورهانًا على أن ثورة السيارات الكهربائية العالمية الجديدة ستتعثَّر.
