السيد فهد بن محمود.. قامة وطنية تترجل
الموت والحياة سنة كونية حتمية خلقها الله عز وجل. تتعاقب الأجيال وتستمر الحياة. هناك شخصيات يخلدها التاريخ لدورها المهم في مسيرة وتطور الدول.
وفي سلطنة عمان يعد المغفور له -بإذن الله تعالى- صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد أحد أركان الدولة العمانية الحديثة، التي أرسى دعائمها المغفور له -بإذن الله- جلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- في يوليو من العام ١٩٧٠م.
فمنذ بداية النهضة العمانية الحديثة، قام جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- باختيار قامات وكفاءات وطنية عالية للمضي معه بحمل لواء إعادة الدولة العمانية إلى ما كانت عليه في السابق من مكانة إقليمية بارزة.
حيث قام ابتداءً، بتعيين عمه صاحب السمو السيد طارق بن تيمور -رحمة الله عليه- كأول رئيس للوزراء في عصر النهضة العمانية الجديدة، وذلك لما يملكه -رحمة الله عليه- من كاريزما ومهابة وثقافة ورؤية متطورة لما يجب أن تكون عليه البلاد في عصرها الحديث، استمدها من نشأته السابقة في دول أوروبية.
وقام لاحقا السلطان قابوس -بعد عدة أشهر- بتعضيد هذه الحكومة بصاحب السمو السيد فهد بن محمود -رحمة الله عليه- من خلال تعيينه في العام ١٩٧١م وزيرا للشؤون الخارجية. وهو الشخص الذي عاد إلى سلطنة عمان حاملا شهادة أكاديمية رفيعة في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة السوربون الفرنسية العريقة، وشهادة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة القاهرة المرموقة، إضافة إلى تحدثه بطلاقة لغات عالمية حية، كاللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية.
ومنذ ذلك الحين وعلى مدى أكثر من ٥٥ عامًا، وعبر مواقع قيادية مهمة للغاية، بدايةً من تعيينه وزيرا للشؤون الخارجية خلال الفترة من ١٩٧١م إلى ١٩٧٣م، وتعيينه في العام ١٩٧٣م وزيرا للإعلام والسياحة، وفي العام ١٩٧٤م وزيرا للإعلام والثقافة إلى العام ١٩٧٩م، عندما عين نائبا لرئيس الوزراء للشؤون القانونية، وصولا إلى العام ١٩٩٤م عندما عُين نائبا لرئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء، وهو المنصب الذي استمر فيه إلى أن وافاه الأجل المحتوم في ٢٢ من شهر رمضان ١٤٤٧هـ، الموافق ١٢ من شهر مارس ٢٠٢٦م.
كان -رحمة الله عليه- خلال أكثر من ٤٠ عاما من سيرته الوظيفية يترأس الاجتماعات الأسبوعية لمجلس الوزراء، ويعد في آخر ٣٠ عاما منها بمثابة الرجل الثاني في تراتبية السلطة الإدارية في سلطنة عمان. وعندما نتحدث عن الراحل الكبير سمو السيد فهد بن محمود فإنا نتحدث عن رجل يعد بكل المقاييس شخصية آسرة، ومدرسة فكرية وإدارية كبرى، ذات أبعاد ومكانة سياسية وثقافية وإنسانية، وضعت بصمتها المؤثرة في كل مراحل التطور التي مرت بها سلطنة عمان عبر ٥٥ عاما من النهضة العمانية الحديثة، ومن النهضة المتجددة؛ حيث يعد شاهدا ومشاركا في عصرَي النهضة، الأولى التي أسسها السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- والثانية التي يقودها بكل اقتدار حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -أعزه الله وأبقاه.
ولا يمكن لأي باحث أراد الغوص في مسيرة سلطنة عمان الحديثة إلا الوقوف عند شخصية سمو السيد فهد بن محمود -رحمة الله عليه.
فبالإضافة إلى مواقعه الوظيفية المهمة، كان يتمتع بالكثير من الصفات الشخصية الاستثنائية، أبرزها تواضعه الجم واحترامه للآخرين -الصغير والكبير-، وإنسانيته العالية، والهدوء والدبلوماسية الرفيعة، إضافة إلى ثقافته الموسوعية، التي اكتسبها عبر عقود من العمل القيادي المهم.
فكل من تعامل أو عمل مع المغفور له -بإذن الله- تتجلى له هذه الصفات الاستثنائية بكل وضوح؛ فكان يغلّب صوت الحكمة والعقل في كل ما يُعرض عليه من عمل، ولا يؤمن إطلاقا بمفهوم أو سياسة التصعيد، في تناغم تام مع فكر ونهج السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- وفكر ونهج حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه.
وهذه الصفة من الصفات المهمة التي ميزت سلطنة عمان في سياستها الداخلية والخارجية على مدى أكثر من ٥٥ عامًا.
وخلال العقدين الماضيين، وعلى مدى أكثر من ١٥ عامًا كان -رحمة الله عليه- يترأس وفد سلطنة عمان المشارك في دورات المجلس الأعلى لقادة دول مجلس التعاون الخليجي، مما أكسبه تقدير واحترام أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون الخليجي، نظرا للكاريزما التي يحملها، والمبادئ السياسية الرفيعة، التي يمثل من خلالها سياسة سلطنة عمان، التي تسعى دائما إلى لمّ الشمل والدفع باللحمة الخليجية إلى آفاق أرحب وأوسع.
لقد ترجّل صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد، لكن تاريخه وما قدمه لهذا الوطن العزيز عبر أكثر من ٥ عقود سيبقى محفورا في ذاكرتنا جميعا.
أنزل الله على الفقيد الكبير شآبيب رحمته وأكرمه بعظيم عفوه وجليل مغفرته، وخالص التعزية في هذا الفقد الكبير لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -أعزه الله وأبقاه-، وأفراد الأسرة المالكة الكريمة، وأبناء الفقيد، ولا نقول إلا إنا لله وإنا إليه راجعون.
خالد بن عمر المرهون، متخصص في القانون الدولي والشؤون السياسية
