السودان... في مفترق طرق
يبدو أن الجنرالات باتوا على الشجرة وجها لوجه وكلاهما معرّض للسقوط الفجائي في أي لحظة خلال النزال المحتدم بينهما ورغم المحاولات المتكررة لتدبير نزول آمن إلى الأرض فإن الجانبين مصممان على بلوغ كل أنحاء الشجرة وإسقاط جميع الثمار التي جمعها شعب السودان منذ الاستقلال في 1956 فقد تم التنازل عن الجنوب بجرة قلم عام 2011 لتذهب معه 70% من الثروة النفطية وبُرر القرار في حينه أن هذا الجزء بات مصدر قلق دائم للبلاد وبعدها لم يستقر الجنوب المقتطع ولا الشمال المتنازل واستمرت محنة السودان والسودانيين بين العسكر المحررين والإسلاميين الطامحين والقبليين المتحفزين فتحالف الجميع مع الجميع لإسقاط الجميع وطال الصراع وغاب صوت الشعب عن المشهد.
ما يلفت النظر في تصريحات الطرفين المتناحرين في الخرطوم اليوم إيمانهما بالديمقراطية ويزعم كل منهما أنه يسعى لحمايتها في الوقت الذي اتفقا فيه على إسقاط حكومة حمدوك المدنية الانتقالية في 25 أكتوبر2021 رغم ما أبداه الرجل من انفتاح على جميع الفرقاء في الداخل وسعيه الحثيث لإغلاق ملفات عزلة السودان ورفعها من قوائم الحظر الدولية وتجدد الأمل بأن يتنفس السودانيون الصعداء وأن ينتعش الاقتصاد عبر كسب المزيد من الثقة مع المجتمع الدولي، فقد عُرف عن عبدالله آدم حمدوك بالشخصية الاقتصادية التي يعول عليها لإنقاذ السودان من واقع خلفيته العلمية وسجله السياسي الناصع مع المنظمات المختلفة بما فيها منظمة الأمم المتحدة ورغم ما قيل عن التكلفة العالية والتنازلات غير المسبوقة لمحو السودان من قوائم الحظر الأمريكية والغربية فإن كل من يتطرق لهذا الطرح لا يعلم المقدار الهائل للخسائر والفرص الضائعة التي تكبدتها البلاد في ظل هذه العزلة.
كما يتفق الطرفان على عدائهم المعلن للإسلام السياسي وهو الذي كان السُلم الرئيسي لصعودهما إلى سدة الحكم، فمن يقرأ تاريخ السودان الحديث يعلم أن حزب المؤتمر الوطني بزعامة حسن الترابي هو الذي دفع بعُمر البشير إلى الواجهة في عام 1989 والمتصارعان اليوم يقومان على أنقاض حُكم البشير الذي مكنه الإسلام السياسي قبل أن ينقلب هو عليه وينتهي به المطاف بأن يودعه رفقاء السلاح السجن باسم الديمقراطية وحماية المكتسبات الوطنية ونصرة الشعب السوداني. هذا يثبت لنا مدى تعقيد الموقف السياسي في السودان ويوضح بجلاء تمسك الجنرالات بالثروة والسلطة فبعد انفصال الجنوب الغني بالنفط باتت المعادلة الاقتصادية أصعب فزاد الصراع على ما تبقى من مداخيل النفط والذهب وربما هذا هو لب الخلاف العميق بين الفرقاء اليوم ويدفع ثمنه السودان بأكمله.
عندما نذهب إلى أصقاع الدنيا المختلفة من أستراليا واليابان شرقا إلى كندا غربا نجد ابن السودان يتقلد أعلى المراتب العلمية ويقدم صورة عالية الجودة للعرب والمسلمين فهم رواد في العلوم الدقيقة وفقهاء في القانون الدولي وهم أناس كرماء إلى حدود لا يمكن تخيلها وبسطاء ومحبون ومنفتحون على الآخر قامت عليهم نهضة التعليم في مختلف أنحاء الوطن العربي، وهنا ما زلت أذكر مُعلمي السوداني الأول الأستاذ الجليل مصطفى الطيب الذي أتى في مطلع سبعينيات القرن الماضي من كردفان إلى قريتي البعيدة في جبال ظفار وعلمني اللغة الإنجليزية تحت شجرة ثم انتقلنا إلى الخيمة وبعدها إلى صنادق الحطب والصفيح. لقد كان رجلا مختلفا وشخصية نادرة غرست في نفوسنا حب اللغة وتطبيقها ففي تلك الحقبة لم تكن مخرجاتنا تعاني من ضعف اللغة الإنجليزية والحساب كما اليوم رغم اختلاف الزمنين في كل شيء من هنا ومن كل بقعة عربية نبعث برسالة سلام للسودان وندعو الله أن يحفظها ويحفظ شعبها الأصيل.
وفي الختام لعله من المضحك المبكي أن يصرح الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين أنه على اتصال بطرفي الصراع في الخرطوم ويبحث عن حلول سلمية للأزمة السودانية في ظل غياب تحرك عربي فاعل يجمع الإخوة على كلمة سواء ويزيح شبح الحرب الأهلية التي باتت تطل برأسها المقيت على شعب السودان ينظر الجميع إلى ما تقوم به المملكة العربية السعودية من حراك محمود لعودة البيت العربي إلى سابق عهده وآخر تلك التحركات مع الجمهورية العربية السورية ومع جمهورية اليمن بدعم من سياسة الحكمة التي تقدمها سلطنة عُمان فكلا الملفين طبخ في مسقط فهل نشهد دورا مماثلا في الخرطوم؟ هذا ما نأمله بإذن الله تعالى.
علي بن سالم كفيتان كاتب عماني
