الحرب على إيران ومعركة النظام الإقليمي
14 مارس 2026
14 مارس 2026
أكثر سؤال يبدو أنه مسكوت عنه في هذه اللحظة التاريخية الحرجة التي يمر بها الشرق الأوسط هو سؤال الهدف الجوهري للحرب التي تشنها أمريكا وإسرائيل على إيران. هل الهدف تدمير برنامجها النووي، أم أن الأمر متعلق ببناء نظام إقليمي جديد تكون فيه إسرائيل القوة الوحيدة التي لا يملك أحد في المنطقة القدرة على تهديدها؟
يمنح هذا السؤال الحرب معناها السياسي، أما الاكتفاء بالحديث عن البرنامج الصاروخي والملف النووي، فهو حديث يضيّق المشهد إلى حد يحجب منطقه الأوسع. هذه حرب على بنية الإقليم، لا على منشآت بعينها. والحروب من هذا النوع لا تُفهم من بيانات الجيوش فقط، إنما من الترتيب الذي تسعى إلى فرضه بعد انقضاء القتال. ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب على إيران أقرب إلى حلقة متقدمة في مشروع طويل لإعادة تشكيل المنطقة، لا إلى عملية محدودة هدفها منع دولة بعينها من امتلاك قدرة نووية.
كان الملف النووي الإيراني، طوال عقود، الأداة الأكثر فاعلية في بناء هذه الشرعية. فمنذ سقوط الشاه وقيام إيران، تشكّل في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي تصور يقوم على أن إيران، بوصفها دولة كبيرة ذات كثافة سكانية، وعمق حضاري، وقدرة على الحشد العقائدي والعسكري، هي التهديد الأهم على المدى البعيد. لم يكن الأمر متعلقا فقط بما قد تمتلكه إيران من سلاح، لكن بما تمثله من إمكانية قيام قوة إقليمية كبيرة خارج الترتيب الذي تريده إسرائيل للمنطقة. وبدأت إسرائيل بالقول إن إيران على بعد سنوات من القنبلة، ثم على بعد أشهر، ثم على بعد أسابيع. يتغير التقدير، لكن الثابت فيه هو إبقاء العالم في حالة تعبئة نفسية وسياسية مستمرة.
ارتبطت سردية الملف النووي على نحو وثيق بصعود بنيامين نتنياهو نفسه. فمنذ سنواته المبكرة في واشنطن، ثم خلال عمله في الأمم المتحدة، تشكّل خطابه السياسي حول فكرة مركزية تقول إن إيران هي العقدة التي يجب حلها كي يُعاد ترتيب الشرق الأوسط؛ ولهذا ظل الرجل على امتداد مسيرته يعيد إنتاج رواية الخطر الإيراني بصيغ مختلفة. وإلى جوار تلك السردية كانت إسرائيل تبني مفهوما استراتيجيا يقوم على فكرة أن المنطقة لا يمكن أن تستقر ما دامت هناك دولة قادرة على تحدي التفوق الإسرائيلي أو تعطيل النظام الإقليمي الذي تسعى تل أبيب إلى تكريسه.
وحين توضع الحرب الحالية داخل هذا المسار، فإنها تبدو أقل التباسا. فالمسألة لا تتعلق بحرمان إيران من القنبلة إنما بحرمانها من موقعها كآخر قوة إقليمية كبرى قادرة على إرباك مشروع الهيمنة الإسرائيلية. وهذه نقطة مهمة، لأن كثيرا من النقاش العام يقع في خطأ اختزال الحرب في بعدها التقني؛ والحال أن المعرفة النووية لا تُقصف بسهولة، والبنية العلمية لا تُمحى بمجرد تدمير المنشآت، والدولة الإيرانية ليست بنية هشة قابلة للانهيار الفوري؛ لذلك فإن الإصرار على الحرب، رغم إدراك هذه الحقائق، يوحي بأن الهدف أوسع من تعطيل البرنامج النووي بحد ذاته.
ثم إن المسار التفاوضي، كما عكست ذلك تصريحات الدبلوماسية العُمانية، كان قد بلغ مستوى متقدما بما يكفي لإبقاء خيار الاحتواء السياسي قائما. ويبدو، في ضوء ذلك، أن الهدف الأوسع هو إضعاف إيران استراتيجيا، وتقليص قدرتها على الفعل الإقليمي، ودفعها إلى موقع الدفاع الطويل، بحيث تخرج المنطقة من هذه الحرب بإيران مفككة داخليا ومعزولة خارجيا خاصة من جوارها. وتخرج إسرائيل بوصفها الدولة المركزية الوحيدة التي تملك زمام قواعد القوة في الشرق الأوسط.
قد يبدو هذا التفسير مبالغا فيه للوهلة الأولى؛ فإسرائيل تملك سببا أمنيا، تراه وجيها من وجهة نظرها، يدفعها إلى النظر إلى النووي الإيراني بوصفه تهديدا استثنائيا، كما أن إيران نفسها ساهمت، عبر برنامجها ونفوذها الإقليمي، في تغذية هذا القلق لكن ذلك لا يكفي وحده لتفسير حرب بهذا الاتساع، ولا لتفسير توقيتها، ولا ارتباطها الواضح بمحاولة إعادة صياغة المجال الإقليمي كله. فالنووي يفسر جانبا من الحرب، لكنه لا يفسر وحده معناها الاستراتيجي الأوسع.
لكن هذا المشروع لا يبدأ مع الحرب الحالية، حيث يظهر بوضوح أكبر إذا نظرنا إلى تاريخ الإقليم منذ نهاية الحرب الباردة. فمنذ ذلك الوقت، دخلت المنطقة سلسلة من الزلازل الجيوسياسية التي أخرجت، تباعا، الدول العربية أو الإقليمية القادرة على إحداث توازن ما، أو على الأقل فرض كلفة على التفوق الإسرائيلي. العراق، الذي كان في لحظة ما مركز ثقل استراتيجيا وعلميا وعسكريا، خرج من حرب الكويت ضعيفا، ثم سُحق بالحصار، ثم جاء الغزو الأمريكي في 2003 لينهيه كدولة قادرة على الفعل الإقليمي المستقل، وخرج منذ ذلك الوقت من معادلة القوة في المنطقة. وبسقوط العراق، الدولة لا النظام، خسرت المنطقة أحد المراكز التاريخية الكبرى التي كانت تملك، رغم كل تناقضاتها، قابلية الاستمرار كوزن عربي وإقليمي.
ثم جاءت مرحلة الربيع العربي، بكل ما حملته من وعود كبرى وانكسارات أكبر. خرجت ليبيا من المعادلة، واهتزت مصر بعنف، ولم تخرج؛ لكنها فقدت كثيرا من طاقتها وقدرتها على القيادة العربية. أما اليمن فقد استنزف إلى الرمق الأخير. وتحولت سوريا من دولة ذات موقع مركزي في المشرق إلى ساحة دمار اجتماعي وسياسي وعسكري. وما منح هذه اللحظة معناها الاستراتيجي هو تآكل فكرة وجود محيط عربي قادر على إنتاج توازنات مستقلة. لا يعني هذا بالضرورة أن كل ما جرى في الربيع العربي كان مُهندسا من إسرائيل. لكن الأهم هو الحصيلة النهائية، وهي شديدة الخطورة إذا ما قرأناها في سياق تكاملي مع ما جرى ويجري. كل بنية دولة أو مركز قوة كان يمكن أن يُنتج توازنا أو يفرض قيودا على المشروع الإسرائيلي، تعرض للإنهاك أو التفكك أو الانكفاء.. والعملية مستمرة. ويصعب النظر إلى هذه الحصيلة بوصفها مجرد مصادفة تاريخية عابرة؛ إنها النتيجة التراكمية التي غيّرت شكل الإقليم وموازين القوى فيه.
وفي هذا السياق يمكن فهم الاتفاقيات الإبراهيمية بعمق يتجاوز مسار التطبيع الثنائي. لقد حملت، في أحد أبعادها، تصورا لنظام إقليمي جديد يُعاد فيه ترتيب التحالفات بمعزل عن جوهر الصراع في المنطقة، وبما ينسجم مع انتقال إسرائيل من دولة تبحث عن الاندماج إلى دولة تسعى إلى هندسة البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
ثم جاء السابع من أكتوبر، ففُتحت مرحلة مختلفة تماما. وتعاملت إسرائيل مع تلك اللحظة من زاوية أنها فرصة لإعادة صياغة البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. وضربت غزة على نحو غير مسبوق في حجمه وكلفته البشرية والعمرانية، وأثخنت حزب الله وأضعفت بناه وقياداته، وتغير موقع سوريا تماما داخل توازنات المنطقة، ثم بدأت جولات الاختبار المباشر مع إيران، إلى أن وصل الأمر إلى الحرب الراهنة. في هذا السياق، تبدو الحرب على إيران ذروة منطق الاستراتيجية الإسرائيلية، لا تطورا بعيدا عن سياقه. إنها اللحظة التي تريد فيها إسرائيل إزالة العقبة الأخطر في طريق مشروعها، بعد أن جرى استنزاف ما حولها من دوائر أقل صلابة أو أقل قدرة على الاحتمال.
من هنا يكتسب السؤال المسكوت عنه ثقله الحقيقي. فإذا كان الهدف هو البرنامج النووي فقط، فإن المفاوضات كانت على وشك تحقيق ذلك، أو أن الحرب نفسها كان يمكن أن تبقى ضمن سقف عسكري محدود. أما إذا كان الهدف إعادة تشكيل النظام الإقليمي، فإن المعركة تصبح بطبيعتها أوسع بكثير من المنشآت النووية، وهذا ما يبدو قائما بالفعل اليوم.
وحتى الحديث عن إسقاط النظام الإيراني لا ينبغي فهمه بوصفه هدفا منفصلا عن الاستراتيجية الإسرائيلية، إنه أحد أهم مساراتها الممكنة. تعرف إسرائيل أن الدولة الإيرانية عميقة ومتجذرة في التاريخ والمؤسسات والذاكرة الإمبراطورية. ولم تكن إيران طوال تاريخ المنطقة سلطة سياسية طارئة يمكن أن تسقط كما تسقط الأنظمة الصغيرة أو المعزولة. ولذلك فإن الرهان ليس بالضرورة على سقوط سريع للنظام، بل على إضعاف طويل له، إضعاف يجعله، حتى لو بقي، أقل قدرة على الحركة وأكثر انشغالا بالبقاء، وأشد هشاشة أمام الضغوط الداخلية والإقليمية. وهذا في حد ذاته مكسب كبير لإسرائيل. فالنظام الضعيف والمحاصر والمنهك، قد يكون أكثر فائدة من نظام يسقط سريعا ويفتح الباب على مجهول لا يمكن ضبطه.
لكن الأخطر في هذا المسار أنه لا يتوقف عند إيران. فإذا نجحت الحرب في تحقيق أهدافها الجوهرية، فإن المنطق نفسه سيتجه إلى ما بعد إيران، لأن مشروعات الهيمنة لا تعرف لحظة شبع نهائية، ولأن تحطيم العقبة الأكبر يفتح تلقائيا باب النظر إلى ما تبقى من مراكز القوة والاستقلال في المنطقة. من هنا يمكن فهم محاولات جرّ دول الخليج إلى قلب الحرب، سواء عبر التصعيد المباشر، أو عبر توسيع مسارح الاشتباك، أو عبر دفع المنطقة كلها إلى بيئة فوضى تجعل الإنجازات التنموية والسياسية التي راكمتها الدول خلال العقود الأخيرة أكثر هشاشة وأقل قابلية للحماية.
سيقول قائل إن إيران هي التي تستهدف الخليج، وإنها تتحمل مسؤولية مباشرة عن هذا التوسع. وهذا صحيح على مستوى الفعل المباشر؛ لكن هذا لا يلغي حقيقة أن توسيع الحرب هو جزء من المنطق الذي صُممت به. وتبدو إسرائيل، في ضوء اتساع الحرب ومساراتها، كأنها تخوض هذه المواجهة ضمن تصور أوسع لإعادة تشكيل الإقليم، بما يجعل دفع الأطراف المجاورة إلى الانخراط فيها جزءا من بنيتها العميقة. وهذا هو ما يجعل دول المنطقة أمام مأزق مزدوج؛ فهي من جهة لا تستطيع تبرير السلوك الإيراني حين يضرب أمنها ومصالحها، لكنها من جهة أخرى تدرك أن نجاح المشروع الإسرائيلي الأمريكي في هذه الحرب لن ينتهي عند حدود كبح إيران، بل قد يفتح الباب لإعادة ترتيب المنطقة كلها بطريقة تُضعف استقلالها السياسي وتُهدد مكتسباتها الاقتصادية وتُعيد إنتاجها داخل نظام إقليمي يقوم على تفوق إسرائيلي غير قابل للمراجعة.
لهذا يبدو حلم «إسرائيل الكبرى» في هذه اللحظة تعبيرا مكثفا عن نزعة أعمق. فليس المقصود به المعنى الجغرافي المباشر ولكن المعنى السياسي والحضاري لمشروع يريد أن يحتكر القوة والهيمنة، ويعيد ترتيب المجال العربي والإقليمي وفق رؤية تختلط فيها أوهام الدين بأوهام العظمة، ويصبح فيها التفوق الإسرائيلي قاعدة تأسيسية للنظام الإقليمي كله.
هذا النوع من المشاريع لا يكتفي بإضعاف الجيوش أو تغيير الحكومات، بل يعمل أيضا على تحطيم الأفكار والمؤسسات والطبقات الوسطى والبنى الاجتماعية التي تمنح المجتمعات قدرتها على المقاومة والاستقلال والتماسك.
وإذا صح هذا التقدير، فإن ما يجري اليوم لن يحدد مصير إيران وحدها، بل سيحدد ما إذا كان الشرق الأوسط سيدخل مرحلة توازنات جديدة، أم مرحلة هيمنة تُنتج حروبا أخرى بأسماء مختلفة.
عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة «عمان»
