الحرب على إيران ومأزق الوعي الخليجي
لا تقتصر المشكلة الكبرى التي كشفتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على الجانب العسكري، ولا على التداعيات التي امتدت إلى عمق الدول الخليجية، ولا على الاتفاقيات الأمنية التي أبرمتها هذه الدول، والتي بدت عاجزة في لحظة الحقيقة. المشكلة الأعمق والأخطر أن هذه الحرب كشفت عجزا مقلقا في الوعي السياسي والثقافي الخليجي، عجزا لا يتعلق فقط بتقدير الموقف، بل بطبيعة المرجعية التي يُنظر من خلالها إلى ما يجري.
وجد الخليج نفسه -في وضع غير مسبوق في تاريخه الحديث- جزءا من معادلة الردع والضغط التي تديرها أطراف الحرب من دون إرادة منه. ووضعت هذه الحرب افتراضات الأمن الخليجي كما صاغها طوال العقود الماضية أمام اختبار الصمود وفي مقدمتها افتراض الحماية، وافتراض الردع، وافتراض القواعد الأجنبية وقدرتها على حمايته. وما زالت كل هذه الافتراضات في حالة اختبار ما دامت الحرب مستمرة.
غير أن هذا الجانب، على خطورته، ليس أكثر ما يثير القلق في هذه اللحظة. ما يثير القلق هو أن جزءا كبيرا من الخطاب الثقافي والإعلامي المصاحب للحرب لم يتعامل معها بوصفها لحظة تحول استراتيجي، وتعامل معها بوصفها مناسبة جديدة لإعادة إنتاج اللغة المذهبية القديمة. وسقطت الكثير من الأصوات التي كان يفترض بها أن تشرح المشهد، أو على الأقل أن تعقده في مواجهة التبسيط الفج، سقطت تلك الأصوات في أكثر أنماط التفكير هشاشة فاختزلت إيران في هويتها المذهبية، واختزلت الحرب في ثأر تاريخي، واختزلت الخطر في صورته الأقرب، لا في نتائجه الأبعد. وهنا تحديدا تبدأ الأزمة الحقيقية.
من السهل سياسيا، بل ومن المشروع أحيانا، أن ترى دول الخليج في سلوك إيران خطرا على مصالحها وأمنها. هذا مفهوم، وله سوابقه وتجلياته وخلفياته المعروفة. لكن ما ليس مفهوما هو أن تتحول هذه القراءة، عند بعض النخب، إلى مانع كامل من طرح سؤال أساسي، ماذا يعني إضعاف إيران جذريا؟ ماذا يعني دفعها إلى التفكك أو الفوضى أو الانكفاء القسري؟ وما صورة الخليج نفسه إذا خرجت إيران من معادلة الإقليم بوصفها دولة متماسكة وقادرة على التأثير؟
هذه الأسئلة تكاد تكون غائبة عن مقالات ونقاشات النخب الثقافية والفكرية. وهي ليست نظرية، لأنها تمس جوهر الأمن الخليجي ومستقبل النظام الإقليمي. ومن الغريب أن نكتفي بقراءة إيران من خلال خلافاتنا معها وسلوكها معنا أو من خلال الذاكرة السياسية المحمّلة بالصراع.. ولا نقرأها من خلال موقعها في ميزان القوى الإقليمية أو الوظيفة التي تؤديها أو الفراغ الذي يمكن أن يخلّفه انكسارها في هذه الحرب. وإيران، مهما اختلفنا معها، ليست دولة هامشية في الشرق الأوسط يمكن أن تسقط من معادلته من دون أن يتغير شكل الإقليم كله.
والخطأ الذي يقع فيه جزء من الخطاب الخليجي أنه يخلط بين الخصومة مع إيران وبين المصلحة في إضعافها إلى الحد الأقصى. وهذا خلط خطير. لأن الخصوم في السياسة الإقليمية ليسوا سواء. هناك خصم يمكن احتواؤه أو موازنته أو التفاوض معه أو ردعه. وهناك فراغ لا يمكن ضبطه بعد انهيار دولة كبرى. وحين تفقد النخب القدرة على التمييز بين الأمرين، فإنها تتحول من أداة للفهم إلى أداة للعمى الجماعي.
لا يمكن اختزال الحرب الراهنة في البرنامج النووي الإيراني ولا في حدود النفوذ الإقليمي، منطقها أوسع من مبرراتها المعلنة، لأنه يتصل بإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط على نحو يجعل إسرائيل القوة الوحيدة القادرة على الحركة الحرة، والردع المطلق. وهذا يجعل أطروحة أننا نختلف مع إيران منذ عقود أطروحة محدودة تجاوزتها الأحداث. الأمر يتعلق الآن بالتوازن الإقليمي وبمن سيملأ فراغ إيران فيما لو أزيحت من مكانها؟ ومن يمكن أن يضع حدا لطموح إسرائيل في الهيمنة الإقليمية؟
ويمكن استدعاء تجربة العراق بعد 2003 من باب فهم ما يمكن أن يحدث. فلم يكن إسقاط الدولة العراقية حدثا عراقيا فقط. كان إعادة توزيع شاملة للقوة والفوضى والفراغ في المنطقة. انهارت مؤسسات، وتفككت بنية دولة مركزية، وخرجت من تحت الركام قوى أكثر عنفا وأشد فوضوية. ما حدث آنذاك كان يجب أن يترك في العقل العربي مناعة ضد وهم إسقاط الدول الكبرى من دون تصور لما بعدها. لكن ما نراه اليوم يوحي بأن الذاكرة السياسية العربية تتذكر خصوماتها أكثر مما تتذكر دروسها.
وهذا بالضبط ما يفسر هشاشة الخطاب السائد. فهو خطاب لا ينظر إلى الحرب من زاوية النظام الإقليمي، بل من زاوية الثأر الرمزي. يرى الضربة ولا يرى ما بعدها. يحتفي باللحظة ولا يفكر في البنية التي ستنشأ بعدها. والظاهر أن المشكلة هنا ليست في نقص المعلومات، بل في غياب الخيال الاستراتيجي. وهذا أخطر، لأن نقص المعلومات يمكن تعويضه، أما غياب الخيال السياسي فيحوّل المجتمعات إلى أسرى للحظة.
وفي مثل هذه اللحظات، يفترض أن يتقدم المثقف خطوة على السياسي، لا أن يتأخر عنه. السياسي تحكمه ضرورات الدولة وحسابات المصلحة وضغوط اللحظة. أما المثقف فوظيفته أن يرى أبعد، وأن يردم الفجوة بين الحدث ومعناه، وأن يحذر من تبسيط الحدث، ومن اللغة عندما تصبح أداة للتجييش فيما كان خليق بها أن تكون أداة للتفسير. ما جرى في هذه الحرب أن بعض الخطابات الثقافية انزلقت إلى اللغة الأسهل: لغة المذهب، والتخوين، والتحريض، والشماتة، وكأنها تخلت طوعا عن دورها المعرفي لحساب انفعال جماعي عابر.
وهذا ليس إخفاقا ثقافيا فقط، إنه إخفاق سياسي أيضا؛ لأن الأمن لا تصنعه الجيوش وحدها، تصنعه كذلك الطريقة التي يفكر بها المجتمع في الخطر. وإذا كانت النخب عاجزة عن إدراك أن إسقاط إيران أو دفعها إلى الفوضى لن يفتح بالضرورة أبواب الاستقرار، إنما سيفتح أبوابا أوسع للفوضى والهيمنة الجديدة عبر إعادة بناء الإقليم بعيدا عن المصالح الخليجية وأكبر من ذلك بعيدا عن استقلال قرارها الداخلي.. فإن الخلل لا يعود في تقدير الموقف وحده، إنما في البنية الذهنية التي تقرأ الإقليم نفسه.
ما تكشفه هذه الحرب أن أزمة الخليج ليست في نقص أدوات الحماية وحده، بل في محدودية التصور الذي حكم معنى الحماية نفسه. فالأمن يقوم بشكل أساسي على امتلاك قراءة دقيقة لبنية الإقليم، ولمصادر الاختلال فيه، وللنتائج التي تترتب على انهيار توازناته الكبرى. ومن دون هذا المستوى من الوعي، قد تتحول عناصر القوة ذاتها إلى عناصر طمأنينة زائفة، وقد تجد الدول نفسها مسلحة جيدا، لكنها أقل قدرة على فهم العالم الذي تتسلح لمواجهته.
قد تنتهي هذه الحرب قريبا أو تمتد، وقد تهدأ جبهاتها قبل أن تهدأ آثارها. لكن السؤال الذي فرضته على الخليج سيبقى أبعد من زمن المعركة نفسها: هل يملك الإقليم نخبا قادرة على التفكير في أمنه خارج الانفعال المذهبي والذاكرة المجروحة، أم أنه ما زال يقرأ أخطر تحولاته بعقل لا يميز بين الخصومة والرؤية؟ ففي لحظات التحول الكبرى، لا يكون الخطر في الحرب وحدها، إنما في العجز عن قراءتها.
عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة «$»
