التعليم وأسئلته الكبرى

23 مارس 2026
23 مارس 2026

يبدو أن جائحة كورونا (كوفيد 19) لم تكن مجرد اختبار لصمود استمرارية التعليم والتعلم فحسب؛ بل باتت ممهدًا لطرح أسئلة التعليم (الجريئة) في مختلف النظم التعليمية، وعلى تباين منطلقاتها الفكرية والثقافية. فالمتتبع للمتغيرات في هذا السياق يجد أن المسألة لم تعد محصورة على «قضية التعلم الإلكتروني» أو «المنصات التعليمية»، بل أصبحت تمتد لسؤال جدوى الأشكال المتعارف عليها للتعليم؟ وما الذي يجب على نظم التعليم أن تستبدله من «معايير»، أو تحدثه من «أنماط». فمن الحديث عن «محفظة الشهادات المصغرة» التي تلغي الحاجة إلى الدرجات الأكاديمية بشكلها التدرجي التقليدي، إلى النداءات بضرورة ربط المدرسة ككيان حي بالطبيعية وتحريرها من الأسوار، إلى الدفع بفكرة التعلم باللعب كنموذج أساسي لأنماط التعلم وليس مجرد (نشاط تكميلي أو جانبي)، وصولًا إلى فكرة المدارس القائمة على المشاريع، كلها تحولات تجعل من الضرورة بمكان الانتقال من نطاق الثنائيات التي انحصر فيها التفكير في التعليم إلى نطاق أكثر جرأة وفي المقابل أكثر مسؤولية للتفكير في مستقبل النظم التعليمية، فلم تعد ثنائية (التعليم في مقابل سوق العمل)، أو ثنائية (الدرجة في مقابل المهارة والموهبة)، أو ثنائية (التعلم الإلكتروني في مقابل جدوى الاحتكاك الاجتماعي) هي الثنائيات التي تحكم الحديث والنقاش في مستقبل التعليم في العالم اليوم، بقدر ما أن هناك ثلاث منطلقات لأسئلته الكبرى حسب تقديرنا: كيف يكسر التعليم الحاجز مع حركة التقنية المستمرة التي أضحت قادرة على استبدال كل شيء تقريبًا في قلب النظام التعليمي؟ وكيف يكسر التعليم الحاجز مع حركة المجتمع وشبه العزلة التي يعيشها الطلبة بانغماسهم في التعلم عن الواقع المجتمعي وحركة الإنتاج والمشكلات المجتمعية القائمة؟ وكيف يكسر التعليم الحاجز مع معاييره وأنماطه وتقاليده التي عهدها طوال عقود، سواء فيما يتعلق بأزمنة التعلم، أو المسارات التعليمية، أو فضاء التعلم نفسه؟ هذه الأسئلة في تقديرنا ستحدد الكثير من ملامح النظم التعليمية في المستقبل، متى ما كانت هناك إجابات (واضحة) لها تنطلق من تصورات متكاملة، لا يقودها النظام التعليمي وحده، بل تقودها مشاركة المجتمعات في صياغة عقد التعليم القادم، ويقودها تقاطع الاختصاصات في تحديد ما يحتاجه المتعلم فعليًا في العقد القادم، ويقودها منطق التكامل بين المؤسسات في دفع التعليم نحو تحقيق التنافسية، وتعزيز الإنتاجية، وعدم إغفال اجتماعية الفرد وصيرورته في المجتمع الذي ينتمي إليه.

لنأخذ بعض الإشارات البارزة على هذه التحولات؛ فاعتماد بعض الدول والشركات لنظام ما يُعرف بـ «الشهادات المصغرة Micro-credentials» كبديل عن الدرجات العلمية (الأكاديمية)، وسعي بعض الدول لوضع أطر وطنية للاعتراف بها يمثل نقلة نوعية في مسارات التعليم في العالم، وفي علاقة مخرجاته بمؤسسات الإنتاج، وبإعادة تعريف (المتعلم) نفسه، وتقول اليونسكو حول هذه الشهادات أنها «تمهد الطريق لمقدمي التعليم العالي غير التقليديين، وخاصة أولئك الذين يمثلون جانب الطلب، مثل الشركات والهيئات المهنية، لتطوير برامج تعليمية صغيرة كجزء من نظام تعليمي وطني والمساهمة في زيادة أهمية البرامج التعليمية».

ومن الإشارات المهمة كذلك، وخاصة في ظل سؤال (الذكاء الاصطناعي) الكبير، اتجهت بعض النظم التعليمية – وإن بشكل جزئي لم يصل إلى مستوى أطر وطنية معتمدة – إلى تبني ما يُعرف بـسياسات التقييم المقاوم للذكاء الاصطناعي (Authentic Assessment، وهي عملية تقييم لأداء الطلبة لا تعتمد على الاختبارات أو الأسئلة المكتوبة أو القائمة على الحفظ والتذكر أو تلك التي يمكن الاستعانة فيها بأنماط الذكاء الاصطناعي، وإنما جعل عملية التقييم حية من خلال السؤال والمحاججة الشفهية، واتساع التقييم ليشمل رصد ردود فعل المتعلم، وتتبع آليات التفكير الحية أثناء إجابته أو تفاعله، وتقييم القدرة على التحليل والتفكير المباشر، وليس فقط مجرد الكفاءة المعرفية أو المعلوماتية التي أصبحت اليوم نظم الذكاء الاصطناعي بأشكالها المختلفة تستبدلها بكل سهولة، بل وتتجاوزها.

كذلك تبرز بعض التجارب النوعية التي تم رصدها، والتي قد تكون موجهًا لمستقبل النظم التعليمية في العالم ومنها تجربة «كلية تالاهاسي المجتمعية» في الولايات المتحدة، عبر مشروع السكك الحديدية الرقمية، والتي رصدها المنتدى الاقتصادي العالمي كإحدى الممارسات الرائدة في مدارس المستقبل، حيث يتم التعلم في مقطورات مجهزة بالروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد والواقع الافتراضي، ومن خلالها يحصل المتعلم على مهارات رقمية، تُمكّنهم من ربط المهارات التي تعلموها في أي درس بمساراتهم المهنية المستقبلية.

قد لا يسع المقال حصر بعض التجارب أو الإشارات التي تكاد ترصد بشكل يومي، وتطرح أسئلتها الكبرى على النظم التعليمية، غير أن المستقبل يستوجب أن نفتح المجال للتجربة، وأن تتاح الفرصة لخلق معايير جديدة، وإن كانت بشكل جزئي، وهنا يأتي حسب تقديرنا أهمية فكرة «اللامركزية في النظام التعليمي»، فاللامركزية يجب ألا تكون فقط بمفهومها الجغرافي والإداري، بل أيضًا من خلال تمكين وحدات النظام التعليمي وأجزائه المختلفة من التجربة، والتفاعل مع الواقع بأطر وأفكار جديدة، على مستوى محتوى التعلم، أو العلاقة بمؤسسات العمل والإنتاج، أو على مستوى آليات وطرق التدريس، أو حتى في مستوى تقييم شخصيات المتعلمين، أو في الطريقة التي يرى بها الدور الأنسب للمجتمع في خلق مستقبل التعلم. إن التعلم القائم على الممارسة، والتجريب، والتلعيب، وفكرة «المدرسة/ المصنع»، ووكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على استبدال الأدوار التقليدية للفاعلين التعليميين، وأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تستطيع خلق محتوى تعليمي متجدد ومخصص لشخصيات الطلبة كل على مسار تعلم خاص به، وفكرة «المدرسة بلا أسوار» تلك المرتبطة بحركة الطبيعة والحياة الاجتماعية والاقتصادية والملامسة لها بشكل مباشر، كلها نتاج تجريب، بعضها أثبت نجاعته، وبعضها ظل نجاحه محكومًا بحيثيات السياق الثقافي والاجتماعي والتربوي الذي جرب فيه. هذه ليست دعوة لأن يكون نظام التعليم مساحة للتجريب العشوائي، وإنما لاختبار الأفكار المؤسسة والقائمة على دلائل وقرائن علمية واضحة، والمؤصلة بدراسات رصينة عابرة للاختصاصات وموجهة نحو التطوير بشكل مباشر.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع، والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان