التعليم أثناء الأزمات
14 مارس 2026
14 مارس 2026
أصبحت الأزمات خلال السنوات العشر الأخيرة واقعا تعيشه دول العالم في ظل تنامي النزاعات الجيوسياسية والاقتصادية إضافة إلى الأزمات الصحية والكوارث الطبيعية وغيرها، ولذلك فإن هذه الأزمات على تنوعها وتتابعها المستمر، تشكل تحديا مباشرا للمجتمعات على كافة المستويات، خاصة تلك التي تمس أنماط الحياة وطرائق العيش والصحة النفسية.
ولأن التعليم أحد تلك القطاعات الحيوية التي تؤثر في الأزمات وتتأثر بها، فإنه يمثل تحديا واسع النطاق من حيث قدرته على احتواء الأزمات ومرونته في التعاطي معها، ولذلك فإن مفهوم التعليم أثناء الأزمات يرتبط بالنظرية التعليمية والسياسية والممارسة الفعلية، من حيث فهم العلاقة بينهما والخلل الوظيفي الذي يمكن أن تحدثه الأزمات في البيئة الاجتماعية للتعليم باعتبارها نمطا مغايرا في الممارسة.
لذا فإن التعليم يرتبط بالأزمات من خلال مجموعة من العلاقات المتشابكة ذات الأبعاد المعرفية والاجتماعية والنفسية؛ فاستمرار التعلم، وتقديم العون الاجتماعي والدعم الإنساني للطلاب والعاملين في القطاع التعليمي، ورفع المرونة النفسية والقدرة على مواجهة التحديات التي يمكن أن تفرضها تلك الأزمات، وإكسابهم المهارات اللازمة للتعامل مع الأزمات ومراحل التدخل، تمثل قيمة اجتماعية ومعرفية تنعكس على جوهر العملية التعليمية والأكاديمية.
لقد عانى العالم من عدة أزمات كان فيها التعليم الواجهة التي تصدت لتلك الأزمات عبر مجموعة من الإجراءات والسياسات التي استحدثتها الدول بغية إيجاد بيئة تعليمية يمكنها الصمود في وجه المتغيرات الطارئة.
فقد عملت المنظمات والمؤسسات التربوية والأكاديمية على إيجاد وسائل ناجعة تضمن حماية الطلاب في مراحل التعليم المختلفة من الانقطاع عن التعليم من ناحية، وتوفير إمكانات الاستقرار النفسي خاصة خلال الأيام الأولى من تلك الأزمات من ناحية أخرى.
واليوم ونحن في ظل هذه الأزمة الجيوسياسية التي أدت إلى تداعيات عسكرية، تأثرت بها دول المنطقة كلها، فإن إيجاد سياسة واضحة للتعليم في ظل الأزمات في حاجة إلى أطر مرجعية ذات إجراءات تساعد المؤسسات على تعزيز جاهزيتها لمواجهة تلك التحديات، وتدريب الطلاب على الإجراءات والممارسات التي يمكن أن توفر لهم الحماية التعليمية، إضافة إلى أهمية تعزيز مرونتهم النفسية والاجتماعية للتعامل الأكفأ مع تلك الأزمات.
يقدم الدليل الإرشادي (التعليم في أثناء الأزمات)، الذي أصدره المركز العربي للبحوث التربوية لدول الخليج، واقع وزارات التربية وإدارات المدارس في الدول الأعضاء في مكتب التربية العربي لدول الخليج، وتلك السياسات والأدوار التي تقوم بها في الحالات الطارئة لضمان استمرارية التعليم وتعزيز مشاركة الطلاب، إضافة إلى رصد آليات التقييم المنتظم والاستفادة من التغذية الراجعة المناسبة وفق متطلبات المراحل الحرجة للأزمات.
ويقترح الدليل بروتوكولات وإجراءات إدارة الأزمة التي تضمن استجابات فاعلة، تبدأ من تحديد جهات الاتصال ومتابعة تنفيذ تلك البروتوكولات لتقييم فاعليتها وتحسين استجابة الطلاب والمعلمين والعاملين في القطاع التعليمي، إضافة إلى برامج تقييم تأثيرات ما بعد التعافي، وإعداد برنامج التعافي لاستقرار النظام التعليمي، كما يقدم الدليل تصورا مقترحا (لإدارة التعليم في أثناء الأزمات في دول الأعضاء)، يشمل المتطلبات اللازمة لتنفيذ ذلك التصور الاستراتيجي والتحديات المحتملة وخطوات التحول نحو التطبيق.
وتأتي أهمية هذا الدليل في رصد واقع التعليم في ظل الأزمات المختلفة، التي أصبحت متعددة ومتغيرة ومستمرة من ناحية، وتقديم رؤى وتصورات يمكن الاستفادة منها في إعداد استراتيجية وطنية في كل دولة تسهم في تخفيف الاضطرابات التي يواجهها التعليم، والتقليل من فرص الأخطاء في القرارات الطارئة غير المدروسة القائمة على المبادرات السريعة التي تحاول احتواء الأزمات أيا كان نوعها.
إننا اليوم في حاجة ماسة لإيجاد رؤية وطنية واضحة لإدارة التعليم أثناء الأزمات، لا تعول إلى تحويل الدراسة إلى نظام التعليم عن بعد وحسب، بل تقيم تجربة هذا النظام التعليمي ومدى قدرته على استيعاب القدرات الطلابية، كما تضمن التخفيف من الفاقد التعليمي بينه وبين التعليم المنتظم من خلال مجموعة من الإجراءات ذات كفاءة عالية تهدف إلى استخدام حلول إلكترونية ممكنة قادرة على سد الفجوة بين الأنظمة التعليمية المختلفة، وتحقق المساواة بين الطلاب وشمولية التعليم بما يضمن إتاحته للجميع بالكفاءة والجودة ذاتهما.
ونحن إذ نحتاج إلى رؤية وطنية لإدارة التعليم أثناء الأزمات فإن ذلك لا يعني الاحتواء المعرفي وحسب، بل أيضا تقديم إجراءات واضحة لتعزيز رفاهية الطلاب في البيئة التعليمية اعتمادا على (حق التعلم)؛ وهذه الرفاهية تقوم على التنمية الاجتماعية والعاطفية النفسية، التي يجب أن ترتكز على أنظمة وسياسات توفر الاستقرار والشعور بالاطمئنان، وبالتالي الحفاظ على التواصل الفاعل والدعم النفسي الذي يرسخ مفاهيم البيئة التعليمية القائمة على المشاركة والتعاون والدعم المتبادل.
ولهذا فإن هذه الرؤية لا توفر البيئة الداعمة وحسب بل تقدم بروتوكولات واضحة للإدارات الأكاديمية والتعليمية لما يمكن تنفيذه من سياسات وإجراءات تعزز فاعلية التعليم أثناء الأزمات، وتخفف من الفاقد التعليمي الذي يحدث عادة بسبب الأساليب التعليمية المختلفة بين المناطق التعليمية، إضافة إلى تلك الإجراءات التي تعزز الصحة النفسية والاجتماعية للطلاب والتكيف مع الظروف والقدرة على الصمود.
إن هذه الرؤية عليها أن تقوم على مجموعة من أساليب التقييم والمراجعة والرصد للخطط والبرامج والسياسات التي اعتمدت عليها في كل مرحلة، بل وفي كل أزمة من الأزمات، ضمانا للتحسين وتعزيزا لمرونتها في التعامل مع تلك الأزمات، ومدى قدرة المؤسسات على تطبيقها وتنفيذها وفقا لما تقتضيه المرحلة أو الحاجة، فأهمية تلك الرؤية تكمن في مرونتها وشموليتها واستجابتها لمتطلبات المجتمع التعليمي، حيث تقوم على أطر تعليمية ومعايير أساسية هي « حسب الدليل الإرشادي » (الجاهزية والاستجابة والتعافي).
إن الرؤية الوطنية لإدارة التعليم في ظل الأزمات، وفق هذه المعايير تضمن جودة الجاهزية التعليمية، ودعم فرص التعليم الآمن والشامل للجميع، بما يتطلبه تحقيق رفاهية التعليم في البيئة التعليمية سواء كانت بيئة مدرسية أو جامعية أو بيئة افتراضية قادرة على تحقيق الأهداف التعليمية من خلال تقديم تعليم بكفاءة عالية أثناء الأزمات يضمن (التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع).
فالتعليم بوصفه أساسا مجتمعيا يعمل درعا يحمي المتعلمين، ويهيئهم ليكونوا قادرين على مواجهة التحديات ويسهم في تعزيز مرونتهم وقدرتهم على الصمود، ولهذا فإن السياسات التعليمية والأكاديمية التي توفرها الدولة، إضافة إلى وعي المجتمع بأهمية دعم الأطفال والناشئة والشباب وتوفير بيئة مناسبة لهم للتعلم، ودعم صحتهم النفسية، فحماية حقوق الأبناء وتعزيز مرونتهم وصحتهم النفسية ليس دور المؤسسات التعليمية والأكاديمية وحسب بل هو دور أصيل للأسرة والمجتمع.
فلنكن جميعا حماة لأبنائنا من خلال حماية حقوقهم التعليمية والاجتماعية والعاطفية خاصة في ظل الأزمات، ولن يكون ذلك سوى بالعمل مع المؤسسات المعنية وفق مقتضيات المرحلة وتداعيات الأزمات، فكلنا يد واحدة تحمي الأبناء وتبني الوطن وتصون مكتسباته، وليس هناك أغلى مكتسب من الإنسان.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة
