التضليل والخداع الأمريكي والسيطرة الصهيونية

04 مارس 2026
04 مارس 2026

كشف الحوار التلفزيوني المهم لمعالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية لشبكة سي بي أس الإخبارية الأمريكية عن تفاصيل دقيقة حول سير المفاوضات الأمريكية الإيرانية فيما يخص الملف النووي الإيراني خاصة جولة جنيف الأخيرة، وكيف كان هناك اختراق دبلوماسي في عدد من النقاط الخلافية، بل إن هناك موافقة إيرانية حول قضايا التخصيب وموضوع إرسال المواد عالية التخصيب إلى خارج إيران والاتفاق على مناقشة تلك التفاصيل الفنية في اجتماع كان مقررًا له الاثنين الماضي في مقر وكالة الطاقة الذرية.

على ضوء ذلك الحوار الموجه للرأي العام الأمريكي والنخب السياسية في واشنطن والعالم كانت جولات المفاوضات سوف تتواصل سواء في مسقط أو عواصم أخرى، ولم يكن يدور في خلد أحد أن الإدارة الأمريكية تحضر لحرب عدوانية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ومن هنا تكرر إدارة ترامب التضليل والخداع الذي حدث في يونيو الماضي عندما كانت جولات المفاوضات تتواصل، ومع ذلك شن ترامب هجمات عسكرية ضد إيران دون مسوغ قانوني علاوة على أهمية الكونجرس؛ حيث شن العدوانين الأول والثاني دون إخطار أهم مؤسسة تشريعية في الولايات المتحدة الأمريكية مما جعل هيبة هذه المؤسسة التشريعية تفقد هيبتها الدستورية. إن هذا الرجل الذي يجلس في البيت الأبيض أدخل العالم في معترك حرب إقليمية وتداعيات خطيرة أضرت بدول مجلس التعاون الخليجي، وأضرت بالتجارة العالمية وسلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة، وشتتت ملايين الناس في المطارات، وخلقت حالة من عدم الاستقرار.

إن السيطرة الصهيونية على ترامب كبيرة؛ حيث إن مسألة شن الحرب لها علاقة وثيقة باللوبي الصهيوني الذي دفع ملايين الدولارات لتمويل حملته الانتخابية عام ٢٠٢٤ علاوة على أن الكشف عن ملفات إبستين المخزية أخلاقيا وإنسانيا أضاف بعدا جديدا للسيطرة على ترامب.

إن شن الحرب على إيران والمفاوضات الدبلوماسية تتواصل تنم عن افتقار للكياسة السياسية ودليل دامغ على أن الرئيس الأمريكي رجل لا يفقه في السياسة الدولية، ويتحرك وفق صفقات تكون أحيانا مضرة بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

ولعل التحذيرات والتحفظات التي صدرت من بعض رجال الكونجرس وحتى من عدد من القيادات العسكرية حول مخاطر شن الحرب لم يستمع لها؛ لأن الضغط الصهيوني كان عليه محكمًا.

ومن هنا فإن الرئيس الأمريكي أصبح يتخبط في سياسته الخارجية، خاصة وأن فريق الإدارة بمن فيهم ستيف ويتكوف وكوشنر يعدون من أعمدة الصهيونية العالمية علاوة على وزير الخارجية روبيو الذي شن مؤخرًا حملات على الدين الإسلامي الحنيف، وهو أحد رجال الإدارة المتعصبين.

إن إدارة ترامب هي إحدى أسوأ الإدارات في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الحديث، وهو ينطلق مع أفكار المشروع الصهيوني العالمي والذي تعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية إحدى العقبات الكبيرة لتحقيقه في المنطقة العربية.

إن الحرب الحالية هي من خطايا ترامب التي لا تغتفر في وقت كانت جولات المفاوضات تتواصل بشكل جيد، وكانت هناك مرونة إيرانية كبيرة يمكن أن يبنى عليها اتفاق نووي عادل ومنصف ومستدام يؤدي إلى استقرار المنطقة، ويزيل أي مخاطر فيما يخص الملف النووي الإيراني ـ كما أشار إلى ذلك وزير الخارجية خلال حواره المهم مع سي بي أس الإخبارية الأمريكية.

إن حوار معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية لشبكة سي بي أس الإخبارية قد كشف الادعاءات التي تقول إن إيران لم تتجاوب.

ثانيا: كيف يمكن استيعاب وجود مفاوضات جادة وادارة ترامب تعد للحرب بعد زيارة المتطرف نتنياهو الذي يعد أحد مجرمي الحرب في العالم. إن مصداقية ترامب أصبحت في الحضيض، ويصعب تصديق الرجل في ظل تناقضات يومية في تصريحاته، بل إن عددا من المؤسسات الأمريكية تواصل الهجوم على سياسته علاوة على عدد من حكام الولايات الأمريكية، كما أن هجومه المزري على وسائل الإعلام والصحافة الأمريكية يعطي فكرة عن أسلوب الرجل الذي أصبح يتخبط في إدارة السياسة الأمريكية داخليا وخارجيا، بل إن سلوكه السلبي تجاه قرارات المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، ووصف قضاة المحكمة بالجهلة يعطي مؤشرًا على ضحالة الرجل السياسية والفكرية.

وفي تصوري أن أحد أهداف الحرب التي تشنها إدارة ترامب والكيان الصهيوني على إيران خلق عداء ومواجهة عسكرية بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي من خلال إطلاق شرارة الحرب التي أصبحت كارثية على المنطقة والعالم، وحذرنا كثيرا في مقالات عديدة من الوصول إلى هذه النتيجة. إن الحرب التي شنها ترامب على ايران ليس لها علاقة بالمصالح الأمريكية، ولكن تلك الحرب جاءت تلبية للضغط الصهيوني على رئيس يتظاهر بالقوة، ومن خلال تصريحاته هناك إدراك في المؤسسات الأمريكية بأن الرجل ينفذ أدوات المشروع الصهيوني العالمي من خلال سيطرة الكيان الصهيوني على مقدرات المنطقة وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى وقضم الجغرافيا العربية من الفرات إلى النيل كما اكد علي ذلك سفير أمريكا في إسرائيل مؤخرا.

إن تداعيات الحرب في المنطقة خطيرة، وعلى العقلاء أن يتحركوا لوقف هذه الحرب الشيطانية التي أرادتها الصهيونية العالمية، خاصة وأن الأضرار الاقتصادية والأمنية كبيرة جدا، وإذا تواصلت الحرب فإن الخطر علي المنطقة كبير. وقد تتدحرج الأمور إلى ماهو أسوأ من ذلك، خاصة وأن ترامب لا يهمه دول المنطقة أو مصالحها. بل إن الدفاع عن دول المنطقة أصبح خارج مخططات ترامب؛ حيث إن الحماية هي للكيان الصهيوني.

ومن هنا تبرز نتائج مهمة كشفت عنها مسارات الحرب فيما يخص الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي؛ حيث إن المراجعة الاستراتيجية للحليف الأمريكي أصبحت ضرورة فيما يخص الأمن والاستقرار. إن دول مجلس التعاون الخليجي لابد أن تراجع أمنها الجماعي من خلال حلف عسكري خاص بدول المجلس لحماية دول الخليج العربي من أي مخاطر.

ولعل مشروع الجيش الخليجي الموحد أصبح ضرورة؛ حيث إن الحليف الأمريكي أصبح خارج التغطية ـ كما يقال ـ، وهذه إحدى اكبر المفاجآت في الحرب الحالية حيث أشار وزير الخارجية الأمريكي روبيو أن الحليف الاستراتيجي هي إسرائيل، أما الحلفاء التقليديون فهم ليسوا بقوة إسرائيل بمعنى أنهم عبء على استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد أدخل ترامب المنطقة والعالم في أتون حرب كارثية حتى على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية والشعب الأمريكي، وخلق فوضى عارمة غير مبررة، وأصبح ينادي بتغيير الأنظمة من خلال الغزو العسكري، وهذه من الأمور الخطيرة في العلاقات الدولية. بل إن ترامب جعل دور الأمم المتحدة هامشيًا، ويريد تصفية المؤسسات الدولية، وأن يكون مجلس السلام الوهمي هو الذي يدير الصفقات في العالم؛ بمعنى أن ترامب يريد أن يدير العالم من خلال الصفقات ضاربًا القانون الدولي عرض الحائط، وهو فكر فوضوي لا يستقيم ونواميس العالم التي تؤطر للعلاقات الدولية، وتنسجم مع السلوك السياسي، وحل القضايا من خلال الدبلوماسية والحوار للوصول إلى حلول تؤدي إلى إحلال السلام والاستقرار. لقد لعبت الدبلوماسية العمانية دورًا محوريًا في الملف النووي الإيراني. وكشفت المقابلة التلفزيونية لمعالي السيد وزير الخارجية الجهود التي بذلتها سلطنة عمان بكل إخلاص ومصداقية بهدف إنقاذ المنطقة والعالم من الحرب الكارثية التي لصبحت حقيقية ومدمرة.

ورغم الحرب ستظل جهود سلطنة عمان وقيادتها الحكيمة بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ متواصلة لإنقاذ المنطقة والعالم من العبث السياسي والأمني الذي خلقه ترامب، وهو يردد سردية ضعيفة ليس لها مصداقية عندما يتحدث عن أسباب شن الحرب علي الجمهورية الإسلامية، ومنها أن الصواريخ الإيرانية سوف تكون قادرة خلال مرحلة محددة على الوصول إلى الأراضي الأمريكية، وهي مقاربة تنم عن تضليل وخداع للرأي العام الأمريكي أولا، والعالمي ثانيا.

حفظ الله بلادنا سلطنة عمان وقيادتها الحكيمة والشعب العماني والمنطقة من هذه الشرور والغطرسة؛ إنه سميع مجيب الدعاء.