«التخطيط الاستراتيجي» بين المعيارية والتحسين المستمر

29 أبريل 2023
29 أبريل 2023

قبل التعمق في أشكال التخطيط ونماذجه، وجب أن نتأمل في المفهوم العام للتخطيط الإستراتيجي Strategic Planning، حيث نجد أنه يعرف بالعملية المعول عليها تفنيد أهداف بعيدة المدى وتحديد غاياتها، وتحليل نقاط قوتها وضعفها، ووضع خطة عمل مشتركة بين القطاعات أو ضمن القطاع الواحد، ومراقبة التقدم نحو تلك الأهداف وفق إطار الرؤية العامة. وقد يتساءل البعض عن أهمية التخطيط الإستراتيجي؟ تكمن أهمية التخطيط على المستوى الشامل في تركيز الجهد والموارد ومواءمة السياسات العامة للقطاعات المستهدفة، بالإضافة إلى تجويد القرارات المتخذة بما يخدم الصالح العام. أما الآن وقد اتفقنا على مفهوم عملية التخطيط على المستوى الاستراتيجي، وجب علينا تحديد منهجيات دقيقة لتطبيق هذا التسلسل المنطقي على الواقع العملي. مما سلف، يمكننا أن نسترسل في بعض منهجيات التخطيط المتعارف عليها ومن ثم توضيح تفضيلات استخدام كل منهجية حسب القيمة النهائية المأمول بلوغها، أو الحصيلة العامة من مسار التنفيذ. ونجد أن أهم منهجين يتم اعتمادهما من قبل بيئات مؤسساتية عالمية المستوى -حيث سنضرب أمثلة مواتية لاحقًا- هما؛ Scrum Methodology وMethodology Waterfall. ويمتاز كل منهج بخصائص تجعله ملائما لبيئات عمل معينة، وفي حالات خاصة، قد يكون الدمج بين المنهجين وتضمينهما في مسار عمل المشروعات خيارًا ثالثًا. كما سنوضح المكونات الأساسية للتخطيط الإستراتيجي الناجح بالاستعانة بالمنهجيات المذكورة.

بعض منهجيات التخطيط

منهجية «الشلال» Methodology Waterfall: والتي يمكن اعتبارها نهجا إداريا خطيا ومتسلسلا. يتبع منهج الشلال مسارا منظما ومرحليا، حيث يُشترط إكمال كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية. في هذا المنهج، عند إدارة مشروع -مثلا- يتم تقسيم الدورة التنفيذية للمشروع إلى عدة مراحل، بما في ذلك التخطيط، وجمع الموارد، والتصميم، والتطوير، والاختبار وصولا إلى مرحلة التسليم أو الافتتاح. في هذا المنهج، بمجرد اكتمال مرحلة واحدة، من الصعب العودة وإضفاء تعديلات جوهرية أو حتى متوسطة على المشروع، ويجب أن تمر أي تغييرات من خلال طلبات تغيير رسمية تتفق عليها الأطراف المتعاقدة والمالك أو المشرّع. تعمل هذه المنهجية بشكل جيد مع المشروعات ذات المتطلبات المحددة جيدًا والنتائج المتوقعة. ومع ذلك، يمكن أن تكون أقل قابلية للتكيف مع المتغيرات في احتياجات الفئة المستهدفة أو متطلبات القطاعات المشاركة في مسار المشروع المعني تنفيذه. وفي كثيرٍ من الأحيان نجد هذا المنهج حاضرًا في أنماط الإدارة التقليدية.

ثانيًا منهجية سكرم Methodology Scrum: وهي منهجية تتسم بإطارها الحلقيّ المرن، والقابل للتكرار بطرق أخرى أشد فاعلية، وتستخدم في تطوير المشاريع التي تتطلب التعاون بين مؤسسات متعددة حسب الاختصاص أو بقصد تعظيم الفائدة بين مجموعة قطاعات وخلق فرص متعددة ومتوازية الاتجاهات. كما يمتاز هذا الأسلوب بالقدرة على التكيف مع الأحداث العامة والتحسين المستمر للأداء وفق التغذية الراجعة والتجارب المستفاد منها. يتمحور منهج سكرم Scrum حول تقسيم مراحل الإنجاز في تكرارات قصيرة تسمى Sprints أو بالترجمة الحرفية (سباقات السرعة)، مع كل Sprint تكون هنالك مرحلة إنجاز أخرى مخطط لها ومعرفة مسبقًا. ومن باب المقاربة مع نماذج عالمية استفادة من هذا النموذج التخطيطي، يُعرَف وادي السيليكون Silicon Valley بكونه مركزًا للتكنولوجيا والابتكار على مستوى العالم، وأحد العوامل الدافعة وراء نجاح الشركات الأمريكية المتمركزة أو التي نشأت من تلك المنطقة؛ هي قدرتها على التكيف بسرعة مع ظروف ومتطلبات السوق المتغيرة. إذ أن إحدى الطرق التي تمكنت بها شركات وادي السيليكون من القيام بذلك هي استخدام منهج السكرم Scrum. وكما أسلفنا سابقًا، وبالإضافة لميزة إطار العمل الرشيق والمرن الطابع التي تتيحها هذه المنهجية يكمن الفارق الفعلي في العمل بشكل تعاوني مع مؤسسات أخرى لتقديم منتجات عالية الجودة بطريقة أكثر كفاءة وفعالية. وفي خضم هذا السعي، تتكون نظرة استشرافية لحل مشكلات مصاحبة لكل Sprint، مما يتيح فرصة جديدة لخلق وظائف ومهمات أخرى، وفي كثير من الأحيان تسند هذه المشكلات المتفرعة للمعالجة من قبل شركات صغرى أو متعاقدين آخرين يستفيدون أيضًا من الدورة التنفيذية للمشاريع. ونجد أن قطاعات جديدة قد تخلق كنتيجة راجعة عن مراحل منهجية سكرم Scrum. ولو لخصنا ما قلناه، نجد أن المنهجية تعتمد على ثلاث ركائز: الوضوح والتقييس والتكيف. من خلال هذه الركائز، يمكّن منهج Scrum من تقديم تغييرات تدريجية صغيرة يمكن اختبارها على مراحل بسيطة وتحسينها وتجويدها لاستيعاب مراحل أبعد وأشد تعقيدًا. وعلى سبيل المثال، تبنّت الشركات التي نشأت في وادي السيليكون سكرم Scrum كأداة فعالة لانتقالها نحو تطوير منتجات جديدة وتوسيع صناعاتها.

نظرية التحسين المستمر

وبما لا يختلف عن ذات المبدأ، ولو نظرنا إلى تجربة مماثلة في أقصى الشرق، وبالتحديد في اليابان التي ازدهرت في وقت قياسي وفي ظل ظروف صعبة، سنجد نموذجًا آخر للتخطيط مشابها لمنهج سكرم Scrum، يعرف بمنهجية كايزن Kaizen (باليابانية: 改善). والمتأمل لغويا يجد أن الكلمة تتكون من شقين هما: “Kia - 改” وتعني «التغيير»، و“Zen - 善”أي «الأفضل» أو «الجيد». ترتكز نظرية التحسين المستمر (لكايزن) على فكرة التغيير التنظيمي كجزء محوري للتخطيط واغتنام الفرص، حيث إنها تعتمد على التدريج في التخطيط وعامل الزمن والموارد المتراكمة. وبصورةٍ أدق، نظرية كايزن هي فلسفة تتلخص حول التحسين المستمر والتدريجي في الطريقة التي تتم بها الأمور.

التفاوت النسبي بين مخرجات التخطيط

كما تناقشنا مسبقًا في منهجيات التخطيط الأكثر استخدامًا؛ ذكرنا أن الشركات المتمركزة أو التي نشأت في وادي السيليكون بولاية كالفورنيا الأمريكية تعتمد منهج السكرم Scrum كعمود أساسي يقوم عليه التخطيط العام لمشروعاتها الاعتيادية أو التنافسية. حيث بات هذا النموذج معيارًا تستند إليه معظم الشركات، ووجدت الدراسات الأخيرة أن نسبة 71% من الشركات الأمريكية من مختلف القطاعات تعتمد المنهج في تكوينها الإداري. ولو أشرنا إلى التفاوت في نسب النجاح بشكل أدق، فإن المشاريع الإستراتيجية التي تعتمد هذا المنهج تتفوق بمرة ونصف عن تلك التي تعتمد على الأنماط الخطية التقليدية.

عناصر التخطيط الاستراتيجي

أمّا وقد شملنا بالتوصيف المبسط لبعض نماذج التخطيط، نشير إلى أن الاتفاق -الموضوعي- من حيث المبدأ يشدد على أن الخطط الاستراتيجية يجب أن تتكون من خمسة عناصر أساسية وهي: (1) خريطة الطريق (Road Map) المستنيرة والمفصلة لجميع الموارد والإمكانيات، بل وحتى الصعوبات والعوائق المحتملة أمام المشروع والإطار الزمني لتحقيق كل جزء من مراحل الخطة. (2) النظرة البراجماتية (Pragmatic View) القائمة على الموضوعية في تحقيق الأهداف والممارسات المهنية الكاملة في التطبيق وفق خريطة الطريق. (3) التنفيذ الهرمي السريع (Top-down agile execution) المرتكز على «الأفضل» من حيث الأداء والكفاءة والتعلم المستمر بين صفوف العاملين في المؤسسة الواحدة والقدرة على تبنّي عمليات تكرارية تسمح للعاملين بتقييم جميع الخيارات المتاحة لتحسين قدراتهم بسلاسة وانتظام، وكذلك إفساح المجال للمبادرات المبتكرة «الجمعية الطابع» والنابعة من أدنى الهرم الوظيفي. (4) فهم تأثير المتغيرات (Understand the impact of variables) والتفاعل مع الأحداث المصاحبة لطبيعة العمل -كالتنافس أو انخفاض الطلب أو تعرقل سلسلة الإنتاج والتوريد مثلا-، وهنا يطرح السؤال؟ هل تعد الخطط ثابتة المسار على المدى البعيد؟ لا، وهنا تكمن أهمية المرونة في التنفيذ وإلقاء النظرة الفاحصة لما يحدث على الأرض فعلا ومحاولة مواكبة الواقع المتجدد. (5) التغذية الراجعة (Corrective feedback) التي تسمح بنقاط العودة إلى جميع العناصر السابقة وتحسينها وتجويدها وفق التوافقات الزمنية والموضوعية المؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر على سير تنفيذ الخطط.

وائل بن سيف الكلباني كاتب عماني