الاستراتيجية الصناعية تتطلب صفقة جديدة مع القطاع الخاص

12 ديسمبر 2022
12 ديسمبر 2022

ترجمة: قاسم مكي -

تشهد الاستراتيجية الصناعية نهضة، فالبلدان حول العالم بدافع من أزمات متعددة مالية ومناخية وصحية تستثمر بكثافة في تعزيز نمو الاقتصاد ومرونته.

زادت الحرب في أوكرانيا بتأثيرها على سلاسل التوريد من أهمية هذا التوجه، فالاتحاد الأوروبي على سبيل المثال يستثمر أكثر من تريليوني دولار (ألفي بليون دولار) في التعافي والتحول الاقتصادِيَّيْن فيما يضخ الرئيس الأمريكي جو بايدن ما يزيد على تريليوني دولار في «استراتيجية صناعية أمريكية حديثة». وهنالك استثمارات مماثلة في دول أخرى من اليابان وإلى بلدان أمريكا اللاتينية.

في أكتوبر قارن كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس جو بايدن حجم الاستثمار والطموح الذي يكمن خلف الاستراتيجية الصناعية الجديدة للولايات المتحدة ببرنامج أبولو الفضائي (برنامج رحلات فضائية استهدفت به الولايات المتحدة إرسال أول إنسان إلى سطح القمر وفعلت ذلك في يوليو 1969- المترجم).

لكن هذا الطموح يمكن تحقيقه فقط إذا صُمِّمَت الاستراتيجية لتبني نوع جديد من النمو الاقتصادي. وما يشكل أهمية حاسمة في هذه الاستراتيجية الشروط التي يتعين على الشركات استيفاءها للحصول على الأموال العامة.

لكي تحقق الشركات شعار «إعادة البناء على نحو أفضل» بدلا من العودة إلى الوضع القائم المحفوف بالأزمات يجب أن يكون النمو شاملا (ليس إقصائيا) ومستداما. من أجل هذا الهدف على الحكومات عقد صفقة جديدة مع القطاع الخاص ورفع سقف ما تتوقعه منه مقابل التمويل الحكومي. هذا يتطلب التعامل مع هذه الشراكات (التي تنعقد بين الحكومة والشركات بموجب الاتفاق الجديد) باعتبارها فرصة لتعظيم القيمة العامة واقتسام مكاسب وأيضا مخاطر الاستثمار في الابتكار والنمو.

هنالك أربعة أنواع من الشروط التي يجب أن تنظر الحكومات في ربطها بالمشتريات الحكومية والمنح والقروض والحوافز الضريبية.

فحيثما يكون من أولويات السياسة الحكومية أن يكون الحصول على المنتجات والخدمات الممولة من الخزانة العامة متاحا لكل أحد يجب تسعيرها على هذا الأساس. مثلا ترخيص لقاح استرا-زينيكا الخاص بـ«كوفيد-19» والذي تم تطويره بمساعدة الاستثمارات الحكومية في البحث والتطوير والتصنيع والمبيعات السابقة للإنتاج اشتمل على شروط تتعلق بالحفاظ على انخفاض أسعاره وتقييد أرباح مبيعاته أثناء جائحة «كوفيد-19» وضمان اقتسام (عدم احتكار) المعرفة المتعلقة به لمصلحة الصحة العامة. هذا يناقض اتجاه التسعير الاحتكاري في صناعة المواد الصيدلانية والتسجيل الاستراتيجي لبراءات الاختراع منعا للمنافسة.

هذه الشروط يمكنها أيضا تشكيل الأهداف (أو المهام) التي يسعى إليها الاستثمار وتفرض معايير على الشركات. فالتخلص من انبعاثات الكربون في الصناعات الحالية والتوسع في الابتكار والنمو الأخضر من الأولويات.

ولمعالجة أزمة المناخ سنحتاج إلى دول ريادية لتشكيل وإيجاد الأسواق. (الدولة الريادية هي الدولة التي تستثمر في الابتكار والتقنية ولدى كاتبة المقال كتاب بهذا العنوان- المترجم).

الطاقة النظيفة في الولايات المتحدة هدف رئيسي للاستثمارات الأخيرة، كما يتم توجيه أموال تعافي الاتحاد الأوروبي نحو أهداف المناخ والشمول الرقمي.

يتطلب تحقيق هذا الأهداف ما يزيد عن مجرد الاستثمار في تقنياتٍ أو صناعات خضراء محددة، فالشروط المرتبطة بالتحول الأخضر العادل يجب تضمينها في كل استثمارات الاستراتيجية الصناعية، على سبيل المثال في حال إضافة طاقة تصنيعية جديدة يُشترط التقليل من انبعاثات الكربون وإيجاد وظائف تستوفي معايير العمل.

إضافة إلى ذلك يجب أن يكون الحصول على الأموال الحكومية مشروطا باقتسام نسبة من عوائد الترخيص أو حقوق الملكية والملكية الفكرية مع الحكومة. هذا سيمكِّن الدولة من انتهاج «مقاربة المحفظة» تجاه الاستثمارات وإدراك أن بعضها سينجح وبعضها سيفشل. فإذا كانت الحكومة الأمريكية قد استحوذت على حصص في شركة «تيسلا» لصناعة السيارات ومعدات الطاقة النظيفة مقابل تمويل المرحلة الأولية لمشروعها بمبلغ 465 مليون دولار لكان من الممكن إعادة استثمار حصيلة هذه الإيرادات في شركات أخرى تسعى لتحقيق أهداف التحول إلى الموارد المتجددة.

أخيرا، يمكن للحكومة دفع الشركات لتوجيه استثماراتها الخاصة بها نحو أنشطة منتجة. يتضمن قانون بايدن الخاص بالرقائق الإلكترونية والعلوم والذي يسعى إلى تعزيز ابتكار وتصنيع أشباه الموصلات بنودا تحظر على الشركات استخدام الأموال الحكومية لإعادة شراء أسهمها. لكنه حتى الآن لا يمنع الشركات التي تحصل على تمويل بموجب قانون الرقائق الإلكترونية من عمليات إعادة الشراء. وهذه ثغرة في القانون قادت إلى إطلاق دعوات باستحداث أحكام أكثر تشددا.

سبق للشركات التي ساندت تشريع هذا القانون إنفاق بلايين الدولارات على عمليات إعادة شراء الأسهم. فشركات أبل ومايكروسوفت وسيسكو وجوجل صرفت في مجموعها 633 بليون دولار على هذه العمليات في الفترة بين 2011 و2020.

كما يمكن أن تتطلب الشروط الصارمة للتمويل الحكومي إعادة استثمار الأرباح التي تتحقق في المستقبل في البحث والتطوير وتدريب قوة العمل.

الاستراتيجية الصناعية لا تزال قيد التشكيل والصياغة في بلدان عديدة، فقانون الرقائق الإلكترونية خصوصا يتيح فرصة لفرض هذه الشروط على الفور. وتشكل متطلبات «سياج الحماية» الحالية الخاصة بالقانون نقطة انطلاق جيدة. إلى ذلك، يعتمد تحول هذا القانون إلى محفّز للنمو الأخضر والشامل وليس «لرفاهية الشركات» على الشروط التي يتم تضمينها في إعلانات وعقود التمويل.

دون فرض شروط سيتبدَّد المال العام الذي ينساب إلى الاستراتيجيات الصناعية في أرباح الشركة وحملة الأسهم ولن يحقق سوى مكاسب هامشية فقط للمصلحة العامة. وتوظيف هذه الاستثمارات بطريقة صحيحة يجب أن يحظى بالأولوية في كل مكان.

ماريانا مازوكاتو أستاذة اقتصاديات الابتكار والقيمة العامة بكلية لندن الجامعية.

ترجمة خاصة لـ «$» عن الفاينانشال تايمز