إصلاح الحكومات للمناخ خرافة .. الأمر بأيدينا

15 نوفمبر 2021
15 نوفمبر 2021

بيل مكيبين

كان أمرًا ملهمًا أن نشاهد النشطاء -وبخاصة الشباب وأبناء جنوب الكوكب- في لحظة مضي مؤتمر جلاسكو المناخي في اتجاه نهايته الرخوة. وقفوا عند كل منعطف في النص، وظفروا بتنازلات مهمة من كبار البلاد الملوِّثة. وفي الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور، يبدو أن «التخلص التدريجي من الفحم» ودعم الوقود الحفري سوف يذكران في إحدى وثائق المؤتمر للمرة الأولى، وأنه سوف يتوافر المزيد من المال لبلاد الجنوب لـ»التكيف» مع الأزمة المناخية. لقد ترددت أصداء غضب النشطاء في القاعات، وبلغت أسماع كل أماكن العالم المنصتة. وأي نجاح لمؤتمر المناخ هذا إنما الفضل فيه لمثابرة هؤلاء النشطاء وإبداعهم.

ولكن هل هذا تحول عميق في طريقة تعاملنا مع الأزمة المناخية العالمية؟ لا، مؤتمر جلاسكو يمضي بنا قليلا على المسار، ويدفع حكومات العالم أكثر قليلًا، ولكن ما أحدثه من تغيير ليس كافيًا في الحقيقة. وبعد ست وعشرين إعادة باتت حقيقة مؤتمرات المناخ هذه واضحة: النتائج تكون إلى حد كبير محددة مسبقًا قبل الانعقاد. نعم هناك سلسلة لا نهاية لها من الحفلات والمسيرات والندوات وجلسات التفاوض والخطب والإنذارات والإعلانات وجلسات التصوير، ونعم، يعمل الجميع بجد لتكوين إحساس درامي (وبخاصة الإعلام). ولكن التاريخ يقول: إن الأطراف نادرًا ما تتجاوز ما انتوت عليه قبل وصولها.

وهذا في ظني ليس تربصا بالمؤتمر، فقد بدا لي دائمًا أن الطريقة المثلى لفهم عملية مؤتمرات المناخ السنوية ـ وبخاصة الكبرى منها مثل كوبنهاجن أو باريس أو جلاسكو ـ هي النظر إليها باعتبارها لوحات نتائج لا بوصفها مسابقات. فهي تعكس مدى التأثير الذي استطاع المجتمع المدني فرضه على البلاد المنخرطة في المفاوضات، وقوة المجتمع المدني قياسًا إلى صناعة الوقود الحفري وأصدقائها في مجتمع التمويل.

لقد فشل مؤتمر كوبنهاجن نظرًا لأنه لم يسبقه تأسيس حركة تذكر في السنوات السابقة مما أتاح لرئيس مثل باراك أوباما أن يرجع إلى بلده خاوي اليدين دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا. وقد عالجت حركة المناخ العالمية هذا العيب قبل مؤتمر باريس، فلم يكن أمام كثير من الحكومات خيار إلا الوصول إلى صفقة ما ذات مصداقية ومن ثم نشأ إطار عمل، وإن يكن دونما تعهدات فعلية تمكِّنه من أداء المهمة. وكان يفترض أن يكون جلاسكو هو المكان الذي ترقى فيه البلاد إلى القرارات التي تباهت بإعلانها في فرنسا، وتعكس النتائج المختلطة عمدا، ولو بصورة جزئية، المصاعب التي واجهها النشطاء على مدار السنوات القليلة الماضية.

ربما يكون سبتمبر 2019 هو أعلى نقطة بلغها التنظيم المناخي حتى الآن. إذ خرج ملايين إثر ملايين من الشباب في الغالب إلى الشوارع في شتى أرجاء العالم حيث فتح إضراب المدارس القلوب والعقول في جميع القارات. واستولت فانيسا ناكاتي، وشيي باستيدا، وجريتا ثونبرج، ولويزا نويبرجر، وألكساندريا فيلاسينور، وجيروم فوستر وقائمة لا نهاية لها من زعماء المناخ الشبان على الخيال بطريقة لا نظير لها من قبل. ولقد شكلوا معا موجة بدا أنها سوف تستمر في الصعود إلى الذروة. ولكن جاء كوفيد 19، وتبين أنه قد يمكن الاستمرار في التنظيم من خلال تطبيق زوم، لكن الأمر ليس يسيرًا. وعلى أي حال، واجه العالم أزمة مختلفة لبعض الوقت، واستولت تلك الأزمة -بطريقة مفهومة- على أغلب الطاقة. وضرب الوباء مثلا لبعض المبادئ النافعة في النضال من أجل المناخ (من قبيل الالتفات إلى العلم، وتسوية المنحنيات مبكرًا). ولكن الوباء بصفة عامة صرف الانتباه إلى جهة أخرى. وحتى قبل كوفيد، كان الأفق المتاح للنشطاء قد بدأ في التقلص. فصعود الحكومات غير الليبرالية في العالم ـ كأمريكا في عهد ترامب، ولكن أيضا كالصين في عهد شي (فهو أشد من سلفه على المجتمع المدني)، والبرازيل في عهد بولسونارو، وتركيا في عهد أردوجان، وروسيا في عهد بوتين. كثير من العالم يقع إلى حد كبير خارج نطاق عمل النشطاء، وبخاصة نوعية العمل العالمي المماثل للحركة المناخية (فزعيمة حركة المناخ الشبابية في الهند على سبيل المثال قضت أسابيع عديدة وراء القضبان وهي الآن بانتظار المحكمة ولم تسمح لها الشرطة بالسفر إلى جلاسكو).

أغلب بلاد العالم الكبرى بعيدة الآن عن مدى المظاهرات، وبدرجة كبيرة لا تستجيب حتى للضغوط الدولية. وقد أصدرت الصين بيانًا مشتركًا مع الولايات المتحدة فيه تعهد غامض بعمل مستقبلي لكنه أوضح أنه لا يتطلع إلى المراجعات السنوية للأهداف المناخية التي طالب بها النشطاء والعلماء. ولا أحد يعرف في الحقيقة طريقة لمقاومة هذا، كما لا يعرف أحدا سبيلا إلى مواجهة حقيقة إن استطلاعات الرأي تبين أن الناخبين الأمريكيين الجمهوريين أصبحوا أشد مقاومة لواقع التغير المناخي مما كانوا عليه قبل سنوات قليلة. ولأن الفرصة كبيرة لسيطرة الجمهوريين على الكونجرس بحلول مؤتمر المناخ القادم الذي سيعقد في مصر، فمن الصعب أن نرى ما النفوذ الذي سيدفع العملية قدما.

ومع ذلك، في ظل انتشار اللقاح، بدأ عمل النشطاء ينتشر مرة أخرى: فكانت المسيرات في جلاسكو حماسية بقدر أي مسيرات سبق أن شهدتها، وساعدت ثونبرج ـ ذات الموهبة الفائقة في قول وفعل الشيء المناسب في الوقت المناسب ـ على أن يفهم الجميع معنى جلاسكو وأطره الفارغة. ولكن الطرف الآخر بات أبرع في لعبته: فغسيل الدماغ الأخضر بات أكثر اطرادا، وتفكيك مطالب من قبيل «صافي الصفر بحلول 2050» بات مهنة بدوام كامل. ولكن بما أن هذه محض أكاذيب، فمن المؤكد أنها سوف تزداد تهلهلًا وانفضاحًا أمام كل إعصار أو فيضان.

في ظني أن الحركات سوف تتكيف مع عوائق الإجراءات المتبعة في مؤتمرات المناخ، وبقوة. وأعتقد أن صناعة التمويل سوف تزداد انتباها، من جانب لأنها حاسمة لآلية الوقود الحفري، ومن ناحية بسبب وجودها في أماكن مثل نيويورك ولندن حيث لم يزل بالإمكان تنظيم الاحتجاجات بشتى أنواعها. وتراجع كوفيد الذي جدد طاقة عمل النشطاء سوف يجتمع مع الرعب المستمر من الأزمة المناخية لينتج المزيد من الضغط من أجل التغيير. إن نهاية جلاسكو توضح أنه حينما لا يقدر النشطاء على الدفع بالقوة اللازمة، فإن القصور الذاتي والمصالح الخاصة تبقى قوى مؤثرة. وفكرة أن حكومات العالم سوف تقوم بما يجب القيام به لا تعدو خرافة.

بهذا المعنى، لا يعلمنا المؤتمر المناخي فقط ما فعلناه في السنوات القليلة الأخيرة، ولكن ما يجب أن نفعله في السنوات القادمة. لقد خرج الكوكب من منطقة راحته الآمنة، وخير لنا نحن أيضًا أن نخرج من مناطقنا الآمنة.

___________________

كاتب المقال هو أستاذ شومان المتميز في كلية ميدلبري، بفيرمونت، وقائد مجموعة حملات المناخ 350.org.

• نشر المقال في صحيفة جارديان