أزمة هرمز وإعادة تعريف الحرب
21 أبريل 2026
21 أبريل 2026
في إحدى محاضراتي التي خُصصت لمناقشة تغطية الإعلام الدولي للحروب، طرحت على طلابي سؤالًا مباشرًا عن أسباب هذه الحروب. تنوعت الإجابات وجاءت جميعها محمّلة بمفردات سياسية، مثل صراع نفوذ، هيمنة، سيطرة، تمدد استعماري، تحالفات، ردع. هذه الإجابات، على وجاهتها، لا تكفي وحدها لفهم الصورة كاملة عن الحروب. فخلف كل حرب، تتحرك اعتبارات اقتصادية مؤثرة تسهم في تشكيل مسار الأحداث وتوجه الأعمال العسكرية.
لم يعد ممكنًا التعامل مع الحروب في هذا العصر بوصفها نتيجة خلافات سياسية خالصة، ويستحيل، من وجهة نظري، فهم السياسة الدولية وتقلباتها بمعزل عن فهم واقع الاقتصاد العالمي وتحولاته. ففي كثير من الأزمات، تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية على نحو يجعل كلًّا منهما مكمّلًا للآخر.
فالأزمات الكبرى لا تنشأ فقط نتيجة صراع الإرادات السياسية، وإنما ترتبط كذلك بعوامل متعددة، من بينها التنافس على الموارد، والسيطرة على طرق التجارة، والسعي إلى الحفاظ على موازين القوة الاقتصادية أو إعادة تشكيلها.
هذه العلاقة بين السياسة والاقتصاد ليست جديدة، إذ شكّلت أحد الثوابت في التاريخ الدولي. فالحربان العالميتان في القرن العشرين، رغم ما ارتبط بهما من شعارات سياسية وأيديولوجية، كانتا جزءًا من عملية أوسع لإعادة توزيع الثروة والقوة الاقتصادية عالميًا، وحسم الصراع على الموارد والأسواق. وقد ترتب على ذلك إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي، وصعود قوى جديدة وتراجع قوى أخرى، وظهور منظمات اقتصادية عالمية ما زالت تؤثر في مسار الأحداث حتى اليوم.
في سياق تاريخي آخر، كشفت أزمة النفط في مطلع سبعينيات القرن الماضي كيف يمكن لقرار اقتصادي أن يعيد تشكيل المشهد السياسي العالمي.
فلم يكن حظر تصدير النفط الذي فرضته الدول العربية خلال حرب أكتوبر 1973 مجرد إجراء لوقف الإمدادات عن الدول الغربية المؤيدة لإسرائيل، وإنما اتخذ طابعًا سياسيًا واضحًا أسهم في إعادة رسم العلاقة بين الدول المنتجة والمستهلكة، ودفع القوى الكبرى إلى مراجعة حساباتها الاستراتيجية.
وقد ترتب على هذه الأزمة آثار اقتصادية واسعة النطاق، انعكست على سياسات الدول الصناعية، وعززت من أهمية منطقة الشرق الأوسط في معادلة الطاقة العالمية.
في الحروب الأحدث، بدا هذا التداخل بين الاقتصاد والسياسة أكثر وضوحًا؛ فالغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ارتبط بحسابات اقتصادية تتعلق بالنفط وإعادة تشكيل سوق الطاقة في المنطقة والعالم، إلى جانب ما روج له الغزاة وقتذاك من أهداف سياسية.
هذه الأمثلة وغيرها، تكشف أن النتائج الاقتصادية للحروب قد تكون في بعض الأحيان أكثر أهمية وأعمق وأطول أثرًا من نتائجها العسكرية المباشرة.
فبينما تنتهي المعارك بتوقيع اتفاق أو إعلان وقف إطلاق النار، تستمر الارتدادات الاقتصادية للحرب في التأثير على الدول والمجتمعات لفترات طويلة، وتخلق مشكلات جديدة مثل زيادة معدلات التضخم، واضطراب الأسواق، وتراجع العملات، وتغير أنماط التجارة والاستثمار والاستهلاك. ومن ثم فإن فهم الحروب يتطلب النظر إليها بوصفها أحداثًا متعددة الأبعاد، ولا يمكن اختزالها في بعديها السياسي والعسكري فقط.
في هذا الإطار، يمكن قراءة الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران بوصفها نموذجًا معاصرًا لهذا التداخل بين السياسة والاقتصاد. فالصراع الحالي لا يرتبط فقط بحسابات الردع أو النفوذ الإقليمي، أو السعي إلى امتلاك السلاح النووي، وهو ما نفته إيران مرارًا وتكرارًا، ويتقاطع مع موقع ومكانة إيران في معادلة الطاقة العالمية، وأهمية دول الخليج العربي في تأمين تدفقات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
لقد أظهرت أزمة مضيق هرمز، الذي كان مفتوحًا قبل الحرب، والحصار البحري الأمريكي الحالي على الموانئ الإيرانية ولجوء إيران إلى إغلاق المضيق مرة أخرى رغم استمرار الهدنة، كيف يمكن لتحرك عسكري أو تهديد عابر أن يُحدث اضطرابًا واسعًا في الاقتصاد العالمي. فكل تصريح أو تغريدة صادرة عن الرئيس الأمريكي، وكل رد إيراني عليها، يزيد من مستوى التوتر في هذا الممر الحيوي، وينعكس مباشرة على حركة الملاحة، وأسعار النفط والغاز، واستقرار الأسواق، ومواقف الدول المستهلكة والمنتجة على حد سواء. ولعل هذا ما يؤكد أن الأثر الاقتصادي للحرب لا يقل أهمية عن آثارها العسكرية.
اللافت في هذه الحالة أن التغطية الإعلامية نفسها عكست هذا التحول في مراكز الاهتمام وترتيب الأولويات؛ ففور إعلان وقف إطلاق النار وبدلًا من التركيز على حصر المكاسب والخسائر السياسية والعسكرية لكل طرف، اكتفوا جميعا بادعاء النصر.
ثم تحول الاهتمام سريعًا من الحرب، إلى تداعياتها الاقتصادية، وبالتالي صعدت الأخبار الاقتصادية لتحتل موقعًا متقدمًا في السرد الإعلامي. ولم تعد الأسئلة التي يطرحها الإعلام تقتصر على احتمالات التصعيد العسكري المرتقب في حال فشل المفاوضات، وامتدت لتركز على تأثيراتها على إمدادات الطاقة والأسعار، واحتمالات الاستقرار الاقتصادي العالمي، في ظل عدم وضوح ما تريده الولايات المتحدة بحصار المضيق والرد الإيراني على ذلك.
يقدم العدوان الأمريكي- الإسرائيلي على إيران دليلًا واضحًا على كيفية تداخل الأبعاد السياسية والاقتصادية في تشكيل الأحداث الكبرى في العالم، وفي الطريقة التي يتم بها تقديمها إعلاميًا. فهي حرب تُخاض في الميدان، لكنها تُفهم إلى حد كبير من خلال آثارها في الأسواق العالمية البعيدة جدا عن موقع الحرب. وبين هذين المستويين، تتشكل صورة أكثر تعقيدًا للصراع، تتجاوز التفسير التقليدي، وتفتح المجال لقراءة أوسع لطبيعة الأزمات المعاصرة، تكشف لنا كيف يتم توظيف الحروب، حتى وان كلفت الآلاف من البشر حياتهم، لتحقيق أهداف هي في جوهرها اقتصادية بامتياز، ونابعة من أطماع استعمارية متوارثة في ثروات الدول النامية.
واقع الحال أن التحول في زاوية التغطية الإعلامية في الحرب الحالية يكشف لنا بوضوح طبيعة النظام الإعلامي العالمي الحالي الذي يتسم بالانتهازية. في هذا الإعلام الذي تخلى عن وظيفته الأساسية في نقل الوقائع، وأصبح يعيد ترتيبها وفقًا لمصالح القوى الكبرى، صارت الأخبار الاقتصادية أكثر قدرة على الانتشار، لأنها تمس حياة الجمهور بشكل مباشر، وتقدم مؤشرات رقمية قابلة للتحديث المستمر. وتكشف مراجعة سريعة للأخبار العالمية تراجع أخبار ضحايا الحرب في إيران ولبنان، لصالح الأخبار المتعلقة بفتح أو إغلاق مضيق هرمز.
لا يعني ذلك أن التغطية الاقتصادية لآثار الحرب غير ضرورية، فهي تمثل جزءًا أساسيًا لفهم الواقع. المشكلة تكمن في تحول هذه التغطية لتكون المدخل شبه الوحيد، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة صياغة الأزمة في إطار واحد، مع أن هذه الحرب ليست مجرد أزمة طاقة، ولا يمكن اختزالها في حركة الأسواق، مهما بلغت أهميتها.
من هنا، تظهر الحاجة إلى إعادة التوازن في التغطية الإعلامية لتشمل الأبعاد المختلفة للحرب وليس البعد الاقتصادي فقط، انطلاقا من أن فهم ما يجري في مضيق هرمز يتطلب النظر إلى اعتبارات الأمن الإقليمي، والتوازنات الدولية، وسلوك الفاعلين السياسيين، إلى جانب فهم تداعياته الاقتصادية. وبدون هذا التكامل، يظل الفهم ناقصًا، حتى وإن بدا كاملًا في الظاهر.
إن ما يجري في مضيق هرمز يكشف التداخل العميق بين السياسة والاقتصاد في إدارة الصراعات المعاصرة وفي طريقة تقديمها إعلاميًا. وقد رأينا كيف أدى تصاعد التوتر في هذا الممر الحيوي خلال الأيام الماضية إلى انتقال مركز الاهتمام الإعلامي تدريجيًا نحو التداعيات الاقتصادية، وهو ما انعكس بوضوح في مضمون التغطية الإعلامية التي منحت الأسواق وأسعار الطاقة موقعًا متقدمًا مع تراجع الإطار السياسي والتكلفة الإنسانية المباشرة للحرب. ومن هنا يصبح من الضروري إعادة النظر في زوايا التناول الإعلامي بما يضمن فهمًا أكثر تكاملًا لما يجري، ويحدّ من اختزال الحروب في آثارها الاقتصادية على حساب سياقاتها الأوسع.
