«يا رايح صوب بلادي».. جغرافيا الحنين والالتزام

31 مارس 2026
31 مارس 2026

أغنية «يا رايح صوب بلادي» من أجمل أغاني الفنان اللبناني الراحل أحمد قعبور 1955-2026م إلى قلبي؛ لأنها ببساطة تأتي تعبيرا عن الفن الملتزم العميق، بلا هتافات مباشرة، ولا نداءات صارخة، بل تحمل بين ثناياها عمقا إنسانيا دفينا، تطوف في أمكنة الطفولة والتنشئة والتكوين.

بنى قعبور كلماتها على فكرة غزل ونداء رقيقين؛ انطلق فيهما مناديا: «يا رايح... بلّغ... سلّم...». هي كلمات بسيطة نستخدمها في كلامنا اليومي، لكنها في القصيدة تكتسب دلالات توحي بالمسافة والغياب في ياء النداء. هل كان الشاعر ينادي حبيبا قريبا، أم مسافرا، أم مهاجرا إلى المنافي؟ في لقاء معه بجريدة «الفنون»، العدد التاسع عشر، عام 2002م، وسؤاله عن ظاهرة النداء في أغنياته، قال: «... بالمناسبة إذا أجرينا جردة على معظم أغنياتي نجد أن حالة النداء متمكنة مني «...» وكأنني، على رغم كل ضجيج الشارع والشعارات وملايين اليافطات، أحسّ بوحدة تكاد تلامس اليتم أحيانا؛ لذا أنادي ليس فقط الشعارات الوطنية، بل أيضا قيمي الإنسانية الدفينة، التي أحسّها تُنتهك كل يوم».

بداية الأغنية بالنداء تجعلها منذ اللحظة الأولى خطابا شخصيا، أو رسالة حنين، أو صوتا غائبا يخاطب حاضرا.

انشغل الشاعر في الأغنية بتثبيت خارطة الأماكن في حركة شعرية جميلة: من الجغرافيا إلى الذاكرة إلى الحنين. فهو لا يقدم حكاية، ولا خطابا سياسيا مباشرا، بل رسالة إلى الوطن، وهذا يمنحها خصوصية درامية واضحة. تسير الأغنية في حركة دلالية واضحة:

بلادي (الوطن العام)، فالليطاني (الطبيعة والجنوب)، فالنبطية (المدينة والناس)، ثم الخيام (الذاكرة والألم والصمود). هذا التدرج يمنح الأغنية بناء دراميا خفيا، رغم بساطتها، يتنزّل في قدرة الكلمات واللحن على صهر القصيدة داخل جدل القضايا السياسية.

تمتاز كلمات الأغنية بالبساطة العميقة، المشحونة بالوجع، وغير المتكلفة، ما جعلها قريبة من الناس والقلب. وعن هذه الأغنية قال إنه عندما كان تلميذا صغيرا يدرس الجغرافيا ضمن ما يدرس من مواد، بما فيها جغرافية لبنان، كان أستاذ الجغرافيا يقول لهم: «انتبهوا، في الامتحانات دائما يكون هناك سؤال عن نهر الليطاني».

يمكن تناول حياة أحمد قعبور الإنسانية والفنية من مسار لا تخطئه العين: مسار الفن الملتزم. يُحيلنا هذا بالضرورة إلى المفهوم الذي اجترحه الفيلسوف سارتر للأدب الملتزم بعد الحرب العالمية الثانية، مؤكدا فيه ارتباط الأدب بقضايا الإنسان، وعدم انفصاله عن الواقع، ومسؤولية الكاتب عن مجتمعه. لكن قعبور كان لديه تحفظ على هذا التصنيف ــ حول ما يسمى بالأغنية السياسية أو الملتزمة أو الوطنية ــ إذ يستطرد في إجابة حول الموضوع قائلا: «لدي إحساس بأن الجمهور يصنف الفنانين إلى فنانين يرقصون على إيقاعاتهم ليلا عندما يكونون سعداء، وفنانين يصفقون لهم عندما يكونون مأزومين، وهكذا أصبحت أنا ومارسيل خليفة وزياد الرحباني وخالد الهبر الوكلاء الحصريين للقضايا الوطنية والاجتماعية والإنسانية، وهذا أمر قاتل؛ لأن القضايا الوطنية لا تُختصر بالتعاطي مع موضوع الوطن بالشعارات العامة «...» لست المنبر الجاهز دائما لتعبئة الناس، في الوقت الذي أحتاج فيه إلى من يعبئني».

تكشف هذه المسافة بين الفن بوصفه وسيلة تعبير أو بوصفه هوية فنية عن تعقيد تجربة قعبور. فقد انشغل بهموم الإنسان العربي والجماهير الكادحة، فانطلق يتخيّر ويكتب ويغني من موقع المقاومة للأرض والطفولة والعدالة الاجتماعية، بالأسلوب السهل الممتنع. فالأغنية تدخل إلى ساحة السياسة، لكنها ما تلبث أن تختلط بصراعات الإنسان المعذب في وطنه، المسلوب الإرادة، إلى غير ذلك من معاناة يعيشها في يومه، كالفقر، والمرض، والجوع، والقمع. وأجد أن لفظة «المخيم» تلخص الوضع المزري الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني في مجتمعات لا تكترث إلى كرامة الإنسان إلا في الخطابات والمؤتمرات.

وبالرغم من قتامة الأحوال السياسية للمجتمعات العربية التي عاشها المبدعون، فإن إيمان الشاعر بأسطورة العنقاء (الفينيق) ــ الطائر الذي يحترق ثم ينهض من رماده - صار رمزا شعريا كونيا استخدمه قعبور لتوصيف حال لبنان في أغنية «راجع يتعمر لبنان... راجع يرجع أحلى ما كان»، للدلالة على النهوض بعد الدمار، والبعث بعد الموت، والأمل بعد الانكسار.

تمنح أبيات القصيدة بعدا جماليا يكشف عن شعر المقاومة بوصفه أداة تمتلك رؤاها. فالإيمان بالأمل يوحد نضالات الشعوب، ولا طريق أمامها للتحرر من العبودية وأشكالها إلا بالعمل على توحيد الجهود نحو هدف نضالي واحد.

ويرد في أغنية «يا رايح صوب بلادي» مقطع دال على ما يحدث اليوم في لبنان من دمار واقتلاع ومحو:

«كان في عندنا ساحة نلعب فيها من زمان وكانت حول بيوتنا حلوة أشجار الرمان قطعوها وبقيت واحدة... اسقوها شوية حرام».

هذا المقطع من أكثر المقاطع تأثيرا في الأغنية؛ لأنه يعبّر عن فقدان الطفولة وتدمير المكان، مع بقاء الأمل في شجرة واحدة لا تزال بحاجة إلى الماء.

ألزم أحمد قعبور نفسه الالتزام الفكري والأخلاقي للفن. وقد دللت لقاءاته الفنية وحفلاته الغنائية على ذلك، فصار الإنسان العربي، كلما سمعه، يشعر بوجود مسؤولية أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية تجاه قضاياه. أكسب هذا الالتزام احتراما لتجربة قعبور. وأتذكر في هذا السياق، في أثناء دراستي في الجامعة الأردنية، أنني تعرفت إلى صوت أحمد قعبور للمرة الأولى في محل لبيع الأشرطة السمعية. سمعته يصدح بأغنية «أناديكم»، فسألت البائع: من هذا الفلسطيني؟ فقال بابتسامة تملأ وجهه وبفخر: هذا صوت لبناني يُغني لفلسطين.

منذ ذلك الموقف، أصررت على شراء أشرطته، وكلما عدت في إجازة بين الفصلين إلى صلالة، أجمع أبناء العائلة وأُسمعهم الأغنية حتى حفظوها. ومع مرور الوقت وابتعاد السنين، خالجني شعور غريب حين أخبرتني ابنة عمتي المقيمة خارج عُمان مع زوجها وابنها كيف كانت تفرح بمجيء من الأردن ولقائي العائلي بهم، لأسمعهم ينشدون بعلو حناجرهم: «أناديكم»، وغيرها من أغاني فيروز ومارسيل خليفة وأميمة خليل وأشعار محمود درويش.

ختاما، جاء في جريدة «Independent عربية»: «ويُعد قعبور من الجيل الذي أعاد تعريف دور الأغنية في العالم العربي، حيث لم تكن مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة تعبير سياسي واجتماعي، تحمل هموم الناس وتعكس تحولات المجتمع. ومنذ بداياته في سبعينيات القرن الماضي، تميز بأسلوبه البسيط والعميق في آنٍ معا، معتمدا على الكلمة الصادقة واللحن القريب من الوجدان. «...» ونعاه عدد كبير من الفنانين والمثقفين والناشطين، معتبرين أن رحيله لا يمثل خسارة فنية فحسب، بل خسارة لقيمة أخلاقية وثقافية في زمن تتراجع فيه المعايير ويبهت فيه الصوت النقدي».

سيظل أحمد قعبور الصوت اللبناني الذي حمل الهم العربي في مجازر صبرا وشاتيلا، وكفر قاسم، وبحر البقر... رحمه الله.

آمنة الربيع باحثة أكاديمية متخصصة فـي شؤون المسرح