نوافذ: السقوط من الطائرة الأمريكية

04 سبتمبر 2021
04 سبتمبر 2021

كان (والي سالك) مستلقيًا على أريكة في منزله في حي خير خان، شمال غرب العاصمة الأفغانية كابُل، عصر الاثنين 16 أغسطس 2021. لستُ متأكدًا تمامًا من استلقائه، فلربما كان نائما. الأمر المؤكد أنه وثب فجأة كالملدوغ بعد أن سمع ضربة قوية على سطح منزله حَدَس أنها قنبلة. لم يكن سالك وحده من روّعَه الصوت، بل زوجته أيضًا، التي صعدت معه ليجدا بركة من الدماء ورَجُلين ببطنين مفتوحين وجمجمتين متناثرتين وأشلاء موزعة هنا وهناك. بعد أن تجمع الجيران، وذهب الفزع وهدأ الروع، وأفاقت الزوجة من إغمائها بعد رؤيتها المنظر البشع، تكشفت حقيقة ما حدث: لقد سقط الرجلان من طائرة أمريكية كانا متشبثين بهيكلها الخارجي من ارتفاع آلاف الأمتار!.

أتوقف قليلًا عن سرد حكاية الرجلين لأعود بذاكرتي عشرين سنة للوراء، عندما كنتُ في أحد أيام عام 2000، مستقلًا الطائرة بصحبة أصدقاء في طريقنا للشارقة لحضور ملتقى أدبي. ولأن مقعدي كان بقرب النافذة فقد ظللتُ أتخيل طوال الرحلة رجلًا معلقًا بجناح الطائرة ينظر إليّ، بل ويكلمني ساردًا لي سبب اختياره للجناح في السفر بدلا من مقاعد الطيارة، وهو ما كان نواة لقصة قصيرة سأكتبها بعد أيام من هذه الرحلة بعنوان «لماذا، لأن». كنتُ يومها سعيدًا بفكرة القصة، وبخيالي الذي جعلني أختار السماء مكانًا لها، بدلا من الأرض الاعتيادية المكرورة، ولم يدر بخلدي أنني بعد عشرين سنة ونيّف سأشاهد قصة مكتوبة بقلم الواقع في سماء أفغانستان بشكل أكثر خيالية من الواقعية السحرية نفسها. لقد أعادت الطائرة الأمريكية كتابة قصتي من جديد، فقرأها العالم أجمع، دون أدنى إشارة إليّ. فأين هي حقوق المؤلف يا أمريكا؟.

أعود لحكاية الرجلين اللذين لفّ «سالك» وجيرانُه أشلاءهما في قطعة قماش وتوجهوا بها إلى مسجد الأمير حمزة في كابل، قبل ذلك فتش سالك جيب معطف أحد القتيلين فوجد فيه شهادة ميلاد مكتوبًا فيها إن اسمه «شفيع الله حوتاك» وعمره سبعة وعشرون عاما، أما الجثة الأخرى فلا تحمل معها أي أوراق لكن أحد المصلين في المسجد، تعرف عليها، واتضح أنها لطبيب أسنان شاب اسمه محمد فيدا يبلغ من العمر اثنين وعشرين عاما.

السؤال الذي يُلحّ الآن هو: لماذا يعرّض طبيب شاب في عمر الوردة نفسه لخطر جسيم كهذا؟ ولماذا يفعل لاعب منتخب أفغانستان للشباب زكي أنوري (19 عاما) مثله، وهما – ظاهريًا على الأقل، أو هكذا يبدوان لي- في حالة اجتماعية لا يمكن وصفها بالسيئة!، هل هو هروب من بطش طالبان كما استسهلتْ وسائل الإعلام الغربية في تحليلاتها الكليشيهية أم أنه البحث عن حياة أفضل وأهدأ بعيدًا عن الحروب والانفجارات والدمار؟

لنعرف الإجابة ينبغي أن نعرف أنه في اليوم التالي لسقوط كابُل في يد طالبان، سرت شائعة في أفغانستان أن الولايات المتحدة ستنقل إليها وإلى كندا آلاف الأفغان، وهذا وحده كان كافيًا لدغدغة أحلام شباب في مقتبل العمر أنهكتهم الحروب والفقر. ليس هذا مجرد تحليل مني، وإنما ما أكده والد الطبيب القتيل، إذ يقول إن نجله «تزوج منذ عام، لكنه بالغ بإنفاق الكثير على زفافه، فتورط بديون وأصبح دائم القلق، وراح يبحث عن طريقة للسفر إلى الخارج، ليعمل ويقوم بتسديدها، ثم وجد الفرصة حين علم بعد وصول طالبان أن الأمريكيين ينقلون الأفغان من كابُل إلى الولايات المتحدة بالطائرات».

إنه الحُلم الأمريكي للشباب الأفغان ينطلق من مطار اسمه للمفارقة «حامد كرزاي»، على اسم الرجل الذي عندما رضيتْ عنه أمريكا صار رئيسًا لأفغانستان، وسقط هؤلاء الشباب الحالمون من أجنحة الطائرة وعجلاتها قبل أن يتسنى لهم إدراك أن أمريكا تخلتْ عن كرزاي وخليفته أشرف غني وتركتهما يواجهان مصيرهما.

في قديم الزمان كان المتشبثون بأجنحة الطائرة الأمريكية المُقلِعة كلهم من الساسة: الشاه رضا بهلوي، مانويل نورييجا، أوجستو بينوشيه، فرديناند ماركوس، موبوتو سيسي سيكو، برويز مشرف، وآخرون. القاسم المشترك بين كل هؤلاء أنهم خدموا أمريكا خدمة العبد للسيد واسترضوها وتذللوا لها، وأنهم أيضًا عندما دارت عليهم الدوائر واحتاجوا للتشبث بجناحها الطائر سقطوا جميعًا على رؤوسهم. الآن، صار المتشبثون بأجنحة وعجلات الطائرة الأمريكية هم الشعوب أنفسها، ولستُ متيقنًا من أن أمريكا غيّرت سياستها، لكني متيقن فقط أن النتيجة هي نفسها: السقوط المأساوي المُريع.

كان بطل قصتي -راكب الجناح- هاربًا من واقعه، ولأن «الخيال ينبغي ألا يستخدم للهرب من الواقع، وإنما لصنعه» كما يقول الناقد كولن ويلسُن فقد توهمت أنني صنعتُ لبطلي واقعًا جديدًا لمجرد أنه نجح في الوصول إلى الوجهة التي أرادتها الطائرة بسلام، بل وكان سعيدًا بالأرض الجديدة التي وطأها، والأكسجين الجديد الذي تنفسه حتى إنه تساءل بفرح: «ماذا أريد أكثر من هذا؟». لكن يبدو أن خيالات القصاصين تختلف تماما عن حسابات الواقع. أو لعلّ الطائرة الأمريكية أرادت أن تُثبِتَ – نكاية في ويلسُن- أن الواقع هو الذي يصنع الخيال وليس العكس.