مرحبا باسم خندقجي

17 يناير 2026
17 يناير 2026

يحل ضيفا علينا هذا الأسبوع الروائي والأسير الفلسطيني المحرر باسم خندقجي، بدعوة من النادي الثقافي الذي يُحسب له أن اختار هذه المرة ضيفا استثنائيا، مثقفا ومناضلا بالسيف والقلم -إن جاز التعبير- يذكّرنا بفلسطين؛ قضية العرب الأولى التي لم ننسَها أصلا، ويلتقي في شخصيته الإبداع الكتابي مع الالتزام الوطني. ومما يثلج الصدر أن هذه الاستضافة تقول ضمنا إن عُمان، شعبا ومؤسسات، كانت وستظل منحازة للحق الفلسطيني، ولرموزه المقاومة.

باسم خندقجي اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي وهو في سنته الجامعية الأخيرة في الثاني من نوفمبر عام 2004 بتهمة المشاركة في التخطيط لعملية فدائية استهدفت سوق الكرمل في «تل أبيب»، في ذروة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وهي عملية أسفرت عن مقتل ثلاثة إسرائيليين وسقوط عشرات الجرحى، وحُكِم عليه إثرها بالسجن ثلاثة أحكام مؤبدة. والمدهش والمثير للإعجاب حقا أن باسم عِوَضا عن أن يستسلم للحزن والقهر في سجنه حَوّل زنزانته إلى «غرفة عمليات ثقافية» كما صرح في أحد حواراته، هناك قرأ كثيرا، ودرس اللغة العبرية، وحصل على الماجستير في الدراسات الإسرائيلية من جامعة القدس أبو ديس، وفهم الواقع الصهيوني فهما عميقا، محيلًا هذا الفهم إلى «غنيمة حرب» معرفية وأدبية، بنى منها مشروعا سرديا يشتبك مع صورة العدو من الداخل، لا ليبرّر التطبيع معه بل ليفكك هذه الصورة ويعرّيها ويحاكمها أخلاقيا، مثبتا بذلك أن الثقافة شكل من أشكال المقاومة لا يقل أهمية من المقاومة بالسلاح.

في القلب من مشروع الاشتباك هذا تأتي روايته «قناع بلون السماء» التي فازت وهو في السجن بجائزة البوكر للرواية العربية عام 2024، ويسرد باسم أنه لم يعلم بهذا الفوز إلا عندما اقتحم السّجانون الإسرائيليون زنزانته واقتادوه إلى التحقيق ليستجوبوه حول هذه الموضوع، فخالجه لحظتها شعور مختلط هو مزيج من الفرح والحزن والفخر والاعتزاز في الوقت نفسه، فقد تمكنت كلماتُه أن تنفذ من جدران السجن لتصل إلى العالم الخارجي، واستطاع أن يسهم بكتابته في مساندة أهل غزة -الذين أهداهم روايته- ضد حرب الإبادة التي تشنها عليهم إسرائيل، وعرف من خلال هذا الاستجواب أن العدو المحتل يخشى من الكلمة أكثر من خشيته من الرصاصة.

تحكي رواية «قناع بلون السماء» قصة الشاب الفلسطيني نور الذي يجد نفسه، عبر مسار معقد ومحفوف بالمخاطر، داخل إسرائيل، وقد أُلبِسَ هوية شاب إسرائيلي يُدعى أور. من هنا تبدأ حياته المزدوجة: اسمٌ وُلِد به ويعرفه في داخله، واسمٌ آخر يقدّمه للإسرائيليين، وذاكرةٌ ينبغي إخفاؤها؛ كي تستمر الحياة. يعمل في تل أبيب، ويتعلّم أن يتقن تفاصيل الدور الجديد: اللغة، والإيماءات، وطريقة النظر إلى الأشياء. لكن نور، كلما مضى أبعد في تقمّص شخصية أور، ازداد انشطارا على نفسه، كأن جسده يسكن مكانًا بينما روحه عالقة في مكان آخر. وكلما تقدمنا في أحداث الرواية وجدنا تفكيكا دقيقًا لمعنى الهوية حين تتحوّل إلى قناع يومي، وحين يصير البقاء مرهونًا بالقدرة على العيش داخل حياة ليست حياتك، باسم ليس اسمك، ووجه ينبغي أن يبدو مقنّعا أكثر مما ينبغي.

وكما يعيش بطل «قناع بلون السماء» بين اسمين ووجهين، تبدو كتابة باسم خندقجي نفسها محاطة بسلسلة من القراءات والأنساب الأدبية التي شكّلت وعيه ورافقته في أقسى ظروفه، وقد كشف في حواره مع الصحفي سيد محمود عن صِلاته الروحية العميقة بثلاثة من أهم أدباء العرب: الشاعر محمود درويش، والروائيَّيْن إلياس خوري، وصنع الله إبراهيم. يروي خندقجي كيف استطاع إخفاء روايتَيْ «أولاد الغيتو» لخوري و«وردة» لصنع الله حين شنّت إدارة السجون الإسرائيلية حملة تفتيش على الزنازين مطالِبة بكشف كل ما فيها. وحين علم السنة الماضية، وقبل أسابيع قليلة فقط من الإفراج عنه، وبعد سنوات من العزل ومنع زيارات المحامين، بوفاة إلياس خوري وصنع الله إبراهيم معا في فترة متقاربة، سمّى تلك اللحظة «يُتما أدبيا»، وهي صدمة ذكّرته بصدمة رحيل محمود درويش عام 2008، الذي كان يشعر نحوه بوشيجة شبه صوفية، ويستحضره في أحلامه رفيقا يزوره في السجن، ويشدّ من أزره. ولعل هذه الأسماء المهمة - خاصة إلياس خوري الذي يَعُدُّه ملهمه الأول في كتابة الرواية- هي التي جعلتْه حين يتصدى للسرد يحرص على الكتابة بحسّ فني ناضج، فلا تطغى حرارة القضية الفلسطينية العادلة على الاعتناء ببناء النص وجمالياته.

لا تكفي هذه المساحة للاسترسال في الحديث عن تجربة نضالية كبيرة كتجربة باسم خندقجي الذي قضى نصف عمره في السجون الإسرائيلية، دافعا برضى تام ثمن حبه لفلسطين. لكنني أردتُ فقط أن أضع القارئ أمام ملامح أساسية من عالمه الإبداعي والإنساني، وأن أفتح شهية اللقاء معه في النادي الثقافي، باعتباره كاتبا يكتب من قلب التجربة، ويحوّل ما عاشه إلى أدب يستحق القراءة والإصغاء والتأمل.

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني