ضرورة الردع الذاتي
30 مارس 2026
30 مارس 2026
في زمن الفتنة، ليس أمام هذه الأمة العربية والإسلامية إلا أن تتحد، وتتغلب على نفسها، وتسمو فوق خلافاتها التي أبعدتها عن أهدافها الأسمى منذ قرابة القرن.
اليوم تحيط بها ما كان بالأمس شكًا، من أن هذه الأمة، وأقصد العربية خاصة، مستهدفة منذ أن انتهت حضارتها في الأندلس في 2 يناير عام 1492م، التي قادت التنوير في العالم وأضاءت الدنيا بعلومها.
اليوم تواجه الأمة العربية، بالذات، حالة مصيرية في بقائها أو فنائها بفعل الطامعين في ثرواتها ومواردها ومواقعها الدينية التي يُراد طمسها ونهبها، والتي نادوا بها في عديد المواقف بأهمية أن تكون تحت هيمنة الغرب، الذي يعاني من صعوبات كثيرة، لعل أبرزها بدء تفكك مجتمعاته، ومعاناته الاقتصادية، وتراكم التضخم فيه، وتراجع النمو، وتعطل موارد الطاقة في الأزمات التي يفتعلها.
الصورة واضحة جدًا أمامنا، فقد تم إسقاط عدد من الدول العربية واحدة تلو الأخرى بحجة الإرهاب وتطوير البرامج النووية، بدءًا من الصومال 1986، ثم العراق 2003، ثم ليبيا 2011، والسودان 2023، واليمن 2014، وسوريا 2011، ولبنان قبل ذلك منذ عقد السبعينيات من القرن الماضي، والحرب على غزة وفلسطين خاصة 2023. واليوم تواجه دول مجلس التعاون، إضافة إلى الأردن والعراق، معضلة الحرب بين الغرب وإيران، التي وجدت نفسها في طاحونة بينهما، والتي تصيب مرافقها الوطنية وتشل اقتصادها وتهدد ازدهارها وتطوير قدراتها.
لم يعد الغرب، كما برر البعض، حليفا استراتيجيا حريصا على مصالح الدول العربية، بل سخّر كل إمكانياته لحماية إسرائيل عسكريا وعتادا وتمويلا ماليا، وترك الدول العربية الحليفة له، خاصة دول الخليج والعراق والأردن، دون تلك الحماية المنشودة، والدفاع عنها مما هو منصوص عليه في اتفاقيات التعاون الموقعة مع العديد منها.
اليوم لم يعد أمام هذه الدول، التي تواجه مصير البقاء، إلا التوجه نحو استراتيجية أخرى تستطيع فيها أن تحمي نفسها بنفسها، من خلال منظومة دفاعية مشتركة تبدأ بست دول، وهي دول المجلس، وتضيف بعدها الدول الراغبة في الانضمام إليها كالعراق والأردن واليمن، ثم بعدها باكستان وتركيا، لتستطيع تشكيل قوة عسكرية ذاتية، وإحياء مشروع الدفاع المشترك الذي تبنّاه مجلس التعاون وطبّقه في تحرير الكويت، ودعم مشروع الدفاع العربي المشترك الذي تتبنّاه جامعة الدول العربية قبل ذلك، من خلال بناء قدرات بشرية وتقنية، وابتكار وتطوير المعدات العسكرية في القطاعات الأساسية، وتطوير إمكانياتها الاستخباراتية وجمع المعلومات، ومسح واضح جدًا للأعداء المفترضين، كالاحتلال الإسرائيلي وغيره، الذين يمثلون خطرًا على المنطقة، من خلال برنامج ينطوي على مبدأ الدفاع عن النفس. لكن ذلك لن يتم بالتمني، إنما يحتاج إلى إرادة صادقة من الجميع؛ لأن الخطر القادم، مع المؤشرات، لن يستثني أحدًا في المنطقة، الذي سيكون مدمرًا، بغض النظر عن التعايش الذي جمعهم في الإقليم خلال الثمانين عامًا الماضية. الخطر حقيقي ويتعاظم أمام ما تبقى من الدول العربية، التي عليها أن تعيد النظر في استراتيجية أمنها قبل فوات الأوان.
سالم الجهوري كاتب صحفي عُماني
