رهان إسقاط العمامة
03 مارس 2026
03 مارس 2026
ما كان يخشاه الرؤساء الأمريكيون السابقون من حدوث مواجهة عنيفة مع إيران أصبح واقعًا اليوم، بعد أن شرع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتوجيه وتشجيع من حليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشن الحرب ضد إيران. كان الاثنان على وعي كامل بالمخاطر التي قد تنجم عن محاولة الإطاحة بالنظام الإيراني أو استهداف المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي. واليوم، بعد تنفيذ ما خططا له، يجد العالم نفسه على شفير حرب محتملة لن تسلم من آثارها أي دولة، سواء بشكل مباشر عبر الدمار وقتل الأبرياء وسفك الدماء وحرائق المصافي، أو بشكل غير مباشر من خلال تداعيات اقتصادية قد تشمل توقف إمدادات النفط والغاز بسبب ضرب المنشآت البترولية، أو إغلاق مضيق هرمز، أو تهديد الملاحة البحرية.
لم يحاول أو لم يجرؤ أي من الرؤساء الأمريكيين السابقين على شن حرب مباشرة ضد إيران؛ خشية العواقب التي قد تمتد إلى جميع أنحاء العالم. فإيران ليست كأي دولة أخرى غزتها الولايات المتحدة، ابتداء من فيتنام التي تدخلت فيها الولايات المتحدة بين عامي 1965 و1973 لمحاولة احتواء التوسع الشيوعي خلال الحرب الباردة، أو العراق الذي تم غزوه في العام 2003 بذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل، أو أفغانستان التي غُزيت عام 2001 بحجة دعمها للجماعات الإرهابية، أو ليبيا التي واجهت تدخلات عسكرية عام 2011 بذريعة حماية المدنيين أو الصومال وغيرها من الدول سواء بالتدخل المباشر أو غير المباشر.
كما أن الولايات المتحدة تدخلت في بعض جمهوريات أمريكا اللاتينية لتغيير أنظمة الحكم فيها، مثل فنزويلا وغواتيمالا ونيكاراغوا، غالبًا عبر الدعم السياسي أو الاقتصادي أو العسكري لفصائل معارضة، وهو ما يظهر أن تحركاتها عادة محكومة بحسابات دقيقة لتجنب الانزلاق في صراعات واسعة قد تهدد مصالحها الاستراتيجية أو تستنزف مواردها، وهذا ما كان يحاول الساسة الأمريكيون تجنبه من اتباع سياسة النفس الطويل مع إيران ومحاولة فرض عقوبات اقتصادية وسياسية عليها لإضعاف قوتها ومنعها من تصنيع وامتلاك أسلحة وصواريخ يمكن أن تهدد أقرب حلفائها إليها وهي إسرائيل.
هذا بالنسبة للسياسة الأمريكية المتمثلة في غزو واحتلال بعض الدول، أما السياسة الإسرائيلية فهي قائمة منذ نشأتها على منهج الاغتيالات المستهدفة وتصفية خصومها، كوسيلة أولية للقضاء على أي من يقف في طريق مشروعها التوسعي الذي يروج لفكرة «إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات. ويظهر تاريخ إسرائيل الدموي والحافل بالاغتيالات العسكرية أنها تعتمد على الخيانة والغدر والقتل كأدوات استراتيجية لضمان أمنها ومصالحها التوسعية.
ولعل أبرز دليل على هذا النهج هو ما وثقه الصحفي والمؤرخ الإسرائيلي رونين برغمان في كتابه «اقتل أولًا: التاريخ السري للاغتيالات المستهدفة في إسرائيل»، حيث أحصى أكثر من 2700 عملية اغتيال نفذتها إسرائيل منذ سبعين عامًا. ولم تقتصر هذه العمليات على القادة الفلسطينيين أو العرب فقط، بل شملت شخصيات بارزة في الشرق والغرب على حد سواء، سواء لأسباب سياسية أو أمنية أو استراتيجية تتعلق بمواجهة أي تهديد محتمل لمشروعها التوسعي. وتعكس هذه السياسات اعتماد إسرائيل على القوة الفردية والاغتيال كأداة لتحقيق أهدافها، ما يجعلها دولة ذات سجل استثنائي في استخدام الاغتيالات كجزء من استراتيجيتها الأمنية والسياسية، وهو ما يميزها عن العديد من الدول الأخرى في العالم.
وعندما التقت الإرادتان الأمريكية والإسرائيلية في مسار تصعيدي واحد، برزت صيغة هجينة للحرب تمزج بين العقيدة الإسرائيلية القائمة على الاغتيال الاستباقي، والعقيدة الأمريكية المعتمدة على التفوق العسكري الشامل. الفكرة بدأت، وفق هذا التصور، بضربة نوعية تستهدف رأس هرم القيادة عبر اغتيال المرشد الأعلى وكبار القادة، في محاولة لإرباك منظومة القرار، كما جرى في تجارب سابقة مع حماس وحزب الله. يعقب ذلك الدور الأمريكي عبر توظيف القوة الجوية والبحرية والصاروخية لتدمير البنية العسكرية ومراكز القيادة والمنشآت الحيوية، بما يشل قدرة الدولة على الرد المنظم.
غير أن هذا السيناريو، رغم ما قد يبدو فيه من حسم عسكري سريع، يحمل في طياته احتمالات انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه. فإيران، في سعيها لردع خصومها، قد لجأت إلى توسيع نطاق المواجهة عبر استهداف منشآت عسكرية أو نفطية في محيطها الإقليمي، في محاولة للضغط على الاقتصاد العالمي ورفع كلفة الحرب على خصومها. كما أن استعراضها لقدراتها العسكرية، من قدرتها على إلحاق خسائر بإسرائيل، يعكس استعدادها للذهاب بعيدًا في معركة تعتبرها معركة بقاء. وفي ظل شعورها بخطر وجودي يهدد نظامها، قد تتجه إلى خيارات أكثر تصعيدًا، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات شديدة الخطورة.
وبذلك تكون الولايات المتحدة وإسرائيل قد دخلتا فعليًّا في حرب استنزاف طويلة، قد تمتد لسنوات وتتجاوز حدود الضربات المتبادلة إلى صراع مفتوح متعدد الجبهات في مسعى منها لإسقاط العمامة الإيرانية والاستبدال بها حكم الشاهنشاه. وما لم يتدخل العقلاء لإطفاء فتيل المواجهة والحد من ويلات حرب لن يكون أحد بمنأى عن تداعياتها وقد تحترق كثير من الدول جراء هذا الصلف الأمريكي الإسرائيلي.
