رقعة الشطرنج الإسرائيلية
24 مارس 2026
24 مارس 2026
تقترب إسرائيل، في نظر كثير من المراقبين، من تحقيق حلمها المتمثل في مشروع «إسرائيل الكبرى» من النهر إلى النهر، وهو أمر لم يعد خافيا حتى على عامة الناس. فقد أعلنت مرارا، وعلى مرأى من العالم، عزمها المضي في تحقيق مشروعها القومي الصهيوني القائم على التوسع الجغرافي، انطلاقا من تصورات تمتد من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في العراق، وهي مساحة تشمل أجزاء واسعة من العالم العربي ومحيطه الإقليمي. ويستند هذا الحلم، في أحد أبعاده، إلى تأويلات دينية لاهوتية يهودية يعتقد أصحابها أنها تمنحهم حقا تاريخيا، استنادا إلى ما ورد في سفر التكوين من وعد لإبراهيم بأن تمتد الأرض الموعودة من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات.
قد لا نكون بمعزل عن هذا المشروع الصهيوني، فموقع منطقتنا يضعها ضمن أو بالقرب من نطاق ما تدعيه إسرائيل بأرض ميعادها الكبرى. ومع ذلك، قد نكون في حالة غفلة عن أبعاد هذا المخطط، بحكم أن كثيرا مما جرى من أحداث سياسية وعسكرية كان بعيدا عنا ولم يمس بشكل مباشر أمننا ومصالحنا، أو لأننا لم نكن منتبهين في حينه لمثل هذه المشاريع الاستراتيجية. وربما قد نكون ومن حيث لا ندري، ساهمنا في تعجيل بعض ملامحها أو في تهيئة الظروف التي تساعد على تحققها.
ملامح هذا المشروع أو المخطط الصهيوني بدأت مع قيام إسرائيل على أرض فلسطين عام 1948 بدعم بريطاني، لتكون نقطة الانطلاق نحو بناء كيان يسعى إلى ترسيخ وجوده وتوسيع نفوذه. ومنذ ذلك الحين، شهدت المنطقة سلسلة من التحولات والصراعات أعادت تشكيل المشهد السياسي، بدءا من القضية الفلسطينية وما رافقها من تهجير ونزوح، وصولا إلى تأثيرات امتدت إلى دول الجوار. كما تداخلت هذه التطورات مع تحولات إقليمية كبرى، من بينها الحرب في العراق عام 2003، وما أعقبها من تغيرات سياسية، ثم موجة الاحتجاجات التي شهدتها عدة دول عربية فيما بات يسمى بالربيع العربي في 2011، والتي أسهمت في إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، كما حدث في تونس وليبيا وسوريا واليمن والسودان وغيرها.
وفي امتداد لهذا السياق، لم يبق من هذا المخطط، وفق ما يراه كثير من المتابعين، سوى إيران وبعض دول الخليج. ويتضح ذلك من الخارطة التي عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة، أمام أنظار العالم؛ حيث أشار اللون الأخضر فيها إلى ما وصفه بإسرائيل الكبرى، الممتدة من السودان إلى مصر فالأردن وسوريا ولبنان، وصولا إلى أجزاء من منطقة الخليج. ولم يعد هذا الطرح سرا يمكن إنكاره أو التغاضي عنه؛ إذ يبدو أن المشروع يسير وفق مراحل متتابعة، تتداخل فيها الأدوار بين الحلفاء الغربيين والولايات المتحدة، وبين ما تنفذه إسرائيل عبر أدواتها العسكرية أو التقنية أو الدبلوماسية، وأحيانا تحت منطق الضغط والتهديد.
وفي سياق هذا المسار، كان لا بد لهذا المشروع التوسعي من عبور الضفة الأخرى، حيث تتموضع إيران وتشرف على واحد من أهم معابر الملاحة الدولية، وتمتلك مقومات قوة لم تكن متاحة للعديد من الكيانات الصغيرة التي طالتها القوة الإسرائيلية تحت ذرائع متعددة، من بينها تهديد أمن العالم أو أمن إسرائيل، أو السعي لامتلاك أسلحة نووية. ومن هنا، بدت إيران هدفا أكثر تعقيدا، ما استدعى مسارا مختلفا يقوم على إضعافها تدريجيا تمهيدا لتفتيتها.
وقد عملت إسرائيل، بدعم من حلفائها، على هذا المسار لأكثر من أربعة عقود، عبر أدوات متعددة بدأت بالعقوبات الاقتصادية، ومرورا بالاغتيالات السياسية، والحصار، واستهداف المواقع التي يشتبه في احتوائها على برامج أو قدرات نووية. كما تم توظيف المسار الدبلوماسي للضغط على طهران، من خلال الدفع باتجاه فتح منشآتها أمام مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في محاولة لكشف جوانب من قدراتها التقنية والعسكرية.
غير أن إيران، قابلت هذه الضغوط ببعض الشروط التي تضمن سيادتها، وتمسكت بمواقفها التي وافقت بمقتضاها على التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، غير أن ذلك لم يمنع من شن الحرب عليها لتنفيذ المخطط المعد سلفا.
حركة البيدق في لعبة الشطرنج الإسرائيلية مستمرة، ولن تقف عند إيران وحدها. وإن لم تهزم هذه المرة، فلن يتوقف المشروع الأمريكي الإسرائيلي عن استنزافها ومحاولة إضعافها على مراحل. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا بعد «سقوط الجندي الإيراني»؟ هل ستنتقل اللعبة إلى الضفة الأخرى من الخليج؟
هذا التساؤل لم يعد بعيدا عن التداول، بل بات يتردد على ألسنة بعض الأصوات في منطقتنا الخليجية، التي بدأت تعيد قراءة المشهد بقدر أكبر من الوعي، بعد أن ظلت لفترة تعتقد أن مصدر الخطر الأقرب يأتي من الجوار المباشر، لا من مشروع أبعد في ظاهره، أعمق في أهدافه. وهذه القراءة، في تقديري، لم تعد ترفا فكريا، بل ضرورة تفرضها طبيعة التحولات المتسارعة في المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده الساحة العربية من تغيرات متلاحقة، تؤكد أن سقوط حجر الدومينو الأول كفيل بأن تتبعه بقية الأحجار تباعا.
ما يجري حولنا لم يعد يحتمل مزيدا من الغفلة أو تشتت المواقف، بل يستدعي وضوحا في الرؤية وتحديدا دقيقا لمن هو العدو الحقيقي. وعي المرحلة يفرض علينا أن نتجاوز خلافاتنا، وأن نتوحد في مواجهة التحديات المشتركة؛ لأن قوة المنطقة تكمن في تماسكها، وأي تصدع فيها لا يخدم إلا من يسعى لإضعافها وإعادة تشكيلها وفق مصالحه.
