العابدات المحبّات
فهنالك سرديّة كبرى بُني عليها التعاقد بين عامّة النساء والوليّات العابدات، قد تخرج أحيانا عن الحد الشعبيّ العام الضابط للعلاقة السائدة في مدن المشرق والمغرب العربيين بين عامّة الناس وما يُعتَقَد أنهم من الأولياء المتصوّفين المنقطعين إلى عبادة اللّه. النساء العابدات كوّنّ تمثُّلا عالمًا وشعبيّا خاصّا وجديرًا بالدراسة.
أمّا في التصوّر العرفاني فهي سالكة طريق، ومجاهدة نفس، وذاتٌ عبرت من ظاهر العبادة إلى باطن المحبّة. غير أنّ هاتين الصورتين لا تتنافيان بقدر ما تتكاملان، فالمجتمع يرى في الوليّة نزاهةً ونقاءً وأثر الاقتراب من الذات الإلهيّة، والمتصوّف يرى في تجربتها طريقًا إلى هذا القرب.
الصورة المُثلى للمرأة العابدة بدت في ما أسّسته رابعة العدويّة من خلوّ مميّز في الدخول في حال العشق الإلهي، فهي لا تقتصر على التزهّد والتعفّف والتنسّك والتقشّف بل هي تقدّم تصوّرا يؤسّس لحال التصوّف، رابعة العدويّة المرأة التي احتلّت في العبادة مركز التأسيس والقدوة، فهي التي أسّست مفهوم العبادة البعيدة عن الخوف من النار أو الرغبة في النعيم، وإنّما هي محبّة خالصة، نقيّة، بعيدة عن الغائيّة، وهي القائلة: «اللهم إن كنت أعبدك خوفًا من نارك فاحرقني بها، وإن كنت أعبدك طمعًا في جنتك فاحرمني منها، وإن كنت أعبدك حبًا لك فلا تحرمني رؤيتك»، وهي بداية التأسيس الواعي والمعلن لمفارقة عبادة الخوف والدخول في حال عشق الجمال الإلهي لذاته وفي ذاته، وهو الخطّ الذي تشكّلت منه لاحقا مقامات العشق الصوفيّ، فالتحوّل من عبادة الرهبة إلى عبادة الرغبة كان بفعل رابعة العدويّة، التي لم تكن متصوّفة بالمعنى السّائد اليوم، وإنّما كانت زاهدة عابدة استند إلى كراماتها وطرائق عبادتها المتصوّفة اللاّحقون، منهم رأسا التصوّف: الحلاّج والشبلي، اللذان دارا في آفاقها وجالا في أحوالها، وبعثا مقامات عشق الاستحقاق وعشق الهوى.
ولم تكن رابعة العدويّة صوتًا أنثويّا شاذّا في التفرّغ للعبادة، ولا استثناءً يدخل عالم «الرجولة الروحيّة»، ولا عملا فرديّا خاصّا، وإنّما زخر التاريخ الروحيّ للإسلام بعابدات حسن ذكرهنّ في مقام الفراغ للعبادة والهروب إلى حضرة الإله وترك عالم المادّة بكلّ شواغله، مثّلن ظاهرة ثريّة ومتنوّعة وغنيّة.
خصّص أبو عبد الرحمن السلمي منذ القرن الخامس للهجرة كتابًا يعرض فيه هذه الظاهرة الاجتماعية الروحيّة ويفصّل القول فيها، سمّاه ذكر النسوة المتعبّدات الصوفيّات، فصّل القول في أخبار النساء اللواتي اخترن الزهد وتفرغن لعبادة الله وأعرضن عن الدنيا، ومنهن من عُرفت واشتهرت بقيامها المديد وانقطاعها إلى الصوم المستمرّ، ومَن أغرقت في العبادة والبكاء حدّ فقدان البصر.
وهذا الأمر لا يُمكن أن يُختَزَل في صلة سلوك المتعبّدات بالجندر، ذلك أنّ التجربة الروحية سبقت هذه التصنيفات الحديثة، فقد تَقبَّل العقل الزاهد فكرة المرأة العابدة، الوليّة، صاحبة الكرامات بذهن نُفي عنه التمييز وتخلّص من التفضيل وتعالى عن تحقير المرأة، ولذلك وجدنا احتفاءً لاحقًا بالمرأة العابدة النقيّة والصفيّة الخليّة، فيحق لها أن تنال ما يناله الرجل من المقامات والمراتب والصفات، بما في ذلك مرتبة القطبيّة، وفقا لقول ابن عربي الذي يُنزّل المرأة منزلتها وتتكشّف له بجلاء طينتها وأصل طبيعتها، وهو الرائي، العارف، إذ يرى أنّ المرأة هي المجال الأنقى والأصفى لرؤية الجمال الإلهي ولإدراك الحسن الربّاني، فهي حمالة الجمال، وصورة الامتنان، وباعثة الحنان، وأعظم مشاهدة للحقّ وأكملها تكون في صورتها، ولهذا فلا يتحرّج ابن عربي من الإشادة بشيخاته في مجال الزهد، فقد ذكر فاطمة بنت المثنّى القرطبية التي قام على خدمتها ورعايتها والتعلم منها سنتين، ومنها أخذ تربية العارفين، في توجيه البصر إلى آفاق الوجود منها تُدرك الذات الخالقة، دون الاكتفاء بالاقتصار على الغوص في النفس تأملا وتزكية وتنقية.
لا شكّ أنّ كبار المتصوّفة والزاهدين قد تخلّصوا من الفوارق البيولوجيّة بين المرأة والرجل، وعادوا إلى مقولة الإنسان، وإلى عدم تجنيس الروح، وتركها لأعمالها وأحوالها، وهو ما أثير في كتاب لم يقرَأ في الفكر العربي قراءة جادّة رغم أنّ صاحبته سخّرت حياتها لدراسة الزهد والتصوّف، وهو كتاب روحي أنثى للمستشرقة الألمانية آنا ماري شمل. ومنه وممّا أثرتُه يُمكن أن نُدرك أنّ الكثير ممّا وُسمت به المرأة من أفكارٍ جاهزة ونمطيّة حول منزلتها وطرائق التعامل معها في الحضارة العربية الإسلامية في حاجة إلى وفير مراجعة، ولعلّ في إعادة تدقيق سرديّة الولاية النسويّة في التراث الإسلاميّ ما يحملنا إلى إعادة النظر في صُور جاهزة استقرّت في الأذهان أكثر ممّا انغرست في واقع التاريخ.
