الصراع وأشكاله في رواية «دار خولة»
06 أبريل 2026
06 أبريل 2026
تُناقش الكاتبة بثينة العيسى في روايتها (دار خولة) الصادرة عن منشورات تكوين بالكويت عام 2024م، موضوعات الثقافة والثقافة المضادة والهوية والمرجعية والصراع المتشكّل من أيديولوجيا المكان والشخصيات، وتنطلق الرواية في موضوعها الرئيس من أسرة كويتية/شرقية لها طابع حياة قائم على الثقافة الشرقية والهوية العربية. لكنّ الأحداث ستتغير بعد افتتان خولة/ الشخصية الرئيسة بهوية خارجية، الأمر الذي سيحوّل المسار السردي إلى زاوية مغايرة يكون الصراع فيها عنصرًا مهمًا في الكتابة السردية.
يأخذ الصراع أشكالًا متعددة في الرواية، وهو ما يبدو أن الرواية اشتغلت عليه لتكون الأحداث منطلقة من صراع داخلي يتشكل بين الشخصيات والأمكنة والثقافات. يتشكل الصراع في الرواية من الهوية والثقافة، لا سيما ثقافة الآخر وهويته، كما يتشكل من المكان وعلاقات أشخاصه، ويتشكل أيضًا من الشخصيات التي توجد لنا صراعًا في التفكير والمعرفة.
صراع الهويات والثقافة المضادة تطالعنا بثينة العيسى في مقدمة روايتها، تحديدًا في الفصل الأول (ص7)، بجملة قصيرة تقول فيها: «الأمر الذي تكرهه خولة أكثر من الشيخوخة هو التصابي، والأمر الذي تكرهه أكثر من التصابي هو أمريكا». لا يخرج الأمر عن كونها جملة استهلالية تنطلق منها الكاتبة للدخول إلى عالم الرواية، لكن هذه الجملة تخرج إلى وظيفة جاذبة للقارئ، فالأمر مرتبط بحضور أمريكا في الفقرة في مقابل لفظتي الشيخوخة والتصابي.
سيتضح الأمر للقارئ من أن هناك حبًا وودًا قبل هذا الكره، إذ يعود الأمر، كما تستطرد الرواية في ذكره، إلى عام 1991، وهو عام التحرير في الكويت. إذ يتحول الأمر إلى إعجاب وافتتان وتكوين صورة مضيئة للهوية الأخرى، جاء في ذلك: «منذ تحرير الكويت ولسنوات طويلة، أحبّت خولة أمريكا، حتى خوّلتها مهمة إعادة صياغة عالمها... عاشت خولة حلمها الأمريكي الخاص دون أن تضطر إلى زيارة أمريكا مرة واحدة». (ص32) الأمر الذي سيدفع خولة (أستاذة الفلكلور الشعبي) إلى رغبتها في إدخال أبنائها إلى مدارس أمريكية بحجة أن التعليم جيد فيها، مع ممانعة زوجها قتيبة في ذلك، كون أن الجميع درس في مدارس حكومية. ومع إصرار خولة سيتحقق الأمر في ذلك.
يتشكّل الصراع هنا بعد وفاة قتيبة (أستاذ الأدب العربي)، وتدني مستوى ابنهما ناصر في التعليم، إضافة إلى بعض السلوكيات الأخرى في الملبس والهيئة، الأمر الذي استدعى خولة للتدخل لإعادة الأمور إلى نصابها. تُعبّر خولة عن ذلك بتدني مستوى ابنها تعليميًا وسلوكيًا، إلى حد أنه لم يعد يعرف أسماء الدول المجاورة للكويت. وهنا يبرز الصراع في الهوية والثقافة بين ثقافتين متضادتين: ثقافة عربية إسلامية تحاول خولة تصحيح مسار ابنها بالعودة إليها، وثقافة خارجية قائمة على التغريب، الأمر الذي تعدّى حدود الأسرة وواجباتها، ما دفع الابن ناصر إلى الغضب والخروج من البيت إلى بيت الجدة والإقامة فيه، تلته فجوة كبيرة في العلاقة بين خولة وابنها.
بُني صراع الهوية والثقافة أساسًا من الحوار الدائر بين قتيبة وخولة حول دخول الأبناء إلى المدارس الأجنبية، مُحدثًا صراعًا بين طرفين يمثلان أعلى هرم الأسرة. نقرأ الحوار الدائر بينهما: «لم يخطر لها في تلك الأيام، أنها لن تستعيد طفلها من أمريكا قط، وينقبض قلبها كلما تذكرت قتيبة، وكيف تحفظ على قرارها: «كلنا درسنا في مدارس الحكومة، وما فينا إلا العافية»، لكنها أصرت على التعليم الخاص، الأمريكي تحديدًا، لأنه نظام يخلق الاستقلالية والتفكير النقدي، ولا يقوم على التلقين، ولأن مكتباتهم أفضل، وفصولهم لا تعاني أعطال التكييف، وحماماتهم ليست قذرة وبلا أقفال، ولأنهم لا يعاملون التلاميذ كالخراف، ولأن فعالياتهم لا تنتهي: «يوم البيجاما، أسبوع القراءة، يوم التخضير، يوم القميص المعكوس ...».
ثم سألها سؤالًا ما زالت أصداؤه تتردد في أحشائها: واللغة العربية؟
انتفض شيء بداخلها، أحست بهشاشة مفاجئة أمام زوجها أستاذ الأدب العربي، بدفاتره الجلدية المليئة بالشعر، وحلمه الأزلي بكتابة الشعر، ومكتبته المكونة من الشعر ومن أجله، والذي ضمخ جلدها بأبيات كعب بن زهير والمنخل اليشكري وعمر بن أبي ربيعة، الذي بفضله -فقط- صارت محصنة ضد التصابي، لأنها صدقت أنها «هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة»، وأنها «الكاعب الحسناء التي ترفل في الدمقس وفي الحرير»... (ص34)
هذا الحوار كان كافيًا لإبراز صورة الصراع المتشكّل بين ثقافتين: ثقافة راسخة بجذورها في وجدان قتيبة، وثقافة طارئة في فكر خولة، الأمر الذي انعكس بدوره على الشخصيات في الرواية.
صراع الشخصيات
يمكن لنا أن نلمح صراعًا مهمًا بدأ في التشكل بين خولة وبين أبنائها، وذلك يرجع إلى اختلاف الثقافات بين زمنين مختلفين؛ فالزمن الذي عاشته خولة يختلف عن الزمن الذي يعيشه الأبناء، إذ لكل شخصية طريقة في تفكيرها أو حياتها المتجددة، وهو ما أحدث قطيعة بين الطرفين.
تحاول خولة، مع كل ذلك، أن توجد سبيلًا لترميم العلاقة بينها وبين أبنائها، وربما جاءت الدعوة إلى الطعام حلًا مهمًا للتقارب وإطفاء لهب الماضي. تأخذ جلسة الطعام بُعدًا مهمًا في فتح الملفات ومناقشتها بين الأطراف الأخرى، ليس ذلك فحسب، لقد أظهرت هذه الدعوة سمات الشخصيات وما تتحلى به من ثقافة وتفكير، بما فيهم خولة نفسها.
لقد أبرزت كل شخصية سمات الشخصيات الأخرى، فخولة متمسكة بهويتها العربية، رغم أنها في أول الرواية أصبحت في صراع مع المجتمع بسبب مقابلة تلفزيونية، الأمر الذي تلقت معه مواجهة من المجتمع وسخرية أبنائها، كما تحاول التمسك بأبنائها وإعادتهم إليها مجددًا، ما يُحدث صراعًا في الرواية بين الشخصيات جميعها.
أما ناصر، فبحكم تعليمه الخاص ذو ثقافة غربية، يعيش فترة قطيعة مع والدته، ينتقد هيئة أمه ومنطقها وتفكيرها، بعيد عن ثقافته العربية وهويته (في نظر يوسف أنه شاذ). وإذا تأملنا حال الابنين الآخرين (يوسف وحمد)، نجد أحدهما قريبًا من والدته، يحاول ملاطفتها دائمًا (بحسب ناصر هو يقوم بذلك للاستفادة منها في ترك أبنائه معها)، أما حمد فهو غير مبالٍ.
تتكشف سمات الشخصيات، ويعلو الصراع، ويصبح الاجتماع العائلي فرصة للتشفي من الآخر وإبراز عيوبه، هنا تعلم خولة الحقيقة المضمرة في شخصيات أبنائها، نقرأ: «وفي غمضة، وثب ناصر من مكانه واشتبك الاثنان بالأيدي، قبض كل على ياقة الآخر وانهال عليه ضربًا وشتمًا وبصقًا. أخذا يلهثان مثل كلبين، وقد ركض كل في مضمار كراهيته الخاصة. وعرفت خولة أن الصمغ الذي يجمع أفراد عائلتها هو الادعاء، لا الحب». (ص104)
هذا الصراع المتشكّل بين الشخصيات هو صراع قدّم لنا الصورة الداخلية التي عليها كل شخصية، وعمل على تحريك الأحداث، ومردّه إلى اختلاف الثقافات، الذي معه تقدّم الرواية صورة للأم والأب وهما يحملان ثقافة عربية قديمة، في مقابل الثقافة الحديثة التي عليها الأبناء، لا سيما ناصر الذي يدرس في مدارس غربية. هنا يحتدم الصراع بين ثقافتين وهويتين مختلفتين، وهذا ما تريد الرواية تقديمه للقارئ: اختلاف الثقافات والهويات وما ينتج عنه من صورة طارئة في المجتمع. كما أوجد هذا الصراع حوارًا مشتعلًا بين الشخصيات، بين رفض لفعل الآخر، وتقديم صورة مغلوطة عن الآخر.
تُعدّ صناعة الهوية أو صناعة الثقافة وتحديدها من الموضوعات المهمة التي اشتغلت عليها الكاتبة بثينة العيسى؛ إذ نجد في الرواية: الإعجاب بثقافات أخرى وعادات وهويات خارج ثقافتنا، ثم انكسار الصورة اللامعة التي رُسمت لهذه الهوية، ثم محاولة العودة إلى هويتنا الأولى، وهو الذي عبّرت عنه الكاتبة في الصفحة الأولى للرواية: «الأمر الذي تكرهه خولة أكثر من الشيخوخة هو التصابي، والأمر الذي تكرهه أكثر من التصابي هو أمريكا»، فهو إذن الصراع المحتدم حول إعادة الهوية والثقافة.
