الشعر في دفاعه عن الإنسان في قصيدة «سفينة العبودية» للبرازيلي كاسترو ألفيس
20 أبريل 2026
20 أبريل 2026
نشرت مجلة نزوى في عددها (124) الصادر في أكتوبر من عام 2025م قصيدة مترجمة للشاعر البرازيلي كاسترو ألفيس (1847-1871م)، وهو شاعر برازيلي توفي في العشرين من عمره. تُعد هذه القصيدة من القصائد التي تناول فيها الشاعر قضية مهمة وهي قضية التجارة بالعبيد، وبحسب الشاعرة والمترجمة العراقية نضال القاضي مترجمة هذه القصيدة فإن كاسترو من المهتمين بقضية التجارة بالعبيد، وكان مدافعا عنهم، تقول في شيء من سيرته حول ذلك: «...من رحم هذا الخضم التاريخي الشاق والمؤلم وُلِدَ واحد من أعظم المناهضين للعبودية جعل من مناهضته لنظام الرق قضيّته الشخصيّة، فَغَلَبَتْ على مجمل أعماله الأخرى التي تناولت بشكل رئيس مشكلة الصراع الطبقي، وقضايا المهمشين، والمضطهدين، شعرا ومسرحا، وليكتب في سنّ الثانية والعشرين، أي في عام 1869، مأثرته (سفينة العبيد)؛ مما أكسبه بلا منازع لقب «شاعر العبيد»، إنَّهُ: كاسترو ألفيس 1871-1847» (ص206).
تشتغل قصيدة سفينة العبيد على محدد مكاني قائم على فضاء يضم مجموعة من البشر يُنقلون من أوطانهم إلى غيرها بعد بيعهم هناك، هذا المحدد يأخذ انطباعا واقعيا في القصيدة أكثر من كونه متخيلا، وهو ما يشير إليه عنوان القصيدة (سفينة العبيد) كونها سفينة خُصصت لحمل العبيد عليها.يمكن أن نقسّم القصيدة الشعرية في حركتها الدلالية والثقافية -بحسب قراءة هذا المقال- إلى أربعة أقسام: إذ يأخذنا القسم الأول إلى حركة تصويرية عامة يفتتح بها الشاعر قصيدته، معتمداً على الصورة المكانية للبحر والسفينة، إذ تبدو القصيدة هادئة في ارتباط الشاعر بالطبيعة، نلحظ هذا الهدوء في دلالات النص ونحن نقرأ المقطع الأول:
نحن في وسط البحر
في الفضاء طائر دودو
يلعب في ضوء القمر
من خلفِهِ
فراشة ذهبية؛
وموجاتٌ فاغرةٌ تركضُ...
تتعبُ
مثل جوقة أطفال لجوجين لا يسكتون
نحن وسط بحر سماء
حيث النجوم تتنابض
مثل رغوة ذهب
ويبادل البحر بكنزه السائل
اشتعالات فسفورات الأبراج
نحن في وسط البحر.. اثنان لا نهائيان
حيث يتعانق بجنون
أزرقان مذهّبان... الهادئ والمتسامي
تُرى أي الاثنين السماء؟
أيهما المحيط؟ (ص206)
يواصل كاسترو في لغة حميمية هادئة الحديث عن المشهد القائم على علاقة البحر بالقوارب والبحّارة، أو مشهد الانطلاق والحركة المقابلة لحركة التصوير الشعري، لكنّ ذلك لن يطول؛ فبقدر ما يكون الهدوء مفتتحا للقصيدة فإن التحول القائم على الصراع ورفض الآخر وإهدار إنسانيته وكرامته وتهميشه قد ترسّخ جيدا عند الشاعر، وهنا يتحول الصوت الهادئ إلى صوت هادرٍ غاضب يُعبّر عن الآخرين المختلفين في اللون.
تتحرك القصيدة في مقطعها الثالث مشكلة القسم الثاني في القصيدة، بحدوث التفاتة نحو الموضوع الذي يقصده الشاعر، وهنا يتحرك أيضا العنصر التصويري القائم على امتزاج اللغة بالرومانسية الشفيفة والوصف الرقيق للمكان، إلى لغة وصفية واقعية ممتزجة بدلالات الرفض لما يمس الآخر. وهنا تتجه القصيدة في التعبير الشعري من لغتها الشعرية إلى لغة التعبير عن الواقع، والحديث عن الأنساق المتشكّلة في النص، الأمر الذي يبعد اللغة قليلا عن جماليات التعبير الشعري.
يفتتح الشاعر هذا القسم بنقل مشهد سريع ومفاجئ، فبعد مشهد البحر السابق والبحّار والسفينة ينقل لنا صورة المشهد على السفينة، يقول:
انزل من الفضاء الشاسع يا نسر المحيط
اذهب نحو الأسفل أعمق... أعمق...
حيث لا يمكن أن تدركك عين بشرية....
كما لا يمكن الغوص
صوب مركبك الشراعي الطائر!
لكن.. مهلا.. ما الذي أراه هناك!
مرارة في صورة..
جنازةُ أغنية! أيّةُ تصاوير مكفهرة!
أيُّ عار هذا... يا ربّي يا ربّي!
كم هو مفزعٌ مخجِلٌ ومشين... (ص208)
جاء هذا المطلع فاتحة ينطلق منها الشاعر في مشهد قاسٍ ترفضه الإنسانية، إنها العبودية وتحطيم حلم الإنسان، وتهميش الآخر وإلغاء كيانه. ففي مشهد يصف فيه الشاعر (السلاسل والقيود، والدم، والسياط) يقف فيه الشاعر مع الإنسان أيا كان لونه أو عرقه. تضج الدلالات باستخدام وصفي قاتم، تمتزج فيه سوداوية الوصف بسوداوية المكان، بجرح الشخصيات/ الإنسان:
كان حلما دانتيا...
ظهرُ السفينة المتوهج بلون أحمر،
بضوء فوانيس مغمورة بالدم
زرد سلاسل حديدية،
سياط تشق الهواء،
يشق صوتها أنين فيالق من رجالٍ سودٍ
كليلٍ حالكٍ، في رقصٍ مروّعٍ،
نساء سوداوات يمسكن بأثدائهن
فيما أطفال هزيلون، تطبق أفواههم الداكنة،
على الدم النافر من أجسادهن فيسقون حتى يرتووا،
ثمة فتيات عاريات مذعورات
في ذهول وحزن وحشيّ
تجرجر هن زوبعةُ أشباح
وأوركسترا ساخرة تضحك بصخب
يطوف من حولها شبحُ ثعبان طوافًا جنونيًا...
فإذا ما شَهِقَ رجل مُسِنٌ
أو تزحلق على الأرض
تسمع الصرخات، على الفور وتنطلق السياط...
ليطيروا، يطيرون أعلى وأعلى
محشورين في سلسلة واحدة
وجميعهم يترنح من الجوع...
ويبكي ويرقص
ينهار أحدُهُم من شدّة الغضب...
ويُجَنُّ آخر ..
وآخر يُعَذّبُ حد الموت...
وهو يموت! (ص208)
في القسم الثالث من القصيدة يؤكد الشاعر على إنسانية هؤلاء الناس، وأن لهم ذكرياتٍ وأرضاً وحياةً. تنقل لنا القصيدة دلالات حزينة عن الفعل البشري تجاه الآخر، وينبش الشاعر في أنساق المجتمعات متطرقاً إلى فكرة الجانب الاقتصادي على حساب الإنسان، فتعمل القصيدة على فضح الإنسان أو المؤسسات التي أهدرت كرامة المهمشين. هناك يعلو مستوى الخطاب، ويبرز الرفض كونه صادراً من صرخة عميقة لإنسان يبحث عن حرية إنسان مثله. يقول كاسترو:
أيها الملهم الحر...
أليسوا أبناء التراب
حيث تزوجت الأرض من النور
وعاشت في الحقل المترامي!
قبيلة من رجال عراة
كانوا محاربين شجعانا
عُزَّلًا يقاتلون النمور المرقطة
بالأمس، كانوا الوسيمين الأقوياء
اليوم، هم عبيد بلا سبب
بائسون بلا نور، بلا هواء
ونسوة بائسات ظامئات منكسرات
كما كانت هاجر بائسة عطشى منكسرة
من بعيد... من بعيد وقد أثقل خطوهن
أطفال وأغلال على أذرعهن في أرواحهن دموع ومرارة... (ص209)
هكذا يصوّر الخطاب الشعري السفينة؛ إنها مكان مُظلم، عنصري بالفعل الذي عليه، فما كان في القسم الأخير للقصيدة إلا أن يرفع الشاعر من وتيرة صوته، ورفضه، معترضاً على بلده في هذه التجارة.
يختتم الشاعر قصيدته بهذه الصرخة التي يواجه بها العالم الساكت عن الظلم، ويواجه بها بلده:
ثمة شعب يقرضُ عَلَمَهُ
كي يغطي كل هذا العار والجبن
كل هذا الصخب الداعر تسترُهُ
قماشة من الباشانت البارد!
يا إلهي! يا إلهي! أي عَلَم هذا!
يا لوقاحة أن ترفرف راية فوق عش الغراب
صمتاً يا ميوزا يا ربة الإلهام
ابكي، وابكي كثيرا
إننا نتضرع كي تغسل دموعُكِ هذا العَلَم
لأرضي راية خضراء ذهبية
يُقبّلها النسيم البرازيلي فتتمايل
ينغلق من حولها ضوء الشمس
ويعدُها الربُّ بالأمل
يا أنتَ يا من بعد الحرب
يحملك الأبطال على الرماح
قبل أن تتمزق في معركة
يا لها من نهاية مفجعة تبطش بالعقل
أن ترفرف فوق أجساد ملفوفة بأكفان
في هذه الساعة ستُطفأ السفينةُ القذرة
ستخمد في أمواج الدرب الذي فتحه كولومبوس
مثل قزحية في مياه عميقة
إنَّهُ لعار كبير يا أبطال العالم الجديد!
قوموا !
أندرادا
نكّسْ الراية تلك!
كولومبوس! أغلق باب بحارك. (ص210)
أربعة وعشرون عامًا عاشها كاسترو ألفيس، تبدو قصيرة في زمنها، لكنها كافية أن تجعل منه شاعرًا ثائرًا في وجه الظلم والكراهية. لقد خلّد كاسترو اسمه مدافعًا عن الإنسان، ورافضًا أي تفرقة عنصرية قد تُمارَس بين الشعوب المختلفة.
