التفاصيل الصغيرة.. قراءات في نصوص من الشعر الهندي المعاصر

15 أبريل 2024
15 أبريل 2024

نشرت مجلة نزوى في عددها (112) قصائد مترجمة من الشعر الهندي المعاصر، ترجمها الشاعر والمترجم اليمني شوقي شفيق، وقد جاءت هذه القصائد متنوعة في اختياراتها ضمن موضوعات ومضامين مختلفة انتقاها المترجم بعناية لتقدّم لنا صورة عن الأدب الهندي.

افتتح المترجم تقديمه للقصائد بعبارة: «ما أقدّمه هنا هو ترجمة لنصوص من الشعر المعاصر في الهند، تمنحنا إمكانية التعرف إلى الشعر في هذه المنطقة الرحبة والكبيرة. في هذه النصوص تمتزج الشعرية بفلسفة الشرق كما تمتزج بالتفاصيل اليومية المعاشة. ثمة في الهند لغات شتى منها البنجابية والبنجالية والتليجو والماراثي والمالايالم والأوردو، وهي اللغات التي كُتِبت بها هذه النصوص، وقد ترجمت هذه عن الإنجليزية التي نقل الشاعر آرون كمال هذه النصوص إليها».

ويمكن القول إن انتقاءات المترجم قد قدّمت لنا ملمحا عن الكتابة الشعرية في إقليم مهم ربما لم يطلع كثيرون على تجاربه الشعرية، فجاءت النصوص المختارة ترسم لوحات مضيئة عن واقع الحياة للإنسان في الهند، وواقع التفكير الممتزج بتجربة التداخل بين الشعري والواقعي، كونها محملة بتأثيرات البيئة التي يعيشها الإنسان في مجتمعه. لذا نقرأ في نصوص الشعراء هنا نماذج مختلفة مما اصطادته مخيلة كل شاعر منهم؛ فترسم قصيدة (ثلاث حالات) لشهناز عمراني صورة للطبيعة الممتزجة بالريح والمطر والظلام حاملة أدوات التخيل مع القارئ، محلقة في سماوات الرؤية في الماوراء والتأمل في المجهول:

1

المطر يتلمّس طريقه في الظلام

الريح تمشط الأشجار؛

الضوضاء المحيطة بالمكان تجعل الليل يبدو سميكا

وكثيفا

والنوم ينقر الباب

ألن تقضي الليلة معي؟

2

تنبثق الرغبات خلال النوافذ

وأنا أسمع طرقات على الباب..

هل أفتح الباب

ثمة من يقرع الباب. لا بد من أنه تعب من الوقوف في الخارج

كل هذا الوقت.

3

هل تسميها رغبة

«رغبة طائر محلق »

يحلم بالأزهار والنحل؟

يظهر في النص السابق الصراع الحركي بين الأشياء، يظهر ذلك في تصارع المطر مع الريح مع الظلام مولّدا ضوضاء في المكان لذا تتشكّل الرغبات من لحظات الصراع الدائر بين الأشياء.

ويركز برافولا كومار تريباثي على موضوع الظلام منطلقا في توليد دلالات القصيدة من فكرة عود الثقاب. تبدأ قصيدة (مجرد شيء صغير) بإحداث حالة من الصراع الحركي بين البلل وعود الثقاب ثم يتوسع في بناء دائرة التفاصيل التي يُنشئها، وتظهر الدلالات ذاتها في النص السابق: (الريح والظلام، والعتمة) مقدّمة رؤية عميقة معرفية في التعامل مع الحياة بتفاصيلها اليومية بعيدا عن التعقيد، ومحدثة الصراع الحركي ذاته بين الأشياء:

المسحوق القليل على رأس عود

الثقاب

أصابه البلل

لا فرصة الآن لإشعاله

ومن غير الممكن المضي من دون ضوء

الريح تعوي

والظلام الحالك يطوق الأرجاء

الناس يختبرون مئات الطرائق

لتبديد العتمة

لكن؛ ألا تعلم أنك إذا ضربت حجرا بحجر فستصنع نارا!

النار الكافية لتحويل جبال من القطن إلى رماد

هل حقا لا تعلم شيئا صغيرا كهذا!؟

وتظهر صورة التفاصيل الصغيرة من بين الزحام الكبير، فالحياة مزدحمة ومليئة بالحركة والأصوات والصراعات كما تصفها قصيدة (قصيدة) لأمارجيت شاندان، الفكرة بسيطة جدا، وقد عبّر عنها الشاعر تعبيرا واضحا يقدّم من خلاله صورةً للحياة اليومية بكل تفاصيلها، فالمكان دال على الرحيل والفراق وهو الأمر غير المحبب لدى الشاعر بخلاف الالتقاء الدال عليه المكان نفسه وهو محطات القطار التي تركت أثرا مهما في حياته اليومية:

أنا لا أحب القطارات

ومحطات القطار

ومواقف الباصات والمطارات

حيث يغادر الأصدقاء ولا يعودون

إنني أكرهها

لكنني أحب القطارات

ومحطات القطار

ومواقف الباصات والمطارات

حيث يأتي الأصدقاء معا

وتتشابك أذرعهم

كيلا يفترقوا أبدا.

وإذا كانت القصيدة السابقة رسمت صورة نفسية لمحطات القطار فإن الشاعرة مليكة عمار شيخ رسمت صورة متخيلة للمدينة، فالمدينة كما تصفها:

بضع بنايات شاهقة،

بضع نساء نصف عاريات

بضعة رجال في خرق

بضع جزر من الجوع

بضع آلات تأكل البشر

بضعة رجال يأكلون البشر

ما المدينة أيضا؟

تفتح الشاعر قصيدتها الشعرية وتجعل من سؤالها: ما المدينة أيضا؟ قفلة للقصيدة منفتحة على رؤية العالم الكلي لواقع المدينة، إنها مدينة المتناقضات تجمع: البنايات الشاهقة بالنساء نصف العاريات، الرجال والجزر والآلات بل إنها تستمد مدنيتها من السيطرة على الآخر والتهام البشر. إنه تعبير فلسفي تقدّمه الشاعرة في رصدها لمظاهر التغير الفلسفي والحداثي للمدن الحديثة.

وإذا كان التفكير الفلسفي لوصف المدينة هو ما يقدّم القصيدة السابقة فإن قصيدة (ميلاد فرُّوج) للشاعر عبدُل بسم الله تنطلق من الجانب ذاته من خلال رصد فكرة التفاصيل الصغيرة في رؤية مشهد بسيط لبيضة تضم فرّوجا بداخلها، لكن الشاعر يحاول الوصول إلى أبعد نقطة في الحرية والتمرد على الواقع، مستغلا إحاطة القشرة بالفرّوج، ثم يُحدث الموازنة بين الأشياء: الفرّوج يحاول الخروج والتنفس-آدم حرّر نفسه- نحن علينا أن نهشم قشرتنا وأن نثور ونتمرد على الواقع:

فكر بالفرُّوج وهو داخل

البيضة

حاول أن تفكر فقط

ما الذي يمكن أن يفكر فيه الفرُّوج داخل البيضة

أنصت.

إنه ينقر القشرة بمنقاره الوليد

ويصنع حفرة في وقت قصير

انظر كيف بدأ هذا الشيء

الصغير يتنفس

وكيف، ببراعة، يسحب الهواء إلى الداخل

وبأي تحد يقطع جزءا من العالم لنفسه

لاحظ

إنه الآن ينفخ جسمه داخل القشرة. فيما البيضة تتصدع مثل الرمانة

ويخرج

الفرُّوج يخرج

بهذه الكيفية حرر آدم نفسه

بهذه الكيفية علينا أيضا

أن نهشم

قشرتنا.

وفي الموضوع ذاته تنطلق قصيدة (القصيدة الملصق) لشيرا باندا ارجو، متناولة العمق السياسي وعلاقة الأفراد بالجهات السياسية المختلفة: فالصوت، والبصر والغناء والرقص كلها شبهات تثير السلطة تجاه الفرد الثائر الراجي لخلاصه، وهنا تتدافع الأصوات معلنة بناء نصيا قائما على الخوف والقلق بين طرفين مختلفين فكرا وأسلوبا:

صوتي جريمة.. أفكاري جريمة

ببساطة، لأنني رفضت الرقص على إيقاعهم.

عندما «بالصدفة تماما»

رفعت عيني إلى السماء.

ببراءة

حاولوا أن يقيسوا مقدار نظري

وأرسلوا أنموذجا يحمل بصمة قدمي

إلى المختبرات

ليتحققوا من سر الأغاني التي أغني

الشرطة تلاحقني دائما

وعبثا يحاولون إطفاء النار التي

في جسدي.

كما إنّ الوطن كان حاضرا في تفاصيل الحياة وتفاصيل الشعر، فأردت أن أختم الوقوف على قصيدتين تناولتا الوطن فيها: تميل القصيدة الأولى (إلى بلدي) للآل سينج ديل إلى إظهار مشاعر الحب والعاطفة التي تربط الشاعر ببلده، وهنا يقترن حب الوطن بصورة الأم، فتظهر الصورتان محملتان بعواطف شعورية عميقة، وانتماء كبير، يجسده الحب في أعلى مراتبه:

هل يجب أن يكون ثمة سبب

وراء أن تحب

هل ثمة جذور للشذى

لربما كانت الحقيقة غير مرغوب فيها

لكن الأكاذيب تجد لها قبولا

أحبك ليس لأن جبالك

زرقاء. أو أنهارك

أحببتك، حتى لو كانت جبالك بيضاء مثل شعرات أمي

أعرف أن كنوزك ليست لي

بيد أن ذلك لا يهمني

أحبك بالرغم من ذلك

والحب لا يطلب مقابلا

تلتف الأفاعي حول كنوزك. تطلق الترانيم في مديحك. تسميك

الطائر الذهبي

آه! يا أمي!

إن الأكاذيب تلقى لها

قبولا.

أما القصيدة الثانية فتحمل عنوان (راهن) لنروسينج براساد تريباثي، وهنا يتقمص الشاعر دور المصلح الذي لا يعجبه الواقع الذي تعيشه البلاد، فيُعلن رفضه لما يحصل من جوع وسرقة وجهل وصمت ويظل السؤال الذي تطرحه القصيدة: لماذا؟

واحد يبذر، ويحصد ثمار عمله.. آخرون يبذرون ويجنون ثمار جهدهم.

لكن، هنا.. في هذا البلد

كل شيء مقلوب رأسا على عقب هنا ملايين من الناس يبذرون ويعرقون

لكن حفنة من الناس تتصل حصادهم.

ثمة ملايين من الناس يستعبدهم الجوع

ويعانون من الجهل الموحش

في صمت..

لكن.

لماذا؟

لعل في هذه النماذج صورة عن مقاييس الكتابة التي ينهض بها الشعر في بلاد الهند، لا سيما وأن لكل شاعر تياراته وأفكاره وأساليبه الشعرية التي تقوم عليها القصيدة، وكذا فإنّ ترجمة نصوص وآداب الشعوب قد قدّمت لنا لمحة عن هذه التجارب وعن التفاصيل اليومية والأحداث والحياة التي لا يمكن أن تلتقطها إلا مخيلة شاعر آمن بالكلمة وأصالتاه في التعبير الشعري.

خالد المعمري كاتب عماني