البطء كمضاد للانتباه القصير!

12 أبريل 2026
12 أبريل 2026

يُساور بعض المؤسسات الثقافية في الآونة الأخيرة شكٌّ في أنّ الجمهور لم يعد مُهتمًّا بما هو عميق أو تحليلي، وأنّه أكثر ميلا إلى ما هو سريع ومُوجز وقادر على إثارة الإعجاب ولو على نحو سطحي. وقد حدا ذلك ببعض المؤسسات إلى تقليص دورها الثقافي أو إعادة توجيهه نحو ما يُظنُّ أنّ الجمهور يطلبه: أي المحتوى ذي الطابع البسيط التفاعلي، بدلًا من النصوص التحليلية طويلة النفس.

تشيرُ الناقدة الثقافية أدريان هورتون في مقالها «هل تموت المراجعة؟ هل يواجه النقد الثقافي خطر التلاشي؟» المنشور في صحيفة الغارديان إلى تحوّلات لافتة في موقع النقد الثقافي داخل المؤسسات الإعلامية؛ حيث تتجه بعض الصحف إلى تقليص أدوار النقاد كما في بعض الممارسات التي شهدتها صحفًا من مثل: «شيكاغو تريبيون» و»نيويورك تايمز»؛ حيث رُجح المحتوى السريع والتفاعلي على التحليل النقدي الأشد صلابة!

هذا التحوّل في المفهوم يضع الكتابة بمعناها الرصين في موقع ثانوي مقارنة بالمحتوى المباشر الذي يتوافق مع منطق الخوارزميات ومنصّات التواصل. لكن حتى إن بدا هذا التغيير مُلائمًا لإيقاع القراءة السريعة، فإن الطابع الدعائي الترفيهي لا يُعوّضُ قيمة التحليل المتخصص الذي درج النقاد والكتّاب على تقديمه لنا. فهل يعني ذلك أن الكتابات -كما نعرفها- باتت مُهدَّدة بالتراجع أو بالانقراض!

في ظلّ هذا الواقع المُزدحم بالشِّراك الظاهرة والمُضمَرة المحفزة للتعجل الذي يشي بموت الشكل التقليدي للصحافة الثقافية، تبرزُ حركة «سلو ميديا» كمحاولة جادة لمقاومة الانتباه القصير الذي يُثبتُ أوتاده بإزميل المنافسة على عدد المشاهدات لا على المضامين والأثر.. إذ تعيد حركة «سلو ميديا» الاعتبار لقيمة التمهّل والتأمّل وتدعو إلى إنتاج محتوى عالي الجودة، يستغرقُ وقتا أطول في سبك المادة وتحريرها. 

ومما يُشيع الاطمئنان قليلًا أنّ بعض المؤسسات من مثل: «نيويورك تايمز» و«الغارديان» و«لوموند» تُبقي على مساحات النقد والتحليل الثقافي كفعل مقاومة ضد إيقاع السرعة. بعض الصحف أيضا لم تعد تُعامل النشر الورقي والتوزيع كـ»نوستالجيا» عابرة، وإنّما كقطعة فنية مُكتملة يمكن الاحتفاظ بها، كما تفعل مجلة «ذا نيويوركر» التي تُولي عناية خاصة بأغلفتها ورسوماتها، فتتحول أعدادها إلى مواد أرشيفية قابلة للاقتناء. 

تُفضلُ بعض المجلات أن تُراهن على عدد محدود من القرّاء الذين يرتبطون بها بعمق وتقدير، أكثر مما قد تفعل مع جمهورٍ عريض لا يُضيف سوى رفعٍ مُبالغ فيه في عدّاد مُتصفحيها! هذا التصوّر يفتحُ المجال أمام المجلات الثقافية لتجاوز دورها التقليدي المحدود؛ بحيث لا تكتفي بالاستجابة للذوق العام، بل تضطلع بإعادة توجيهه وصياغة تطلعاته. فهي -أي المجلات- ليست قُربانًا على مذبح التقنيات الحديثة، وإنّما النواة الحاضنة للفُتوحات المعرفية المُذهلة وسِجال الأسئلة التي لن تتوقف البشرية عن اقتراحها.

لكننا في الوطن العربي ما زلنا نقبعُ كبهلوان مرتجف بين محاولة ترويض هاجس خسارة الثقل والخشية من الخفة التي لا تُفضي إلى معنى. ولذا لا ريب أننا في أمسّ الحاجة إلى عقد رهانات جديدة مع الأشكال والمضامين التي تحفرُ في لبّ ما يُشغل الأجيال الجديدة، الأمر الذي يدفعنا إلى هجر تقشّف الرؤية تجاه مشاريعنا الثقافية والنجاة من خدر التعطّل ومن فخاخ نزعة التسليع في آن.. هذا ما ذكرتُه أثناء تقديم ورشة مجلة نزوى التي أُقيمت في يناير الفائت، بأنّ الملاحق والمجلات الثقافية قد لا تعود علينا بالمردود المالي المرجو، لكن يمكننا أن نتبصر في الفائدة المُضمرة تحت طبقات ما تُحرّضه من أسئلة مرتبطة بالوجود وما يعتمل فيه من غموض وثورات، دون إنكار أنّ ما تقترحه التقنيات الحديثة يُغيّرنا على نحوٍ مذهل، ويعيد تشكيل علاقتنا بالكتابة والفنون والآداب، بتاريخ الأفكار والأمكنة، بالسينما واللوحات والصور.

علينا أن نُسلِّم بأنّ هذا الجاثوم المُوشك على وأد المشاريع الثقافية، هو في الوقت نفسه يقظةٌ تبعث حياةً جديدة في الصحافة الثقافية، تجعلنا أكثر اتصالا بحساسية العصر ورؤاه. وهو ما يدعونا إلى أن نقف إلى جانب الفيلسوف الكوري بيونغ تشول هان المنتقد لـ»مجتمعات الإنجاز» اللاهثة وراء الغايات، علّنا نستعيدُ فلسفةَ البطء في عالمٍ مُسرف في الانتباه. 

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»