فيلم نجوم الكلب.. حياة مهدّدة وشخصيات تصارع من أجل البقاء
التحدّيات التي تواجه كوكب الأرض كثيرة وتزداد، وتشكّل تحدّيًا حقيقيًا للمجتمعات البشرية، ويذهب الأمر بعيدًا من طرف المتخصّصين، فتراهم يرسمون صورة سوداوية للواقع المستقبلي، وهو ما عالجته السينما في عشرات الأفلام التي قدّمت صورًا شتى لما سوف يلحق الأرض وساكنيها من ضرر، سواء بسبب متغيرات الطبيعة والاضطرابات المناخية كالاحتباس الحراري وظواهر الجفاف في مقابل التسونامي والفيضانات والزلازل والبراكين وغيرها، وكلها كانت جزءًا من صورة الديستوبيا الافتراضية.
هذه الديستوبيا توسعت سينمائيًا وصولًا إلى خراب الأرض بالأعاصير والفيضانات أو بالصراعات والحروب، وخاصة النووية والجرثومية، أو بسبب تفشي الأوبئة وهلاك كثير من البشرية.
وها هو المخرج الكبير "ريدلي سكوت"، وهو في الثامنة والثمانين من العمر، يعود إلى الشاشات بفيلم ديستوبي خالص يحكي مرحلة ما بعد الجائحة، وكيف تبعثر البشر في قرى وأماكن نائية مقطوعة عن العالم الخارجي، ومعرضة بين الحين والآخر إلى هجمات من قطاع طرق وفلول إجرامية في صراع على البقاء.
في مشهد ذي خلفية غنائية، تظهر طائرات شراعية صدئة ومبعثرة ومستودعات مهجورة في وسط أرض زراعية محاطة بالجبال، وحيث يعيش هيغ -الممثل "جاكوب إيلوردي"، وهو مهندس يعاني من وحدةٍ قاتلة بعد موت زوجته بسبب مرض عضال- وها هو يتجول في مهبط طائرات مهجور برفقة كلبه، ويشاركه في تلك البيئة المعزولة صديقه بانغلي، الممثل "جوش برولين"، وحيث ينطلق هو وكلبه على متن طائرة شراعية صغيرة، حيث لم يعد هنالك وقود للسيارات، فيقوم برحلات متكررة إلى مدينة دنفر الأمريكية لجلب الأدوية لتجمع صغير من طائفة تدعى "المينونات"، فضلًا عن توفير الغذاء له ولصديقه الذي يتبنى نهجًا عسكريًا صارمًا، بينما لا يضيع "هيغ" الفرصة في كل رحلة دون أن يمر على منزله المهجور، فيستعيد ذكرى زوجته الراحلة.
تبرز هنا إشكالية تُبنى عليها أحداث الفيلم اللاحقة، وتتمثل في هجمات الباحثين عن وقود وطعام ومأوى، وهم شراذم وفلول مبعثرة، ولهذا تجد بانغلي جاهزًا بسلاح القنص والسلاح الرشاش والناظور الحراري، وقد بنى برجًا عاليًا كمرصد للغرباء، وهو يصطادهم تباعًا بمهارة، وهو ما لم يعد يطيقه هيغ، فيقرر أن يفارق صديقه متجهًا إلى مكان آخر، وهكذا تصبح مشاهد الرحلة بالطائرة الشراعية ركنًا مهمًا في السرد الفيلمي.
وارتباطًا بدور تلك الطائرة البسيطة ووظيفتها، فإنها تتعرض إلى خلل يجعلها تتهاوى بقائدها هيغ في منطقة غابات، ليجد هناك امرأة ووالدها يعيشان مما تجود به أرضهما وماشيتهما، وهما أيضًا مستنفران وأيديهما على الزناد خوفًا من اجتياح الغرباء، مما يجعل هيغ هدفًا محتملًا، لكن بالتدريج تتحقق درجة ما من الثقة، ومن ثم تنشأ علاقة ودية بين هيغ وبين سينا – الممثلة "مارغريت كوالي" -ووالدها بوبس- الممثل "غاي بيرس"، وما يلبثون أن يواجهوا هجمة شرسة تُستخدم فيها الخيول والسيوف في عودة إلى زمن مضى وحياة بدائية قائمة على الغزو، وعلى الرغم من تصدي الثلاثة للمهاجمين وقتل عدد منهم، إلا أن الأعداد الهائلة من الغزاة تضطر الثلاثة إلى الهرب والنجاة بأنفسهم بواسطة الطائرة الشراعية المتهالكة.
وهكذا يعمد كاتب السيناريو والمخرج إلى تقسيم بنية الفيلم السردية مدعومة بحبكات ثانوية من خلال مواجهات احتلت كل واحدة منها قسمًا خاصًا، مما أوصل فكرة وإحساسًا للمشاهد خلاصته عدم الشعور بالأمان الذي تشعر به الشخصيات، وأنهم سوف يواجهون فلولًا جديدة.
وفي هذا الصدد، كتب عدد من النقاد عن هذا الفيلم، ومن ذلك ما كتبه "روبرت دانيالز" في موقع "روجر إيبرت": "يُعد هذا الفيلم نموذجًا نمطيًا لأفلام الإثارة التي تدور أحداثها في عالم ما بعد الكارثة؛ فهو يتبنى كافة القوالب المعتادة لهذا النوع، لكنه يفتقر إلى ذلك التوتر النفسي الذي يمنح مثل هذه الأعمال عمقًا يترسخ في وجدان المشاهد. ومع ذلك، ينجح المخرج سكوت -بفضل رؤيته البصرية المتميزة- في انتشال الفيلم من رتابته عبر تقديم المشاهد التي تظل عالقة في الذاكرة، كما يفسح المجال ببراعة للمناظر الطبيعية لتعكس أثر العزلة على شخصياته التي تبدو في جوهرها محملة برموز ودلالات لرسالةٍ أراد المخرج إيصالها".
أما الناقد "ديفيد فولي" فقد كتب مقالًا في موقع "كيبت ريل" قال في قسم منه: "لقد تجنب المخرج حشو الفيلم بشروحات تفسيرية مطولة؛ إذ من خلال الأحداث يتعرف الجمهور على حالة العالم خلال الفصل الأول من الفيلم من خلال جولة بصرية في المكان. تبدو المدينة وكأنها شهدت انتفاضةً عنيفة؛ سياراتٌ مقلوبة وزينة عيد الميلاد مبعثرة في أرجاء مشهدٍ حضريٍ منسي، مع بقايا مرافق طبية تشير ضمنيًا إلى الفيروس الذي يُكشف عنه لاحقًا. رغم أننا لا نعرف تفاصيل الفيروس، أو سرعة انتشاره، أو كيفية التعامل معه في ولايات أخرى، أو ما إذا كان قد تحول إلى أزمة عالمية، إلا أن ذلك لا يهم كثيرًا؛ فقد شاهدنا قصصًا مشابهة بما يكفي لنتمكن من تجميع خيوط الأحداث في أذهاننا بأنفسنا".
هذه النقاط التي أشار إليها النقاد هي بالفعل ما يؤشر على الفيلم في كونه قد أغفل نوع الجائحة وما آثارها، وهل إنها مقتصرة على الولايات المتحدة، حيث تقع الأحداث في إحدى ضواحي ولاياتها، أم إنها جائحة عالمية، مع أنه يقرّبنا في بعض الأحيان من عالم الزومبي مع قدر من الغرائبية التي سوف تتجلى في القسم الأخير من الفيلم عندما تهبط الطائرة في مهبط طائرات يديره أشخاص ما يزالون يتمتعون بإمدادات الكهرباء وشيء من الرفاهية، وعند الدخول للمكان نكون في عالم آخر، وهي في الواقع النقلة النوعية الأهم في الفيلم، فالذين يقطنون المكان هم خليط متنافر من شخصيات غريبة ويرتدون أشكالًا مختلفة من الأزياء، وهم يتهللون لقدوم الثلاثة، وتقرر السيدة التي تدير المكان تزويج سينا من أحد الحراس، وهنا يتسرّب الشك إلى المجموعة بأنهم وقعوا في فخ، وأنه سوف تتم تصفيتهم لا محالة، وهنا تقع مواجهة شرسة تنتهي باكتشاف أن ذلك المكان شهد مقتل كثير من العابرين، وأن تلك المجموعة ليست إلا مجموعة من الوحوش آكلي لحوم البشر.
هكذا يقدم ريدلي سكوت بعد تاريخه الطويل وأفلام مهمة سابقة مثل المصارع بجزأيه، والغرباء ومتسابق الحافة والمطر الأسود، وهانيبال ومملكة الجنة والبلطجي الأمريكي وروبن هود ومنزل غوشي ونابليون وغيرها، يقدّم فيلمًا مختلفًا من خلال شخصيات محدودة، مع أنه لا يحقق المواصفات الأكثر تميزًا في أفلام الديستوبيا الغرائبية، إلا أنه عزز القسم الخاص بالعالم الديستوبي ببقاء الطبيعة خضراء ومشرقة وبقاء البحيرات والجبال، وهو ما وظفه بشكل جمالي متميز من خلال الرحلات المتكررة بالطائرة الشراعية.
....................
إخراج: ريدلي سكوت
سيناريو: مارك سميث
عن رواية بيتر هيلر
تمثيل: جاكوب إيلوردي، جوش برولين، مارغريت كوالي، غاي بيرس، أليسون جاني
مدير التصوير: إيرك ماسيرشميدت
موسيقى: هاري ويليامس
الميزانية: 100 مليون دولار
بوكس أوفيس: 40 مليون
