كينيدي الابن و«نزقته» الموقظة للعرب
قبل سنوات إبان فترة تحضيري لرسالة الدكتوراه أرسل لي مشرفي البريطاني ملحوظة تتعلق بأفضلية استعمال «الأرقام العربية» في مواضع معينة من الرسالة بدلا من «الحروف اللاتينية».
ولمن ما يزال غير مدرك للأرقام العربية وأصل تطورها؛ فهي ببساطة الأرقام الأكثر استعمالا في علوم عصرنا المتقدم (1، 2، 3... إلخ)، ويعود ارتباطها بالعرب إلى جذورها الأولى من حيث النشأة والتطور الذي أحدثه علماء العرب آنذاك في علوم الحساب ومتعلقاتها الكثيرة. ولا يعني ذلك أن ندعي أن شكل هذه الأرقام لم يتغير منذ نشأتها العربية ولمساتهم التحديثية عليها؛ إذ أدخلها العرب بعدها إلى العالم الغربي عبر الأندلس؛ لتتطور إلى ما نراه عليه اليوم.
لذا أشكر مشرفي الغربي على عدم نزعه المسمى «العربي» عن هذه الأرقام، وعلى عدم إنكاره لفضل العرب في اكتشاف العلوم وتطورها.
أما مناسبة سرد هذا المشهد العفوي الذي مر عليه الزمن وولى فترتبط بتصريح وزير الصحة الأمريكي «روبرت إف. كينيدي جونيور» المثير للجدل؛ حيث ألصق تهمة الجهل «المطلق» بأكثر من 500 مليون عربي زاعما أنه لا توجد لهم بصمة حضارية -خصوصا في وقتنا المعاصر- في أي مجال من مجالات المعرفة والعلم.
ويبدو أن الرجل حاول البحث عن اسم عربي ارتبط بجائزة من جوائز العلم أو بإنتاج فكري أو مادي انتفعت به الإنسانية، فلم يجد. ولا أعلم وسيلة «كينيدي الابن» التي استعملها في بحثه هذا رغم إحصائه الصحيح -تقديرا- لعدد العرب في العالم.
في حين ما أزال أتساءل أكان الرجل توصل بمهارته البحثية إلى مؤسس علم الاجتماع الأول «ابن خلدون» العربي -في القرن الرابع عشر ميلادي- الذي يُرجح انتقال نظريته الاجتماعية إلى الغرب وإعادة صياغتها لتُعرف بـ«العقد الاجتماعي» على يد «جان جاك روسو» بعد منتصف القرن الثامن عشر؟ وهل توصل إلى معرفة «أبي حامد الغزالي» صاحب المنهجية الأولى في «الشك المنهجي» -في القرن الحادي عشر ميلادي- التي وجدت طريقها بعد قرون من رحيل الغزالي إلى الغرب؛ ليعيد «ديكارت» تشكيلها في كتابه «مقال في المنهج» دون الإشارة إلى صاحبها الأول؟!
أدركُ أن ابن «كينيدي» يوجّه اتهامات التقصير إلى عرب اليوم، ولكننا ما زلنا نملك ما يمكن أن ندحض به ادعاءه «المطلق»، ونذكّره بعلماء وأدباء عرب كبار بعضهم من رحل عن دنيانا قريبا، وبعضهم ما زال ينعم بالحياة ويقدّم للإنسانية -بما فيها الأمة الغربية- خدمات عظيمة.
نذكر منهم على سبيل المثال -وليس الحصر- العالم المصري أحمد زويل (ت: 2016) الذي نال جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، والأديب المصري نجيب محفوظ (ت:2006) صاحب جائزة نوبل في الأدب لعام 1988، والعالم الأردني-السعودي عمر ياغي الفائز أيضا بجائزة نوبل في الكيمياء عام 2025. والقائمة تطول لعرب فازوا بجوائز عالمية أخرى في مختلف فنون المعرفة وعلومها من بينهم عُمانيون.
لم يوفق «كينيدي الابن» في تصريحاته هذه، وأخذته العزة بميله إلى دعم كل ما يتصل بالصهيونية.
وبلغ الاستنكار لزيفه وعنصريته مداه؛ فكانت شقيقته «كيري كينيدي» من بين الذين شجبوا تصريحاته المسيئة، وأبدوا خجلهم منها مذكرة إياه بإنجازات كبيرة حققها علماء وأدباء عرب في عصرنا الحديث.
رغم تمسكي الشديد بالاستنكار ضد تصريحات ابن «كينيدي» ونكرانه للبصمة العربية وطمسها بأسلوب مفرط في العنصرية، فإننا في المقابل يتعين علينا شكره - ولعل هناك عربا آخرين يشاركونني هذا الشكر- على منحنا فرصة جديدة لمراجعة مواطن ضعفنا؛ فأرتاح شخصيا لوجود ما يمكن أن أطلق عليها «النزقات الموقظة» التي نحتاجها من حين إلى آخر، وإن كانت لا تعبّر عن ظاهرة مطلقة. وأرى أننا بحاجة إلى تجاوز الاستياء من مثل هذا الهجوم وإن غلبت عليه النبرة العنصرية والموحية بالجهل بقيمة الأمم الأخرى ومساهماتها المعرفية.
ولا يعني توجيه الاستنكار وإلحاقه بالشكر حالة تناقضية مني؛ إذ يحتمل الأمر عددا من الزوايا لا تنفصل عن بعضها، وترتبط بمتلازمتي «المطلق» و «النسبية»؛ فأضفى ابن «كينيدي» صبغة الجهل «المطلق» على الأمة العربية، وهذا ما لا نقبل به، ورُدَّ عليه بأمثلة واقعية وبلغة الأرقام التي لا تكذب. لكننا - ومن منطلق السعي إلى التميّز- لا ننكر قصورنا في الحقل المعرفي، وهذا إشارة إلى «نسبية» المشكلة، ونحتاج إلى من يذكّرنا بها، ولو بـ«نزقة» غير منهجية وغير دقيقة.
نحن -العرب- من يتحمل ظهور هذه الانتقاصات؛ نظرا لما ارتضيناه لأنفسنا ولوضعنا العلم وأهله في مستوى متدنٍ.
وأقرب تمثيل لما أعنيه حادثة وقعت قبل أسبوع لعالِم عربي كبير يعيش في دولة غربية، ويعمل في إحدى أهم جامعاتها وأرقاها في العالم، جاء إلى بلده العربي مشاركا بكلمته في محفل علمي، وتأكد له -مرة أخرى- أن العلم في عالمنا العربي ما زال دون القيمة المستحقة بعدما بدأت وكالات الإعلام الحاضرة تسحب مكبرات الصوت ومسجلاتها من أمامه فور خروج الوزير من القاعة؛ لينتقد هذا المشهد علنا ومباشرة.
أرى أن شكرنا لابن كينيدي في محله؛ فنقده -وإن كان مبالغا فيه- ضروري لنعيد تذكير أنفسنا بتأخرنا الحضاري الحالي، وعندما نتحدث عن لغة الأرقام ندرك أننا في عداد الأمم المتأخرة من حيث مخرجاتنا العلمية.
لا أتحدث بالضرورة عن أهمية الحصول على جوائز مثل نوبل التي لم تسلم من التأثيرات السياسية والعرقية، ولكن الإشارة إلى مخرجات عربية معرفية ملموسة نرجو تجليها في صور متعددة: أبحاث ودراسات علمية رائدة، وفي كتب ومكتبات تعج في عالمنا العربي بكل ثقل وهيبة، وصناعات عربية مستقلة.
نريد أن نشهد عودة لعلماء عرب اعتنت بهم دول الغرب؛ فردوا الجميل بمنحهم عطاءهم المعرفي بأنواعه؛ فمن الصعب ألا نجد قامة عربية في جامعة من الجامعات الغربية العريقة أو في مراكزها البحثية وشركاتها الكبرى وقطاعاتها الصحية.
أتمنى أن نحوّل عنصرية ابن «كينيدي» إلى «نزقة» موقظة؛ فنعيد ما نفقده من مهارات في تنمية الطاقات البشرية العربية ومخرجاتها المعرفية.
فلماذا لا نفكر في مشروع عربي كبير معني بإعادة هيبة الحضارة العربية وثقلها المعرفي بتعدد مجالاته؟ بيد أن من المهم أن نسعى إلى توحيد رؤية هذا المشروع، وتنفيذه بشكل عربي جمعي غير متفرّد بحدود الدول العربية كل على حدة.
يتطلب المشروع عنصرين: المال والإنسان، ولا غبار على أن هذين العنصرين حاضران عند العرب.
ويمكن تفعيل صندوق عربي مشترك يرتبط بجامعة الدول العربية يتيح للمبدعين العرب التسجيل عبر هذا الصندوق المدعوم ماليا من الحكومات والشركات العربية المقتدرة، ويُنتقى من يستوفي شروط المشروع؛ لتوفر لهم الحاضنات وبيئاتها المناسبة، ثم يعود بعدها بمخرجاته إلى المجتمعات العربية ومؤسساتها، وإلى عموم الإنسانية.
قبل ذلك كله يتطلب مشروعنا العربي مراجعة شاملة لكل إخفاقاتنا الحضارية ومشكلاتها، ويتركني هذا أمام دعوة إلى إعادة قراءة العقل العربي بكل أجزائه التاريخية والتراثية والسياسية والاقتصادية والعلمية والنفسية، وفهم نموذجه؛ لنخرج برسم بياني تحليلي متكامل.
ومن المستحسن أن نستعين بمقترحات مفكرين عرب سبقونا إلى طرح المشكلة العربية الحضارية بعمق، وفي مقدمتهم المفكر الجزائري مالك بن نبي، والمفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري، والأديب المفكر المصري زكي نجيب محمود، والمفكر المصري عبدالوهاب المسيري، وفيلسوف العرب المعاصر المغربي الدكتور طه عبدالرحمن.
وأتصور أن لدينا قامات عربية أخرى -ما زال بعضها يعيش بيننا- تستحق أن نلتفت إلى إنتاجها المعرفي الساعي إلى معالجة مشكلة الحضارة العربية والإسلامية بشكل عام.
ويؤكد لنا ذلك أننا أمة تملك حلولها في داخلها ومن عقول رجالاتها، ولسنا بحاجة إلى استيراد علاجنا الحضاري من خارج دائرتنا العربية.
لنبدأ بإقرارنا بوجود ظاهرتنا الحضارية المتأخرة، ولكن من غير العدل أن ننعتها بالميتة كما تصور «روبرت كينيدي جونيور» بعاطفته العنصرية التي أعمته عن رؤية نجوم عربية مضيئة في فضاء المعرفة.
على كل حال؛ لعل على «روبرت كينيدي» أن يعيد مراجعته لرقم 500 مليون عربي عدّهم جميعا من الفاشلين، وليحذف شخصا واحدا على الأقل من هذا الرقم -إن كان «روبرت» لا يستطيع الرؤية خارج حدود أمريكا-، وإشارتنا إلى السيناتور الأمريكي العربي عبدالرحمن السيد الذي جاء خطاب ابن «كينيدي» المسيء إلى العرب في خضم الحرب الانتخابية ضده وضد كفاءته.
مع ذلك، فإننا نكرر شكرنا لابن «كينيدي»؛ لكونه منحنا دافعا متجددا و«نزقة» -نسأل الله أن يوقظنا بها- نستحقها، ونتحمل فيها مسؤوليتنا التاريخية في إعادة بناء الحضارة العربية. ولا يفوتنا أيضا أن نُعرب عن خالص تهانينا للسيناتور الأمريكي-العربي عبدالرحمن محمد السيد.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
