No Image
ترجمة

أوروبا أمام اختبار التجديد

05 نوفمبر 2026
05 نوفمبر 2026
توماس بوبرل

وُلِدتُ في ألمانيا، ودرست في سويسرا والمملكة المتحدة، وخدمتُ كضابط احتياطي في البحرية الفرنسية. واليوم، أنا مواطن فرنسي أقود شركة فرنسية تعمل في أكثر من خمسين دولة. وأنا، قبل أي وصف آخر، أوروبي.

تعكس قصتي الشخصية ما حققته أوروبا: فقد شيدت الدول التي تحاربت فيما بينها لقرون من الزمن اتحادا قوامه السلام والحرية والازدهار، ويضرب بجذوره في الديمقراطية وسيادة القانون، ويلتزم بالتضامن والحماية الاجتماعية.

ومع ذلك، فقد اعتدنا على هذه الظروف حتى أننا بتنا نعتبرها غالبا من المسَلَّمات.

وفي حين لا يزال المراقبون من الخارج ينظرون إلى الاتحاد الأوروبي إلى حد كبير على أنه نموذج للحرية والفرص، فإننا نحن الأوروبيين نميل إلى التركيز على نقاط ضعفنا: بيروقراطية مرهقة، وشيخوخة سكانية، وجمود تكنولوجي، ونقص في «الشركات الرائدة» العالمية في قطاعات حَرِجة.

الواقع أن نقاط الضعف هذه حقيقية، لكنها ليست مستعصية على الحل إذا تحركنا الآن. فكلما طال انتظارنا في التصدي للتحديات التي نواجهها، كلما تضاءلت ثقتنا في قدرتنا على التغلب عليها.

وفي حين يعمل التحول التكنولوجي السريع وتوَحُّش المنافسات الاستراتيجية على توليد حالة عميقة من انعدام اليقين، بل وحتى مخاطر تهدد وجودنا، فإن آخر ما تحتاج إليه أوروبا هو أن تغفل عن مَواطِن قوتها.

ومَواطِن القوة هذه لا يُستهان بها. يمثل الاتحاد الأوروبي نحو 20% من الاستهلاك العالمي: فهو يشكل أكبر سوق موحدة في العالم، ويستند إلى قواعد وضوابط تنظيمية شفافة.

وبفضل معدلات ادخار أعلى بنحو ثلاثة أضعاف من نظيراتها في الولايات المتحدة، يمتلك الأوروبيون مدخرات قيمتها 35 تريليون يورو (39 تريليون دولار أمريكي).

تتمتع منطقة اليورو بمتوسط معدل ادخار مرتفع بنيويا، يتراوح تاريخيا بين 12% و15% (بل وأعلى من ذلك في دول مثل فرنسا وألمانيا). وتدير شركات التأمين الأوروبية وحدها أصولا تبلغ قيمتها نحو 10 تريليونات يورو.

يكمن التحدي في حشد مزيد من رأس المال هذا لصالح التعليم والبحث العلمي، والابتكار، والتحولين الأخضر والرقمي، والدفاع.

لتحقيق هذه الغاية، يجب أن يعكف الاتحاد الأوروبي على إتمام اتحاد الادخار والاستثمار الذي طال أمد نقاشه، والذي يهدف إلى تعزيز تطوير أسواق رأس المال والأسواق المصرفية المشتركة.

لكن الاستثمار وحده لن يُفضي إلى إقامة قطاع التكنولوجيا الرائد عالميا الذي يعتبر على نطاق واسع ضرورة أساسية لتعزيز قدرة أوروبا التنافسية في المستقبل.

وكما أشار ماريو دراجي في تقريره المؤثر لعام 2024 حول القدرة التنافسية الأوروبية، فإن فجوة الإنتاجية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة هي إلى حد كبير نتيجة للتباين بين قطاعي التكنولوجيا هنا وهناك.

السؤال هو: ما الذي أدى إلى هذا الاختلاف؟ لماذا تتخصص أوروبا في الإبداع التراكمي - تحسين ما بنيناه على مدار عقود من الزمن، مثل السيارات - بدلا من إنتاج ابتكارات ثورية مُعَطِّلة للقديم؟

يكمن جزء من الإجابة في التنظيم، وخاصة تنظيم أسواق العمل. فباستثناءات قليلة - على وجه الخصوص الاقتصادات الإسكندنافية، التي تعمل وفق نموذج «الأمان المرن» - تتسبب حماية العمال من خسارة وظائفهم في جعل إدخال تقنيات جديدة وتطوير أنشطة جديدة أكثر صعوبة في الدول الأوروبية مقارنة بالولايات المتحدة أو الصين.

يُعد النموذج الاجتماعي الأوروبي من أعظم مَواطِن قوتها، وتقع الحماية الاجتماعية في صميم الهُوية الأوروبية. ولكن ليس من الجائز أن يتحول ضمان الأمن إلى سعي للقضاء على كل المخاطر. فبدلا من إعاقة الإبداع بهدف الحفاظ على كل وظيفة تماما كما هي اليوم، يجب على أوروبا أن تساعد الناس على الإبحار عبر التحولات القادمة والتكيف معها.

في كثير من الأحيان، يتدخل النموذج الاجتماعي الأوروبي بعد فوات الأوان، بعد أن يخسر العمال وظائفهم وتصبح مهاراتهم عتيقة. بدلا من اتخاذ موقف دفاعي، ينبغي لنا أن نسعى إلى التدخل الفعّال مع ظهور الإبداعات والابتكارات الجديدة.

يجب حماية الأوروبيين من مخاطر التغيير، ولكن أيضا من خطر الركود. فبفِعل محاولاتنا المفرطة لمنع الارتباكات، نعمل على تثبيط التجريب، والاستثمار، وروح المبادرة.

من الأهمية بمكان الحفاظ على نموذج الرعاية الاجتماعية الأوروبي، ولذلك يجب تحديثه وتمويله على نحو مستدام. وينبغي أن تشمل الأولويات رفع سن التقاعد، وزيادة معدلات التوظيف من خلال تحسين القدرة على الوصول إلى التعلم مدى الحياة ودعم التحولات المهنية، وإتاحة خطط الادخار الطويلة الأجل الميسورة التكلفة على نطاق أوسع.

من الضرورات الأساسية أيضا الاستثمار في الرعاية الصحية الوقائية - وهو أمر بالغ الأهمية لمساعدة الناس على البقاء أصحاء ومستقلين لفترة أطول - وتطوير خدمات الرعاية الطويلة الأجل التي تناسب السكان المسنين.

مثل هذه الجهود كفيلة بطمأنة كل الأوروبيين إلى أنهم لن يُتركوا ليتدبروا أمورهم بأنفسهم، مع الحرص على تزويد الشباب بمزيد من أسباب الأمل في مستقبل آمن ومزدهر.

ويجب أن تتضمن معالجة كل هذه التحديات - من تحديث الاقتصاد إلى إصلاح دولة الرفاه - الحوار مع الشركاء الاجتماعيين. هذا الحوار قادر على إضفاء الشرعية على الإصلاحات الصعبة في مجتمعات شديدة الاستقطاب غالبا.

كل هذا يتوقف على استعادة أوروبا لقدرتها على العمل. بدأ تأسيس الاتحاد الأوروبي عندما عملت ست دول، عازمة على توفير مستقبل سلمي لشبابها، على تجميع الموارد اللازمة لخوض الحرب: الفحم والصلب.

ينبغي لنا أن نحتذي بهذا النموذج اليوم، فنحدد المبادرات التي من شأنها أن تضمن فعليا مستقبلا قوامه الحرية، والسيادة، والتضامن؛ ونركز الإرادة السياسية والاستثمارات عليها؛ ونمضي قدما مع أولئك المستعدين للعمل.

قد لا يشمل هذا كل دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين. في الواقع، في أغلب الأحوال، لن يشملها جميعها عندما يتعلق الأمر بالمشاريع الصناعية، والتكنولوجية، والدفاعية الكبرى. يجب أن تعمل تحالفات الراغبين على تمهيد الطريق، على أن ينضم آخرون بمجرد أن تثبت المبادرات نجاحها.

الاستقلالية الأوروبية الكاملة ليست واقعية، ولكن بالاستعانة بمزيج من الفِكر الاستراتيجي، والسياسات الجريئة، والمرونة التنظيمية، تُصبِح أوروبا قادرة على إنشاء شركات رائدة في صناعات رئيسية، كما فعلنا مع شركة إيرباص في عام 1970.

في مجال الذكاء الاصطناعي، ورغم أن أوروبا تتخلف عن الولايات المتحدة والصين في تطوير النماذج الرائدة، فقد تتمكن من الريادة في تبني هذه التكنولوجيات، بفضل قاعدتها الصناعية القوية.

ومن المؤكد أن الحافز الذي يدفعها للقيام بهذا قوي: فمع تقلص قوة العمل بِفِعل الشيخوخة السكانية، قد تشكل مكاسب الإنتاجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي نقطة تحول حاسمة.

لتحقيق هذه الغاية - وتعزيز آفاق الشباب في المستقبل - يجب أن تكون إعادة تأهيل العمال وخلق وظائف أعلى قيمة من الأولويات القصوى. والاستثمار في البنية الأساسية الحَرِجة والمحلية، فضلا عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي العملية، مطلوب أيضا، وخاصة لتعزيز سيادتنا التكنولوجية.

إن الإيمان بأوروبا لا يعني الدفاع عن الوضع الراهن، بل يعني امتلاك الطموح اللازم لملاحقة التحول. ومن شأن حس الغرض الواضح على أعلى المستويات - والذي يتجسد في رؤية مقنعة تركز على الرخاء والأمن والديمقراطية - أن يساعد المواطنين على تصور مستقبل إيجابي، بدلا من الانغماس في الحنين إلى الماضي. وسوف يترجِم العمل الحاسِم هذا الهدف إلى تقدم ملموس.

قد لا تَلقى البيئة العالمية الجديدة الأكثر تفتتا وتنافسية التي نجد أنفسنا فيها استحسان الأوروبيين، لكن هذا هو العالم الذي يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يواجهه. لن يتسنى لأي دولة عضو أن تفعل هذا بمفردها، ولا توجد أي كتلة أخرى من الدول في وضع أفضل لتحقيق النجاح.