No Image
ترجمة

شتاء السخط في أوروبا

29 أكتوبر 2026
29 أكتوبر 2026
هارولد جيمس

اشتهر مهندسو التكامل الأوروبي في مرحلة ما بعد الحرب باعتمادهم على الأزمات لبناء مؤسسات أكثر اتساعًا وشمولًا. وعلى النقيض من ذلك، فإن نجاح الإصلاحات التدريجية والجزئية يتطلب أن تكون التحديات التي تواجهها أوروبا محدودة نسبيًا. غير أن هذا الوصف لا ينطبق بأي حال على المأزق الذي تجد أوروبا نفسها فيه اليوم.

يواجه الاتحاد الأوروبي أزمات متعددة ومترابطة تهدد المبررات الأساسية لوجوده. فالأوروبيون يكافحون للتعامل مع أزمة صناعية ناجمة عن العولمة والتغير التكنولوجي المتسارع على نحو استثنائي، وأزمات مالية عامة، وأزمة مناخية بدأت بالفعل تُحدث أضرارًا جسيمة وتزيد الأعباء المالية التي يتعين على الدول تحملها.

وفوق ذلك، تشير التحولات الديموغرافية، المتمثلة في شيخوخة السكان وتقلص القوى العاملة، إلى تكاليف أكبر بكثير في المستقبل. وتتعرّض الديمقراطية للتقويض بفعل صعود الأحزاب المناهضة للنظام السياسي القائم وانهيار قوى الوسط السياسي. ويضاف إلى هذه الأزمات جميعها تحدٍّ أمني تتباين تصورات الأوروبيين بشأنه من منطقة إلى أخرى؛ إذ تنظر دول شمال أوروبا وشرقها إلى روسيا باعتبارها تهديدًا وجوديًا، بينما تبدي دول أخرى قدرًا أكبر من الاطمئنان.

ولنتذكر كيف دفعت الحرب الباردة مسيرة التكامل الأوروبي، عندما توحّدت الدول المؤسسة للجماعة الاقتصادية الأوروبية في مواجهة الاتحاد السوفييتي.

ومع أن ذلك أسهم في تعزيز التكامل المؤسسي، فإنه دفع النخب الأوروبية أيضًا إلى الاعتماد على التهديد الخارجي كوسيلة تساعدها على مواصلة تقوية البناء الأوروبي الذي أوجدته. ومن هنا، دأبت هذه النخب على دق ناقوس الخطر عقب كل صدمة، بدءًا من ضمّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شبه جزيرة القرم عام 2014، والفوز الأول لدونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وصولًا إلى الحرب الروسية الأوكرانية وإعادة انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة.

لكن على الرغم من أن هذه الأزمات كانت تقابلها دائمًا استجابات من نوع ما، فإن تلك الاستجابات لم تكن كافية. واليوم، يجد جميع الأوروبيين، والأوكرانيون على وجه الخصوص، أنفسهم أمام نظام عالمي جديد قد تتحدد ملامحه في قمة تجمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الصيني شي جين بينج. ولنتخيل ثلاثة رجال يعيدون تمثيل مشهد مؤتمر يالطا الذي عُقد في فبراير 1945، عندما استجاب الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، الذي كان يعاني من السرطان، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، الذي أنهكه الضعف، لاستمالات جوزيف ستالين، ووافقا على اقتسام عالم ما بعد الحرب. لقد سُجّلت تلك اللحظة في التاريخ بوصفها لحظة مشينة، وسيكون تجنب تكرارها اليوم من أبرز الأولويات الأوروبية.

لقد وصلنا إلى هذه اللحظة لأن بعض أبرز الخطوات التي اتخذتها أوروبا نحو التكامل في مرحلة ما بعد الحرب الباردة لا تزال غير مكتملة.

فقد كان مهندسو الاتحاد النقدي الأوروبي يدركون أن اعتماد عملة موحدة يستلزم أيضًا وجود قدرة مالية مشتركة. وربما اعتقدوا أن أزمة مستقبلية ستولّد الإرادة السياسية اللازمة لاستكمال هذا المشروع، على غرار ما حدث عندما دفعت أزمة جائحة كوفيد-19 إلى إنشاء برنامج «الجيل القادم للاتحاد الأوروبي».

وقد تضمّن برنامج التعافي هذا، الذي بلغت قيمته 800 مليار يورو (890 مليار دولار)، بالفعل أداة مشتركة للاقتراض، لكنه لم يصل إلى حد تحديد مصادر الإيرادات التي ينبغي استخدامها لخدمة الدين. لقد كانت تلك خطوة صغيرة على طريق التكامل المالي الأوروبي، لكنها لم تتجاوز ذلك.

وتتمثل مشكلة جوهرية أخرى في طبيعة العلاقة بين فرنسا وألمانيا. فمن الناحية التاريخية، قام المشروع الأوروبي في مرحلة ما بعد الحرب دائمًا على المصالحة بين البلدين، حيث اعتمدت ألمانيا، التي كانت قوتها الاقتصادية تتعاظم باستمرار، على المظلة الأمنية التي توفرها فرنسا، بوصفها قوة نووية احتفظت باستقلالية عن الولايات المتحدة أكبر بكثير من تلك التي تمتعت بها المملكة المتحدة في أي وقت مضى. غير أن فرنسا وألمانيا تعودان اليوم إلى أنماط سلوكهما القديمة.

ففي فرنسا، أشعلت حركة الاحتجاجات الراهنة بالفعل اضطرابات في دول أخرى، في تكرار للنمط الذي شهدته أوروبا في أعوام 1789 و1830 و1848 و1871. ففي تلك المراحل، كانت فرنسا المحرك الرئيسي لمسار ثوري اجتاح أوروبا، لكنه غالبًا ما انتهى إلى إقامة أنظمة استبدادية بدلًا من إرساء الديمقراطية. وعلى نحو مماثل، تبدو ألمانيا وكأنها تعيد تمثيل مشهد انهيار أول تجربة ديمقراطية حقيقية في تاريخها، وهي جمهورية فايمار، عندما نجح تحالف غير متجانس من القوى الساخطة، ضم النازيين والشيوعيين، في تدمير الأحزاب الرئيسية الأكثر ليبرالية واعتدالًا.

وكما كان الحال آنذاك، فإن الشباب هم الأكثر انجذابًا إلى التيارات المتطرفة اليوم. ويشهد الحزبان الرئيسيان في ألمانيا، الديمقراطي المسيحي والاشتراكي الديمقراطي، انتقالًا سريعًا في تأييد الناخبين إلى أحزاب تتعهد بإعادة توجيه بوصلة البلاد بعيدًا عن أوروبا ونحو روسيا.

لقد فقدت المقاربة القديمة التي سادت مرحلة ما بعد الحرب، والقائمة على إدخال تعديلات محدودة وتدريجية، قدرتها على تحقيق النتائج المرجوة. فقد كانت الصناعة الألمانية قادرة على إجراء تحسينات تدريجية لإنتاج محركات احتراق داخلي أكثر كفاءة، وآلات صناعية مؤتمتة أكثر تطورًا وتعقيدًا. لكن قطاع الأعمال الألماني أخفق في مواكبة التحولات الجذرية التي أعادت ابتكار العمليات الصناعية، وكان المثال الأبرز على ذلك صناعة السيارات الكهربائية.

أما فرنسا، فقد اعتمدت طويلًا على تدخلاتها في أفريقيا لإبراز قوتها ونفوذها على الساحة العالمية.

غير أن مسارها في هذا المجال سار على نحو موازٍ للمسار الألماني. فقد أصبحت فرنسا تعتمد بصورة متزايدة على مجموعات المرتزقة الخاصة، وعندما واجهت تحديات أمنية كبرى بالفعل، اتضح أنها تفتقر إلى القوة العسكرية الكافية لمواجهتها، ما دفعها إلى الانسحاب من سبع دول أفريقية بين عامي 2022 و2025، بالتزامن مع تجدد الدعوات إلى إنهاء التدخلات الخارجية.

ويحمل هذا التطور أيضًا أصداء تاريخية مقلقة. ففي ثلاثينيات القرن الماضي، استخدمت قطاعات واسعة من الطيف السياسي الفرنسي شعار «لماذا نموت من أجل دانتسيغ؟» للتقليل من شأن التهديد الذي تمثله ألمانيا. واليوم، يتردد المنطق ذاته في التساؤل: «هل نموت من أجل كييف؟»

وهذه وصفة تفضي إلى الإذلال. ففي لحظات الهزيمة، كثيرًا ما يلجأ الأوروبيون إلى الأحلام الكبرى. فبعد هزيمته الساحقة في معركة واترلو ونفيه إلى جزيرة سانت هيلانة، تحدث نابليون عن إحياء أوروبا على أساس «المبادئ نفسها، والنظام نفسه، في كل مكان»، من خلال إقرار منظومة قانونية أوروبية موحدة وعملة واحدة.

لكن بعض الأحلام أقرب إلى الواقع من غيرها. فهل بلغت الأوضاع في أوروبا من السوء حدًّا يكفي لدفع دولها إلى تحرك جماعي حقيقي ومؤثر؟ تقوم المقولة الأوروبية الرائجة مؤخرًا على أن الصين والولايات المتحدة ربما تتمتعان بمعدلات نمو أقوى، لكنهما أكثر عرضة للمقاومة وردود الفعل المضادة بسبب سلوكهما بوصفهما قوتين عظميين تسعيان إلى الهيمنة والاستغلال. وربما يكون ذلك صحيحًا.

غير أن الواضح أيضًا أن الإصلاحات الجزئية والتدريجية لم تعد كافية لتمكين أوروبا من مواجهة تحدياتها بصورة مباشرة وحاسمة.